لم تعد التصعيدات العسكرية والحروب تدور فقط فى ساحات القتال، ولا تُقاس نتائجها بما يُسمع من دوى انفجارات أو بما تعلنه البيانات العسكرية، ففى عصر تحولت فيه الهواتف إلى نوافذ فورية على مناطق الصراع، أصبحت الصور والفيديوهات نفسها جزءًا من المعركة؛ ويمكن أن تُقتطع من سياقها، وتُعاد صياغتها، وتنتقل من حساب إلى آخر قبل أن تتاح فرصة التحقق منها.

منصة إكس

ومع كل تصعيد عسكرى، يظهر تصعيد آخر مواز على منصات التواصل الاجتماعى، سباق تتداخل فيه الوقائع مع الادعاءات، والمشاهد الحقيقية مع الفيديوهات القديمة والمحتوى المفبرك بالذكاء الاصطناعى.

وخلال 20 يومًا من التصعيد بين جماعة الحوثى والحكومة اليمنية والسعودية، لم يكن موقع «إكس» مجرد مساحة لنقل ما يحدث على الأرض، بل تحول إلى ساحة موازية امتلأت بعشرات المقاطع والصور التى قُدمت باعتبارها توثق تطورات المعارك، أو خسائر أحد الأطراف، أو هجمات وقعت فى أماكن وتواريخ محددة.

لكن البحث فى أصل هذه المواد وسياقاتها كشف عن صورة أكثر تعقيدًا؛ فيديوهات قديمة أُعيد تدويرها، ومقاطع حقيقية نُقلت إلى أحداث لا تمت إليها بصلة، وأخرى لم تكن سوى منتجات مولدة أو معدلة بالذكاء الاصطناعى.

وفى هذا السياق، رصد فريق «تدقيق المعلومات» بـ«المصرى اليوم» 50 شائعة انتشرت عبر «إكس» على مدار 20 يومًا من التصعيد، لا بهدف تفنيد كل ادعاء على حدة فقط، وإنما لمحاولة فهم الصورة الأكبر: من يقف وراء نشر هذه الروايات؟ وكيف تكررت الحسابات والمواد نفسها؟ وما النسبة التى مثلتها الفيديوهات المضللة والقديمة والمفبركة؟ ومن هم أطراف الصراع الذين استهدفتهم الشائعات بصورة أكبر؟ ومتى بلغ التضليل ذروته؟

إجمالى التفاعل على 50 شائعة تتعلق بالتصعيد فى اليمن

تكثف التصعيد فى اليمن منذ بداية شهر سبتمبر 2026 عبر تحشيدات عسكرية وتهديدات، ثم تحول إلى مواجهات برية وغارات جوية متبادلة وأيضًا شائعات، ففى الأول من سبتمبر تداولت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعى مقطع فيديو ادعت أنه يوثق لحظة استهداف زورق حوثى مفخخ ومسيّر عن بُعد قبل وصوله إلى سفينة شحن سعودية أثناء عبورها مضيق باب المندب فى البحر الأحمر لكن البحث العكسى أوضح أن الفيديو يعود لتدريبات بحرية أمريكية أجريت عام 2019.

19 سبتمبر الأكثر تداولًا للشائعات

وكشف التحليل الذى أجرته «المصرى اليوم» للشائعات المتداولة على مدار 20 يومًا، تباينًا واضحًا فى معدلات تداول الشائعات المتعلقة بتصعيد اليمن، إذ شهد 19 سبتمبر ذروة التداول، بتسجيل نحو 7 شائعات، يليه 12 سبتمبر بـ6 شائعات. وسجل كل من 9 و15 سبتمبر 5 شائعات فى كل يوم، بينما شهد يوما 11 و16 سبتمبر تداول 4 شائعات فى كل منهما، فى حين رصد التحليل 3 شائعات فى كل من أيام 5 و8 و13 سبتمبر.

وفى 19 سبتمبر نشرت حسابات عبر موقع إكس مقطعى فيديو ادعت أنهما يوثقان انفجارات فى العاصمة السعودية الرياض، بعد ضربات واسعة شنها الحوثيون لكن تبين أنهما لانفجارات فى مستودع شركة صينية، ونُشر الفيديو الأصلى لأول مرة فى أغسطس 2015، على أنه لحظة وقوع انفجارات ضخمة فى مخزن للمواد القابلة للاشتعال، فى مدينة تيانجين، شمال شرقى الصين.

مقاطع الفيديوالمضللة تستحوذ على نصيب الأسد من الشائعات

ونُشر مقطع فيديو فى اليوم ذاته على أنه يُظهر حريقًا هائلًا فى مطار الرياض بعد شن الحوثيين ضربات صاروخية على السعودية لكن تبين أنه يعود إلى حريق اندلع فى سوق تجارى فى العاصمة الروسية موسكو، يوم 18 يونيو الماضى، تزامنًا مع هجوم واسع بالطائرات المسيرة الأوكرانية. هذا بجانب تداول مقطع فيديو زُعم أنه لتظاهرات حاشدة خرجت ضد جماعة الحوثى، فى العاصمة اليمنية صنعاء لكن تبين أنه قديم ويعود لاحتجاجات ضد الحوثيين فى عام 2017 بعدما أعلن الرئيس اليمنى السابق على عبد الله صالح إنهاء تحالفه معها، داعيًا لانتفاضة شعبية ضدها. كما نشرت حسابات فى اليوم ذاته مقطع فيديو، ادعت أنه يُظهر لحظة سقوط صواريخ على مدينة جدة السعودية خلال ضربات الحوثيين الأخيرة لكن تبين بعد الفحص أنه يعود لصواريخ إيرانية تسقط على تل أبيب ونُشر لأول مرة فى يونيو 2025.

هدوء سبق عاصفة الشائعات

قبل ذلك بيوم واحد، بدت وتيرة الشائعات أكثر هدوءًا إذ رصد الفريق فى 18 سبتمبر شائعتين فقط، استهدفتا السعودية بشكل مباشر.

تمثلت الأولى فى مقطع فيديو جرى تداوله باعتباره يوثق حرائق اندلعت فى منشأة نفطية بمدينة ينبع السعودية، عقب استهدافها من جانب الحوثيين، إلا أن التحقق أظهر أن المشاهد تعود إلى حريق وقع فى منطقة ميناء جبل على بدبى فى الإمارات العربية المتحدة عام 2021.

أما الشائعة الثانية فتعلقت بمقطع فيديو نُشر على أنه يوثق غارات شنها الطيران السعودى على مواقع للحوثيين فى العاصمة اليمنية صنعاء، بينما تبين أن المشاهد تعود إلى غارات أمريكية استهدفت مواقع للحوثيين فى صنعاء خلال إبريل 2025.

كذلك الأمر فى يوم 17 سبتمبر باختلاف الدولة، إذ ركزت الشائعات فى ذلك اليوم على الحكومة اليمنية وتداولت حسابات مقطع فيديو ادّعت أنه يوثّق غارات جوية للجيش اليمنى أسفرت عن مقتل عشرات الحوثيين، بينهم قيادات، وتدمير آليات عسكرية كانت فى طريقها لتعزيز جبهات غربى تعز لكن تبين أنه يعود لغارات شنتها قوات التحالف فى صنعاء عام 2021.

نصيب الدول من شائعات طالت تصعيد اليمن

وتداولت حسابات مقطع فيديو ادعت أنه لعملية نوعية نفذها سلاح الجو اليمنى، استهدفت مخازن تابعة للحرس الثورى الإيرانى تحتوى على صواريخ بالستية لكن تبين أنه يعود لاستهداف قديم لمناطق بصنعاء فى أغسطس 2025.

استهداف متبادل

لم تتوقف الشائعات عند حدود صناعة تصعيد موازٍ على شبكة التواصل الاجتماعى «إكس»، بل امتدت لتؤدى دورًا فى توجيه السردية المتداولة نحو أطراف بعينها.

وكشف تحليل الشائعات الـ50 أن السعودية كانت الهدف الأبرز لهذا المحتوى المضلل، إذ استهدفت نحو 26 شائعة المملكة، مقابل 12 شائعة استهدفت جماعة الحوثيين، و9 شائعات استهدفت الحكومة اليمنية وقواتها، بينما توزعت بقية الشائعات بين سوريا بـ3 شائعات، وقطاع غزة بـ3 شائعات أخرى.

وبدت تلك التوجهات جلية عندما تداولت حسابات فى 16 سبتمبر مقطع فيديو على أنه يوثق محاولة جماعة الحوثى استهداف الكعبة المشرفة خلال التصعيد لكن بعد الفحص تبين أنه يعود لاعتراض صاروخ فوق المدينة المنورة عام 2025.

وبجانب تداول مقطع فيديو فى اليوم ذاته زُعم أنه يظهر القيادى وعضو المجلس السياسى الأعلى لجماعة الحوثى، محمد على الحوثى، فى جولة فى ميدان التحرير بالعاصمة اليمنية صنعاء لكن الفحص كشف أنه يعود لجولة قام بها فى يوم القدس العالمى فى صنعاء عام 2024.

غزة وسوريا داخل الصراع الرقمى

لم يقتصر سيل المحتوى المضلل الذى رافق التصعيد فى اليمن على أطرافه المباشرة، بل امتد إلى ساحات أخرى، من بينها سوريا وغزة، عبر 6 شائعات، كان أبرزها مقطع فيديو نُشر فى 16 سبتمبر على أنه يوثق مظاهرة بقطاع غزة لدعم جماعة الحوثى، بالتزامن مع تصعيدها مع المملكة إلا أن فحص المقطع أظهر أنه قديم، ويعود إلى مظاهرة تضامنية مع اليمن نظمها فلسطينيون فى قطاع غزة عام 2022.

وفى 9 سبتمبر و11 سبتمبر، نشرت حسابات مقطع فيديو ادعت أنه يُظهر احتفالات فى قطاع غزة بسيطرة الحوثيين على منطقة باب المندب لكن تبين أنه فعالية لمؤسسة فى غزة فى نوفمبر 2025، وفى 9 سبتمبر انتشر مقطع فيديو على أنه يوثّق احتفالات واسعة فى شوارع سوريا، عقب انتشار أنباء عن انسحاب قوات تابعة للتحالف من عدة مناطق فى اليمن لكن تبين أنه يعود لاحتفالات فى سوريا باغتيال حسن نصر الله عام 2024. ووجدت الصور المنشأة بالذكاء الاصطناعى طريقها إلى تصعيدات اليمن أيضًا من بوابة سوريا والسعودية إذ تداولت حسابات فى 8 سبتمبر صورة ادعت أنها توثق إطلاق جسر جوى بين السعودية وسوريا لنقل آلاف المرتزقة إلى اليمن عن طريق السعودية لكن مع فحص الصورة تبين وجود مؤشرات بصرية تؤكد أن الصورة مولّدة بالذكاء الاصطناعى وفى 7 سبتمبر أيضًا تداولت حسابات صورة ادعت أنها لوصول مقاتلين استقدمتهم السعودية من سوريا للمشاركة فى التصعيد العسكرى لكن تبين أيضًا من خلال الفحص أن الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعى.

الفيديوهات المضللة تتصدر المشهد

ووفقًا للتحليل، تصدرت الفيديوهات المضللة طبيعة الشائعات التى رصدها الفريق، بإجمالى 28 فيديو مضلل من أصل 50 شائعة، تلتها الفيديوهات القديمة التى أُعيد تداولها خارج سياقها الأصلى، بإجمالى 20 فيديو، بينما جاءت الصور المُنشأة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى فى المرتبة الأخيرة، بواقع شائعتين فقط.

وفى يوم 15 سبتمبر نشر فيه 5 شائعات كان أبرزها مقطع فيديو جرى تداوله على أنه يوثق فشل الدفاعات الجوية السعودية فى التصدى لصواريخ أطلقها الحوثيون خلال التصعيد، لكن تبين أنه يعود لتجاوز صاروخ إيرانى منظومة الدفاع الإسرائيلية ومتداول منذ 30 مارس الماضى ومرتبط بالحرب الأمريكية الإيرانية.

وفى اليوم ذاته، تداولت حسابات مقطع فيديو ادعت أنه يوثق وصول تعزيزات عسكرية كبيرة لجماعة الحوثى ضمن هجوم أو تصعيد نحو مدينة تعز لكن الفحص أكد أنه يعود لاشتباكات فى حلب بين القوات الحكومية وقسد عام 2025 ومقطع فيديو آخر على أنه يوثق سقوط صواريخ بالستية يمنية وانفجارات فى مناطق داخل السعودية، بينها جدة لكن تبين أن الفيديو مضلل ويعود لاستهداف معسكر التاجى شمال بغداد عام 2025.

مشاهدات مليونية وحسابات تضخِّم الشائعة

حققت الشائعات التى رصدها الفريق على مدار 20 يومًا من التصعيد فى اليمن انتشارًا واسعًا وتفاعلًا لافتًا عبر منصة «إكس».

وأظهر تحليل مؤشرات التفاعل أن الشائعات مجتمعة حصدت أكثر من 12 مليونًا و122 ألف مشاهدة، إلى جانب 65 ألفًا و63 إعجابًا، و14 ألفًا و265 مشاركة، و8 آلاف و269 تعليقًا، بما يعكس حجم الانتشار والتفاعل الكبير الذى حظيت به الشائعات خلال فترة الرصد.

ورصد الفريق خلال فترة المتابعة، 4 حسابات على منصة «إكس» ساهمت بصورة ملحوظة فى نشر الشائعات المتعلقة بالتصعيد الأخيرة فى اليمن، سواء من خلال نشر الادعاءات المضللة مباشرة أو إعادة نشر محتوى متداول بما ساهم فى توسيع نطاق انتشاره.

«الهبرجس»: يعرّف الحساب نفسه باعتباره متخصصًا فى رصد وتغطية الأحداث السياسية والتطورات العسكرية، وينشط على منصة «إكس» منذ عام 2019، نشر خلالها نحو 4900 تغريدة، وتشير بيانات الحساب إلى إقامته فى المملكة العربية السعودية، بينما يركز بصورة متكررة على نشر موضوعات وأخبار ومقاطع فيديو تتعلق بالتطورات والتصعيد فى اليمن. ووفقًا لتحليل الفريق، شارك الحساب فى نشر 7 شائعات بشكل مباشر، إلى جانب مساهمته فى تضخيم عدد من الشائعات الأخرى من خلال إعادة نشرها.

«وسن الشيخلى»: ينشط الحساب على منصة «إكس» منذ عام 2020، ونشر خلال هذه الفترة نحو 28 ألف تغريدة، وتظهر بيانات الموقع المرتبطة بالحساب وجوده فى العراق، فيما تشير بيانات الشفافية إلى تغيير اسم الحساب نحو 5 مرات منذ إنشائه، وهو ما رصده الفريق ضمن المؤشرات المرتبطة بالسلوك غير الأصيل للحساب وشارك الحساب فى نشر 10 شائعات تتعلق بالتصعيد الأخيرة فى اليمن، إلى جانب إعادة نشر وتضخيم عدد من الشائعات الأخرى.

«اليمن غالى»: بدأ نشاطه على منصة «إكس» فى ديسمبر 2024، ويتابعه نحو 18 ألف مستخدم، فيما نشر منذ انضمامه إلى المنصة نحو 19 ألف تغريدة وتشير بيانات الشفافية إلى تغيير اسم الحساب مرتين، بينما تظهر بيانات الموقع المرتبطة به وجوده فى منطقة شرق آسيا، وخلال فترة الرصد رصد الفريق مشاركة الحساب فى نشر نحو 10 شائعات كاملة تتعلق بالتصعيد الأخيرة فى اليمن.

«zy»: يقدّم الحساب نفسه باعتباره منصة إعلامية مستقلة لنشر الأخبار، وينشط على منصة «إكس» منذ عام 2021، إلا أنه لم ينشر سوى 255 منشورًا منذ إنشائه، ورصد الفريق ارتفاعًا ملحوظًا فى نشاط الحساب بالتزامن مع بدء التصعيد العسكرى فى اليمن كما تشير بيانات الشفافية إلى تغيير اسم الحساب نحو 4 مرات منذ إنشائه، وهو ما يمثل، وفق معايير التحليل المستخدمة، أحد المؤشرات على السلوك غير الأصيل وتظهر بيانات الموقع المرتبطة بالحساب وجوده فى منطقة شرق آسيا، فيما ساهم خلال 20 يومًا من فترة الرصد فى نشر 8 شائعات تتعلق بالتصعيد.