ديميتري بريجع يكتب: روسيا بعد انتخابات الدوما 2026.. أغلبية أوسع لروسيا الموحدة ومستقبل القرار السياسي في موسكو
توجه الناخبون الروس إلى مراكز الاقتراع بين ١٨ و٢٠ سبتمبر (أيلول) ٢٠٢٦ لانتخاب مجلس الدوما التاسع، فى أول انتخابات تشريعية منذ بدء الحرب الروسية الشاملة فى أوكرانيا فى فبراير (شباط) ٢٠٢٢. وخلال السنوات الأربع الفاصلة، تغيرت روسيا أكثر مما توحى به خريطتها الحزبية شبه الثابتة. أصبح الدفاع أكبر بنود الموازنة الفيدرالية، واتجهت التجارة الخارجية نحو آسيا تحت ضغط العقوبات الغربية، وجعلت وثيقة مفهوم السياسة الخارجية لعام ٢٠٢٣ العلاقة مع «الأغلبية العالمية»، أى دول الجنوب والشرق، أولوية معلنة. وتغيرت العلاقة بين الدولة والمجتمع مع تضييق هامش التنافس الحزبى واتساع أدوات الرقابة الرقمية. لذلك تقدم الانتخابات صورة برلمانية لتوازنات السلطة التى تشكلت خلال الحرب، واختبارا لقدرة المؤسسات على التعامل مع كلفتها الاقتصادية.
خرج حزب روسيا الموحدة من الانتخابات بأكبر كتلة فى تاريخه، تتجاوز ثلاثة أرباع مقاعد المجلس. لكن حجم الأغلبية لا يفسر دوافع الناخبين، ولا يعنى أنهم صوتوا للأسباب نفسها. ويبقى السؤال الأساسى: هل يقود اتساع الأغلبية البرلمانية إلى تغيير فى السياسات الروسية، أم يعزز استمرارية قرار يصاغ أساسا خارج البرلمان؟
الأرقام وموازين القوى الحزبية
يجمع النظام الانتخابى الروسى بين نمطين: ٢٢٥ مقعدا توزع بالتمثيل النسبى على القوائم التى تتجاوز عتبة ٥٪، و٢٢٥ مقعدا تحسم بالأغلبية البسيطة فى الدوائر الفردية. ووفقا لبيانات أولية صدرت فى ٢١ سبتمبر (أيلول)، بعد فرز ٩٧.٦٤٪ من المحاضر وقبل اعتماد النتائج النهائية، حصلت روسيا الموحدة على ٥٧.٩٧٪ من أصوات القوائم، مقابل ٤٩.٨٢٪ فى انتخابات ٢٠٢١. وبلغت حصتها ٣٤٧ أو ٣٤٨ مقعدا، بحسب مرحلة الفرز، مقابل ٣٢٤ مقعدا فى المجلس السابق. ويعود الفارق بين نسبة أصوات القوائم وحصة المقاعد إلى فوز مرشحى الحزب فى ٢٠٨ أو ٢٠٩ دوائر فردية من أصل ٢٢٥، وإلى حصول أحزاب صغيرة على نحو ٥٪ من الأصوات دون أن تتجاوز العتبة الانتخابية. وبذلك يمتلك الحزب منفردا الأغلبية الدستورية، أى ٣٠٠ مقعد على الأقل.
ارتفعت نسبة المشاركة إلى ما بين ٥٩.٣٪ و٥٩.٧٪، مقابل ٥١.٧٢٪ فى ٢٠٢١، مع تفاوت بين ٩٣.٩٨٪ فى الشيشان و٣٦.٠٩٪ فى إيركوتسك. وفى التصويت الإلكترونى عن بعد، الذى شارك فيه ٣.٦ مليون ناخب، حصلت روسيا الموحدة على ٤٩.١٤٪ من الأصوات؛ ولا تقدم البيانات الواردة تفسيرا موثقا للفارق بين هذه النسبة وحصتها الإجمالية. وأبطلت اللجنة المركزية للانتخابات ٣٦٨٥٠ بطاقة فى ٢٠ مركزا، ونفت وجود أساس لإلغاء أى نتيجة. فى المقابل، أفادت تقارير مستقلة بإبعاد مراقبين، فى خلاف يتعلق بسلامة إجراءات الاقتراع ويصعب حسمه فى ظل توقف حركة «جولوس» المعنية بمراقبة الانتخابات.
خاضت روسيا الموحدة، التى يرأسها ديمترى ميدفيديف، الحملة بوصفها حزب الرئيس فلاديمير بوتين، وتصدر قائمتها وزير الخارجية سيرغى لافروف وعمدة موسكو سيرغى سوبيانين. وتتمثل وظيفتها البرلمانية الأساسية فى تمرير الموازنة ومشروعات القوانين الحكومية. أما التغير الأوضح فظهر فى أحجام كتل المعارضة البرلمانية. فقد تراجع الحزب الشيوعى الروسى، بقيادة جينادى زيوجانوف، من ١٨.٩٣٪ و٥٧ مقعدا إلى ١٣.٦٥٪ و٣٨ مقعدا، وفق البيانات الأولية. ويدعو «برنامج النصر» الذى طرحه الحزب إلى ضبط الأسعار حكوميا، وإعادة الصناعات الاستراتيجية إلى سيطرة الدولة، وفرض ضريبة تصاعدية على الدخول المرتفعة. وكان قد امتنع عن التصويت على موازنة ٢٠٢٦-٢٠٢٨ فى قراءتها الأولى، لكنه أيد، إلى جانب بقية الكتل، معاهدات ضم أربع مناطق أوكرانية أقرها المجلس بالإجماع فى ٢٠٢٢. وبعد الاقتراع، وصف قادته الانتخابات بأنها غير شرعية وطالبوا بإلغاء التصويت الإلكترونى.
ارتفعت حصة الحزب الليبرالى الديمقراطى، الذى يقوده ليونيد سلوتسكى منذ وفاة فلاديمير جيرينوفسكى فى ٢٠٢٢، من ٧.٥٥٪ إلى ٨.٩٦٪. ويجمع برنامجه بين موقف متشدد من الهجرة، يشمل الدعوة إلى ترحيل المهاجرين غير العاملين رسميا، ومطالب اجتماعية، منها إعفاء الدخول الشهرية التى تقل عن ٥٠ ألف روبل من الضريبة. وكان حزب الناس الجدد، برئاسة أليكسى نيتشايف، أبرز الرابحين نسبيا؛ إذ ارتفعت حصته من ٥.٣٢٪ و١٣ مقعدا إلى ٧.٩٪ و١٩ مقعدا، وحصل على ١٥.٤١٪ من الأصوات الإلكترونية. ويخاطب الحزب الناخبين الحضريين والشباب وأصحاب الأعمال ببرنامج يدعو إلى تخفيف القيود الإدارية، وإقرار «قرينة حسن النية» للمواطنين والشركات، وقصر حجب المواقع على الأحكام القضائية، لكنه صوت لصالح موازنة ٢٠٢٦.
تراجعت حصة حزب روسيا العادلة، بزعامة سيرغى ميرونوف، من ٧.٤٦٪ إلى ٥.١٣٪. ولم يتجاوز العتبة الانتخابية إلا بعد فرز نحو ٩٧٪ من المحاضر، ليرتفع تمثيله من أربعة مقاعد فاز بها فى الدوائر الفردية إلى ١٦ أو ١٧ مقعدا. ويدعو الحزب إلى خفض سعر الفائدة، وتجميد أسعار السلع الأساسية، وتقييد الهجرة العائلية. وحصل حزب رودينا على مقعد واحد فى دائرة فردية، فيما فاز أربعة مرشحين مستقلين بمقاعد فردية. وخارج المجلس، ألغت المحكمة العليا فى ١٠ أغسطس (آب)، بناء على دعوى من رودينا، تسجيل قائمة حزب يابلوكو، الحزب المسجل الوحيد الذى دعا صراحة إلى وقف إطلاق النار، بدعوى وجود تمويل مرتبط بمصادر أجنبية وإنفاق غير مصرح به. ووصف غريغورى يافلينسكى القرار بأنه «غير مسبوق». ومع قانون ٢٠٢٤ الذى يمنع المصنفين «عملاء أجانب» من الترشح، يتضح الفارق بين معارضة نظامية تنتقد السياسات الاقتصادية والاجتماعية دون الاعتراض على الحرب، ومعارضة أبعدت عن التمثيل.
طبيعة مجلس الدوما التاسع
حددت الانتخابات أحجام الكتل، لكنها لم تحسم بعد التنظيم الداخلى للمجلس. ونقلت وكالة ريا نوفوستى عن مصادر فى كتلة الحزب الحاكم أن الجلسة الأولى قد تعقد فى ٣٠ سبتمبر (أيلول)، بينما لم يعلن رسميا توزيع رئاسات اللجان. وفى المجلس الثامن، وزعت رئاسة ٣٢ لجنة وفق «اتفاق حزمة» حصلت بموجبه روسيا الموحدة على ١٧ رئاسة، مقابل ١٥ للمعارضة. ومع اتساع كتلة الحزب الحاكم، تتراجع قدرة الأحزاب الأخرى على التفاوض بشأن هذا التوزيع، لأنه لا يحتاج إلى أصواتها لتمرير قراراته داخل المجلس.
يقر مجلس الدوما، بموجب الدستور، القوانين الفيدرالية ويوافق على مرشح الرئيس لرئاسة الحكومة. ومنذ تعديلات ٢٠٢٠، يوافق أيضا على نواب رئيس الحكومة ومعظم الوزراء، باستثناء وزراء الدفاع والأمن والداخلية والخارجية ومسؤولين آخرين يعينهم الرئيس بعد التشاور مع مجلس الاتحاد. ويستمع الدوما إلى التقرير السنوى للحكومة ويعلن العفو العام. فى المقابل، ينظر مجلس الاتحاد إلزاميا فى القوانين المتعلقة بالموازنة والضرائب والمعاهدات والحرب والسلم، ويقرر استخدام القوات المسلحة خارج البلاد. ويحدد الرئيس، بموجب المادة ٨٠، الاتجاهات الأساسية للسياسة الداخلية والخارجية. لذلك يمنح اتساع أغلبية روسيا الموحدة الحكومة قدرة أكبر على تمرير التشريعات، دون أن ينقل مركز رسم السياسات إلى البرلمان.
يدخل المجلس الجديد أيضا نواب شاركوا فى الحرب. ويقول حزب روسيا الموحدة إن ٤٩ من نوابه المنتخبين شاركوا فى ما تسميه موسكو «العملية العسكرية الخاصة»، بينما أحصت «نوفايا غازيتا أوروبا» ٢٥ منهم بين الفائزين فى الدوائر الفردية. وخاطب بوتين العسكريين فى ٢٣ سبتمبر (أيلول) قائلا: «هذا التصويت من أجلكم». ويرجح أن يزيد هذا الحضور اهتمام المجلس بملفات الرعاية الاجتماعية للمحاربين القدامى، وإعادة إدماجهم فى الحياة المدنية، والسياسة الدفاعية. لكن الانضباط الحزبى، أى التزام النواب بقرار كتلهم عند التصويت، يرجح أن يحصر تأثير الأحزاب الصغيرة فى أعمال اللجان والتعديلات والمبادرات التشريعية، كما حدث فى المجلس السابق.
الأولويات الداخلية:
الموازنة والعمل والهجرة
يبدأ المجلس عمله بمناقشة موازنة ٢٠٢٧-٢٠٢٩ التى أحالتها وزارة المالية إلى الحكومة فى ٢٤ سبتمبر (أيلول). وتفترض المسودة عجزا سنويا يقارب ٢٪ من الناتج المحلى، وسعرا أساسيا للنفط يبلغ ٥٠ دولارا. كما ترفع الحد الأقصى للضريبة على عوائد الودائع والأوراق المالية وبيع الممتلكات إلى ٢٢٪، وتفرض رسوما على الأرباح الاستثنائية فى قطاعى المعادن والأسمدة، بعد عام من رفع ضريبة القيمة المضافة من ٢٠٪ إلى ٢٢٪. وتعكس هذه المقترحات ضغط الإنفاق على المالية العامة، وتضع المجلس أمام قرارات تمس دخول الأسر والشركات وقدرة الأقاليم على الوفاء بالتزاماتها.
خصصت موازنة ٢٠٢٦ نحو ١٢.٩٣ تريليون روبل للدفاع الوطنى، بما يعادل ٢٩.٣٪ من الإنفاق، وترتفع النسبة إلى ٣٨.٢٪ عند إضافة الأمن وإنفاذ القانون. وبلغ العجز خلال الأشهر الثمانية الأولى ٥.٨ تريليون روبل، مقابل ٣.٨ تريليون روبل مقدرة للعام كله، مع تراجع إيرادات النفط والغاز بنسبة ١٦.٧٪. وتوقع وزير المالية أنطون سيلوانوف بقاء العجز السنوى فى حدود ٣٪. وفى ١١ سبتمبر (أيلول)، أبقى البنك المركزى سعر الفائدة عند ١٤٪ بعد سلسلة تخفيضات بدأت من مستوى ٢١٪ فى يونيو (حزيران) ٢٠٢٥، فيما بلغ التضخم السنوى ٦.٣٣٪ فى أغسطس (آب)، ولم يتجاوز النمو ٠.٦٪ فى النصف الأول من العام.
اقتربت البطالة من أدنى مستوياتها التاريخية، مسجلة ٢.٣٪ فى يوليو (تموز)، لكن انخفاضها يعكس نقص العمالة بقدر ما يعكس توافر الوظائف. وفى الوقت نفسه، شددت التشريعات منذ ٢٠٢٥ شروط إقامة المهاجرين، من خلال سجل «الأشخاص الخاضعين للرقابة»، والتسجيل البيومترى المسبق عبر تطبيق RuID منذ ٣٠ يونيو (حزيران) ٢٠٢٦، واشتراطات الدخل التى أقرها المجلس فى يوليو (تموز). ويشكل التوفيق بين حاجة الشركات إلى العمالة والخطاب المتشدد تجاه الهجرة، الذى يتبناه الحزب الليبرالى الديمقراطى وروسيا العادلة، أحد أصعب ملفات السياسة الداخلية. وتزداد الضغوط مع احتمال وصول عجز الأقاليم إلى ١.٩ تريليون روبل، وفق سيلوانوف، رغم شطب ٥١٨ مليار روبل من ديون ٧٦ إقليما.
السياسة الخارجية وحدود الدور البرلمانى
يوجه الرئيس السياسة الخارجية ويتفاوض على المعاهدات ويوقعها بموجب المادة ٨٦ من الدستور، بينما يتركز دور الدوما فى التصديق على الاتفاقات وسن تشريعات التجارة والعقوبات المضادة وممارسة الدبلوماسية البرلمانية. وقد صدق المجلس الثامن على معاهدة الشراكة مع إيران واتفاقية الشراكة الاقتصادية بين الاتحاد الاقتصادى الأوراسى والإمارات. وبما أن أيا من الكتل الممثلة فى المجلس الجديد لا يعارض الحرب، فمن غير المتوقع أن يكون البرلمان مصدر ضغط مستقل باتجاه تسوية أو تصعيد. وستظل المتغيرات الخارجية وقرارات الرئاسة أكثر تأثيرا فى مسار السياسة الروسية.
التقى المبعوثان الأمريكيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بوتين فى ٥ سبتمبر (أيلول)، ثم زارا كييف. وخلال أيام الاقتراع، وقع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب قانونا يجيز فرض رسوم جمركية تصل إلى ١٠٠٪ على مشترى الطاقة الروسية، ومنهم الصين والهند، ثم دعا بوتين إلى قمة العشرين فى ميامى. وكان الاتحاد الأوروبى قد اعتمد حزمة عقوباته الحادية والعشرين فى يوليو (تموز)، وأعلن أنه لن يعترف بالاقتراع ونتائجه فى المناطق الأوكرانية التى تسيطر عليها روسيا، فيما بقيت الأصول الروسية المجمدة لديه معلقة. وتضع هذه التطورات العلاقات مع واشنطن وأوروبا ضمن محددات لا يستطيع الدوما تغييرها، وإن كان مطالبا بإقرار التشريعات والاتفاقات المرتبطة بالرد عليها.
شرقا، زادت التجارة مع الصين بنسبة ٢٥.٦٪ فى النصف الأول من ٢٠٢٦، وتقول الحكومة الروسية إن ٨٩٪ من التسويات التجارية باتت تجرى بالعملات الوطنية. وحضر بوتين قمة بريكس فى نيودلهى وقمة منظمة شنغهاى للتعاون فى بيشكيك. وفى الخليج، بدأ سريان الإعفاء المتبادل من التأشيرات مع السعودية فى مايو (أيار)، وبحث بوتين وولى العهد محمد بن سلمان فى ٢٢ سبتمبر (أيلول) سلامة الملاحة فى هرمز وباب المندب. وتنسق موسكو مع الرياض ومسقط داخل «أوبك+» بعد انسحاب الإمارات، وتستفيد من وساطة أبوظبى فى تبادل الأسرى، وتتشاور مع الدوحة بشأن وساطتها بين واشنطن وطهران. لكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران منذ فبراير (شباط) تضع موسكو أمام موازنة صعبة بين شريك لا تلزمها معاهدتها معه بالدفاع عنه، وشركاء خليجيين امتنعت عن التصويت على إدانة الهجمات الإيرانية عليهم فى مجلس الأمن.
وفى سوريا، حولت مذكرة ٩ أغسطس (آب) منشأتى حميميم وطرطوس إلى «مراكز تدريب مشتركة»، بينما يقترب تشغيل محطة أكويو النووية فى تركيا. ويمكن للدبلوماسية البرلمانية تسريع التصديق على الاتفاقات المرتبطة بهذه العلاقات، لكنها لا تحسم التوازن بين المصالح الروسية المتعارضة أحيانا فى الشرق الأوسط.
ثلاثة مسارات حتى نهاية ولاية المجلس
لا تتيح المعطيات المتاحة التنبؤ بمسار قاطع، لكنها تسمح بتحديد ثلاثة مسارات مشروطة لعمل مجلس الدوما التاسع حتى نهاية ولايته فى ٢٠٣١. يتمثل المسار الأول فى الاستمرارية، وهو الأقرب إلى سلوك المجلس السابق: إقرار الموازنات كما تقدمها الحكومة، وبقاء الدفاع والأمن فى صدارة الإنفاق، وإدارة الضغوط المالية عبر الضرائب والاقتراض وشطب ديون الأقاليم. وسبق أن أتاح قانون صدر فى يونيو (حزيران) ٢٠٢٦ للحكومة زيادة الإنفاق والاقتراض دون تعديل قانون الموازنة. ويفترض هذا المسار استمرار الحرب دون تسوية، وبقاء أسعار النفط قرب مستوياتها الحالية، وقدرة الحكومة على إبقاء العجز قريبا من ٣٪.
أما المسار الثانى فهو التكيف الاقتصادى والاجتماعى. فإذا بقى التضخم فوق ٦٪ والنمو دون ١٪ واتسع العجز، فقد تضطر الحكومة إلى إعادة ترتيب الأولويات، لينتقل النقاش البرلمانى إلى تفاصيل الضرائب والمعاشات والتحويلات إلى الأقاليم وسياسة الهجرة. وفى هذه الحالة، قد يزداد دور الكتل ذات المطالب الاجتماعية، وفى مقدمتها الحزب الشيوعى وروسيا العادلة، فى صياغة التعديلات، حتى إذا لم يتغير الاتجاه النهائى للتصويت. ويرتبط المسار الثالث باتساع النقاش حول إصلاحات اقتصادية وإدارية أعمق، إذا تغيرت البيئة الخارجية نتيجة وقف إطلاق النار أو تخفيف العقوبات. وقد يتيح ذلك خفض أولوية الإنفاق العسكرى وطرح ملفات إعادة الإدماج والاستثمار المدنى، لكنه يتطلب قرارا من الرئاسة، ولا تتوافر له مؤشرات كافية حتى الآن.
يمكن التمييز بين هذه المسارات من خلال متابعة حصة الدفاع فى موازنتى ٢٠٢٧ و٢٠٢٨، واتجاه سعر الفائدة والتضخم، ونسبة مشروعات القوانين الحكومية إلى مبادرات النواب، وتصويت الشيوعيين وروسيا العادلة على الموازنة، وتوزيع رئاسات اللجان ومدى نشاطها فى الرقابة على الإنفاق. وتضاف إلى ذلك تطورات الاتصالات بشأن أوكرانيا والبيئة الأمنية فى أوروبا والخليج. ولا يفترض أى من هذه المؤشرات مسبقا نتيجة الانتخابات الرئاسية المقررة فى ٢٠٣٠.
تكشف انتخابات سبتمبر (أيلول) ٢٠٢٦ أن الاستمرارية السياسية فى روسيا تتعزز عبر المؤسسات القائمة. فقد أفرزت أغلبية أوسع للحزب الحاكم، ومعارضة برلمانية أضعف، وحضورا أكبر للمشاركين فى الحرب، مع إبعاد الحزب الذى دعا إلى وقف إطلاق النار. لكن مركز القرار بقى فى الرئاسة ثم الحكومة. وتمنح الأغلبية الدستورية روسيا الموحدة قدرة واسعة على تمرير التشريعات، دون أن تقدم بذاتها حلولا للتضخم أو نقص العمالة أو تراجع إيرادات النفط. لذلك سيقاس أداء مجلس الدوما التاسع بقدرته على التعامل مع الكلفة الداخلية للحرب أكثر مما سيقاس بحجم كتلة الحزب الحاكم. وتبقى للسنوات المقبلة مسألتان مؤثرتان فى موقع روسيا الخارجى: ما إذا كانت الاتصالات مع واشنطن وكييف ستتحول إلى مسار تفاوضى مستقر، ومدى قدرة موسكو على الموازنة بين علاقتها بإيران وشراكاتها الخليجية.
* باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية فى مركز الدراسات العربية الأوراسية
ينشر بالتعاون مع CAES مركز الدراسات العربية الأوراسية