قرأت إعلانًا عجيبًا بصحيفة لبنانية وسط إعلانات تتضمن شققًا للبيع. يقول الإعلان ما نصه: شقة للبيع فى جبل لبنان، دور ثانى، مساحة ١٢٥ مترًا مربعًا، تتألف من غرفتى نوم، صالة، مطبخ، حمامين مع شرفة مطلة على الجبل والوادى، قريبة من الشارع العام والخدمات، تبعد خمس دقائق عن ساحة بحمدون، السعر ١١٥٠٠٠ دولار نهائى غير قابل للتفاوض، للاتصال تليفون كذا.. ملحوظة: نبيع للسنة والشيعة والموارنة والروم والكاثوليك والأرثوذكس والكفار وعبدة الإله آمون.

ضحكت كثيرًا لدى قراءتى الإعلان اللطيف الذى أعلن فيه صاحب الشقة استعداده للبيع لأى شخص بصرف النظر عن الملة والمذهب، ومن الواضح أنه يحتاج للبيع بشدة لدرجة إغضاب جيرانه الذين لم يتعودوا كغيرهم فى لبنان على وجود جيران من أبناء مذهب آخر!. يكشف هذا الإعلان عن تجذر الطائفية فى البنية السياسية والاجتماعية فى لبنان.

وللعلم فنظام المحاصصة على أساس الطائفة يتحكم فى مفاصل الدولة بدءًا من تشكيل الحكومة إلى تعيين موظفى هيئة البريد ومصرف لبنان ومأمورى الضرائب ومراقبى الطيران المدنى ورؤساء الأحياء ومسؤولى الصرف الصحى ومدراء المستشفيات. وهناك مثل واضح يذكره اللبنانيون للتأثير السيئ لهذا النظام عندما قام الوزير الدرزى مروان حمادة، الذى كان يرأس وزارة التربية، بإقالة موظفة تصادف أنها مسيحية محسوبة على التيار الوطنى الحر.. بعدها أتى الرد من وزيرين ينتميان للتيار الحر عندما قاما فى اليوم التالى بإقالة موظفين اثنين من الدروز!. إلى هذا الحد وصل الاحتقان الطائفى.. إلى تبادل رفت الموظفين وكأن أمريكا تطرد دبلوماسيين صينيين، فترد الصين بطرد دبلوماسيين أمريكان!

ومع ذلك فلا يجب فى خضم التحامل على هذا النظام وإبراز سيئاته أن ننسى أنه- على عواره- قد جنّب اللبنانيين كثيرًا من الويلات التى يقاسيها المواطن العربى دون أن يجد زعيم طائفة ينصره وينصفه، ففى الكثير من البلاد العربية يتم حجز الوظائف المرموقة لأبناء المسؤولين وحواشيهم، وهناك لا يستطيع أبناء الفقراء الحصول على تعليم لائق أو خدمات صحية حقيقية، ولا يمكنهم التطلع إلى الالتحاق بالجيش والشرطة والقضاء، كما لا يستطيعون العمل بالإذاعة والتليفزيون، وفى بعض البلاد يصعب جدًا العثور على لاعب كرة قدم مسيحى!. لا نقول إن نظام المحاصصة الطائفية جميل، لكنه الأكثر معقولية فى وطن عربى تغيب عنه الديمقراطية والشفافية والمحاسبة، ويسود فيه الاستبداد السياسى. ومن المؤكد أن اللبنانيين وهم يتطلعون للفكاك من النظام المذهبى يفكرون فى النماذج الغربية، ويتمثلون تجارب بلدان مثل فرنسا وإنجلترا وألمانيا، لكنهم لا يفكرون فى تطبيق نظريات الكتاب الأخضر لصاحبه معمر القذافى ولا نظام صدام أو على عبدالله صالح.. لذلك يدهشنى أن أرى الكتاب العرب يأسون على حال لبنان ويشفقون عليه من الطائفية ونظام التقسيم النسبى والمحاصصة.. يفعلون هذا كما لو كانوا ينتمون إلى العالم الذى تسوده المساواة ويحكمه القانون، مع أن النظام الطائفى اللبنانى أرقى كثيرًا من اللانظام الذى يعيشون فيه!

بقى أن نحيى صاحب الشقة الشجاع المستعد للبيع لأتباع الإله آمون!