تحدثت المقالة السابقة عن أصعب فترات الاضطهاد وأعنفها، عندما أصدر دقلديانوس وأعوانه عددًا من المراسيم؛ بهدف القضاء على المسيحيين.. ومع اندلاع شرارة الاضطهاد فى سائر أنحاء الإمبراطورية، قدمت مصر عددًا لا يُحصى من الشهداء؛ من مذابح جماعية، وأُسَر بأكملها، ووُلَاة، وحكام.. وغيرهم.

وفى تلك الفترة أيضًا، استُشهد عددٌ من قوات الجيوش، من أشهرهم الشهيد مار جرجس الرومانى، الذى ذاق آلامًا وعذاباتٍ استمرت لمدة سبع سنوات، شهدت تلك السنوات معجزات وعجائب كثيرة جذبت الوثنيين إلى الإيمان المسيحى، وقد ذاق الشهيد مار جرجس الموت ثلاث مرات وأقامه الله من الأموات ليشهد على قوة الله وعظمته وقوة الإيمان.. ثم استشهد مار جرجس بالسيف فى المرة الرابعة لينال سبعة أكاليل، ويصير أميرًا للشهداء. كما نال الشهيد المصرى «مار مينا»، الملقب بـ«العجائبي» شهرة ذائعة فى مصر.

كان مار مينا جنديًّا شجاعًا، أثبت جدارةً متناهيةً فى الفروسية، ثم ترك الجندية واعتزل فى الصحراء رغبةً فى التعبُّد والصلاة لله؛ حيث قضى بها خمْس سنوات، ثم عاد إلى المدينة معلنًا إيمانه، فعُذِّب عذابًا شديدًا بعد أن رفض كل الإغراءات والعطايا الجزيلة ليترك إيمانه.. وأخيرًا، قُطعت رأسه بحد السيف وهو فى الرابعة والعشرين من عمره.

أيضًا استُشهد عددٌ من رجال الدين، منهم: الأنبا «بِسادة»، أسقف إبصاى ـ مدينة فى صَعيد مِصر بجوار أخميم وحاليًّا تُسمى «المَنشأة شرق»، والأنبا «أبادِيون»، أسقف أَنْصِنا، الذى نال عذابات كثيرة. ومن القساوسة: «آبا كلوج»، القس الذى قُطعت رأسه بعد عذابات شديدة، و«آبا بجُول» و«آبا قَسطور».. إلى جانب الرهبان والراهبات، حتى إنه مات فى أَنْصِنا وحدها خمسة آلاف راهب مع أسقفهم الأنبا «يوليانوس».

لم ينجُ الأطفالُ من العذابات، فقد انضم الأطفال إلى مصاف الشهداء، ومنهم: الطفل بِيكام الذى عُذب ومات وهو فى سن العاشرة، والفتى شِنُوسى الذى كان يبلغ من العمر اثنا عشَر عامًا، والشهيد آبانوب النَّهِيسى من سمنود، الذى استشهد بعد عذابات مريرة وقُطعت رأسه وهو فى سن الثانية عشرة.

واختتمت هذه المرحلة باستشهاد البابا بطرس الملقب بـ «خاتم الشهداء»؛ والمقصود بذلك اللقب أنه خاتم شهداء مرحلة الاستشهاد العامة؛ إذ لم يتوقف الاستشهاد فى عصر من العصور. فقد ثار الإمبراطور وقبض على البابا بطرس ووُضع فى السجن، وقد حاول الشعب إنقاذه، فخرج البابا من جهة أخرى بعيدة عنهم حتى وصل إلى مكان الإعدام، حيث استُشهِد مار مرقس الرسول، وهناك صلى البابا طالبًا إلى الله: «ليكن بدمى انقضاء عبادة الأوثان، وختام سفك دماء المسيحيين»، وقد سمعَتْ عذراءٌ قديسةٌ كانت بالقرب من المكان صوتًا من السماء ويقول: «آمين».

وقد أثّر الشهداء فى الآخرين، حتى إن كثيرين ممن رأوهم وأيضًا ممن عذبوهم آمنوا، منهم «أريانوس»، والى أَنْصِنا الذى قاد حملات تعذيب وقتْل للمسيحيين الأقباط. ففى أثناء تنفيذ أوامر الإمبراطور بتعذيب اثنين؛ أحدهما يُدعى «فليمون» والآخر «أبولونيوس»، فأصاب إحدى عينيه سهمٌ فقلعها، وشُفى بسبب صلاة هذين الشهيدين من أجله.. وعلى إثر ذلك أعلن إيمانه؛ فقام «دقلديانوس» بتعذيبه بأشد أنواع العذابات حتى استُشهِد!

لقد صارت دماء الشهداء بِذَارًا للكنيسة، فكما يذكر القديس يوستينوس الشهيد: «ها أنت تستطيع أن ترى بوضوح أنه حينما تُقطع رؤوسُنا ونُصلَب، ونُلقَى للوحوش المفترسة، ونُقيّد بالسلاسل، ونُلقَى فى النار، وكل أنواع التعذيب، أننا لا نترك إيماننا، بل بقدر ما نعاقَب بهذه الضيقات، بقدر ما ينضم مسيحيون إلى الإيمان باسم يسوع المسيح..». لقد أحب الشهداءُ الموتَ الذى يجمعهم مع الله كما كتب القديس إغناطيوس الأنطاكى رسالة إلى أهل رومية، حين بلغه أن المؤمنين يستعدون لإنقاذه من الموت، قال فيها: «أخشى أن ‏تظلمنى محبتكم. ‏لن تتاح لى فرصة كهذه للذهاب إلى الله. لا أطلب منكم شيئًا.. ‏فقط، أن تتركونى أقدّم دمى ضحية على مذبح الرّب. إننى ذاهب بملء رضاى إلى الموت لأجل الله، راجيًا ألا تقفوا عائقًا فى سبيلى. أتوسل لكم ألا تكون شفقتكم فى غير وقتها المناسب».

لقد وضع الشهداء أمام أعينهم الأبدية «.. وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لَا يَكُونُ فِى مَا بَعْدُ، وَلَا يَكُونُ حُزْنٌ وَلَا صُرَاخٌ وَلَا وَجَعٌ فِى مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ» (سفر الرؤيا - ٤:٢١).

و.. والحديث فى «مِصر الحُلّوة» لا ينتهى!

* الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى