في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

قبل ساعات، كان «رضا» يتحدث مع جاره صاحب محل الأجهزة الكهربائية عن أسعار الثلاجات والشاشات والغسالات، قائلًا بابتسامة: «هشوف بنتي عروسة»، إلى أن اشتعلت النيران مع بزوغ الفجر في حجرة داخل «منور» مساحته متران في 3 أمتار بالعقار الذي يتولى حراسته بمنطقة الهرم فى الجيزة وتنام فيها زوجته وأبناؤه الـ 4، بينما كان هو نائمًا عند المدخل، وفق «بكري»، ابن عم رب الأسرة وصديقه الشخصي، فإن النار اشتعلت بسرعة و«محدش عرف يقف قصادها»، مشيرًا إلى أن الأب تمكن من «انتشال ابنه يوسف» قبل أن تمنعه النيران والماس الكهربائي من الدخول مجددًا، «لتموت زوجته وبنته الكبيرة وبنت وولد- الأخير من ذوي الهمم- مخنوقين».

تفاصيل مأساة حريق شقة حارس عقار في الهرم ومصرع الأم وأبنائها

لوهلة، لا يصدق الداخل إلى مكان الواقعة أن «في ناس كانت عايشة هنا»، وفق ما رصدت «المصري اليوم»، ليروي «بكري» والدموع تتساقط من عينيه: «(رضا) وعياله كانوا بيناموا وعيشتهم كلهم في المساحة دي.. أصحاب العمارة استخسروا فيهم أوضة ولا شقة آدمية»، مضيفًا أن رب الأسرة حضر من مسقط رأسه في المنيا قبل 15 عامًا «علشان لقمة العيش»، إذ كان يحرس جراجًا قريبًا، بينما تتولى زوجته وأبناؤها أعمال حراسة العقار وقضاء طلبات السكان طوال اليوم، فضلاً عن أن والده يعمل هو الآخر حارسًا لعقار ملاصق.

يتوقف «بكري» وسط كومة من الرماد، ممسكًا ببعضها بيديه مرددًا بحرقة: «دي آخر ما تبقى منهم.. هدوم محروقة»، فيما ينشغل أصدقاء الأسرة بالبحث داخل صندوق خارج الحجرة عن شهادات ميلاد وأوراق ثبوتية لزوجته «منى» وأبنائه «هبة» و«زياد» و«ندى»، لاستخراج تصاريح الدفن والاستدلال على هويات الضحايا بناءً على طلب «رضا» لإتمام الإجراءات القانونية، ليروي قريب العائلة تفاصيل الحادث قائلًا: «ساعة الفجر، سمعنا صراخ وكلنا جرينا ناحية البيت، لقينا النار جامدة، يدوب (رضا) سحب ابنه (يوسف) وبعدين ماس كهربائي منعه يقرب من باب الأوضة، حيث لقي الضحايا مصرعهم مخنوقين وبعضهم محروق».

قصة حريق الهرم ومأساة أسرة حارس العقار القادمة من المنيا

رغم ما شاهده الأهالي من انهيار «رضا» ولطمه وجهه أثناء إخراج جثامين زوجته وأولاده الـ 3، ووضعها في أكياس سوداء تمهيدًا لنقلها على «تروللي» إلى سيارة الإسعاف ومنها إلى مشرحة زينهم، إلا أن همس أحد الحاضرين بعبارة «كان متخانق مع مراته» قلب الأجواء رأسًا على عقب، وعن ذلك يحكي «بكري» أن صاحبه خضع لتحقيقات مكثفة «بسبب الكلمتين دول»، وهو ما ينفيه قائلًا: «ده كانت روحه في مراته وولاده، وهي كانت سنده وكل حياته ومدبرة لكل أمور حياته، إزاي!».

تزامنًا مع ذلك، دخل فريق موسع من خبراء الأدلة الجنائية لرفع البصمات وإجراء المعاينات اللازمة لمكان الحريق بأكمله، وفق «بكري» الذي يضيف: «مفيش حتة إلا وفحصوها كاملةً، وكاميرات المراقبة، وصاحب محل الفساتين اللي في الدور الأول فوق الأرضي، وكل المحيطين بـ(رضا) جرى سؤالهم عن اللي حصل»، متابعًا: «هو لو في شبهة جنائية كانت وضحت وبانت، بس كل الضحايا كانوا عايشين وسط أسلاك كهرباء ومواسير صرف صحي، ولوحات كهرباء خارجية أمام شقة بالدور الأرضي».

«الماس منع الأب من إنقاذهم».. قريب ضحايا حريق الهرم: «السكان استخسروا فيهم أوضة آدمية» تصوير- محمد القماش:

كان «رضا» يحاول إلقاء نفسه وسط النيران، لولا أن الماس الكهربائي حال بينه وبين دخول الحجرة، وهو ما يعيد «بكري» تأكيده قائلًا: «مش معقول يكون موت عياله، الحريقة دي قضاء وقدر، وجهات التحقيق هتشوف السبب»، مشيرًا إلى أن صديقه «جاب بطاطين وحطها على جسمهم بعدما طلع ابنه (يوسف) وحاول يدخل وماقدرش خالص».

وهنا تنفجر دموع قريب الأسرة، ولا يستطيع إخفاء غضبه وهو يقول: «صاحب العمارات هنا مخليني نعيش عيشة غير آدمية، بسبب النوم تحت السلالم وداخل المنور»، ليوضح: «(رضا) جت له حالة جنون جامدة، وخايف عليه الأيام الجاية، بقى بيكلم نفسه ويردد: (عيالي.. عيالي.. مراتي.. كلهم راحوا ياربي)».

حريق منور الهرم ومصرع 3 أشخاص ووالدتهم بسبب ماس كهربائي بالغسالة

الابن الناجي الوحيد من الموت يحيطه الجميع بعطف بالغ، لكنه ينهار متسائلاً: «هعيش لمين؟»؛ وعن حالته النفسية يروي «بكري» قائلًا: «مش هيعرف ييجي مكان عمل والده مرة تاني، وقف يلطم ويصرخ لما شاف الضحايا في أكياس وجثامين بتتشرح في المشرحة».

بدورها، كشفت معاينة النيابة العامة وتقرير الأدلة الجنائية الأولى عن كواليس، أن النيران نشبت نتيجة ماس كهربائي بالغسالة داخل الحجرة الضيقة المخصصة لسكن حارس العقار بالطابق الأرضي، والتي تخلو تمامًا من أي منافذ للتهوية، وهو ما أدى إلى محاصرة الأدخنة الكثيفة وسرعة انتشار ألسنة اللهب، بينما باشرت الجهات المختصة فحص كاميرات المراقبة وسؤال الشهود والمحيطين بالواقعة للوقوف على الأسباب النهائية وملابسات الحادث.

وفي شهاداتهم أمام الجهات المختصة، روى الجيران أنهم توجهوا على أصوات الصراخ المفزع ليجدوا النيران تلتهم المكان بقوة ودون سابق إنذار، حيث أوضح الأهالي أن «محدش عرف يعمل حاجة من شدة الحرارة والنار».

«الماس منع الأب من إنقاذهم».. قريب ضحايا حريق الهرم: «السكان استخسروا فيهم أوضة آدمية» تصوير- محمد القماش:
«الماس منع الأب من إنقاذهم».. قريب ضحايا حريق الهرم: «السكان استخسروا فيهم أوضة آدمية» تصوير- محمد القماش:

«الماس منع الأب من إنقاذهم».. قريب ضحايا حريق الهرم: «السكان استخسروا فيهم أوضة آدمية» تصوير- محمد القماش:
«الماس منع الأب من إنقاذهم».. قريب ضحايا حريق الهرم: «السكان استخسروا فيهم أوضة آدمية» تصوير- محمد القماش:

وعقب الانتهاء من إجراءات استخراج تصاريح الدفن والاستدلال على هويات الضحايا لاستلام الجثامين من مشرحة زينهم نقلت إلى مسقط رأس العائلة بالمنيا، لتشيع إلى مثواهم الأخير.