لا يزال جمال عبد الناصر يملأ السمع والبصر، ولا يكاد يمر أسبوع واحد من دون تناول شخصيته فى الصحف والفضائيات العربية ومواقع التواصل الاجتماعى. ولست بحاجة إلى الحديث عن طبيعة هذا التناول؛ لأنه يأتى دائما بشكل سلبى وهجومى وغير موضوعى، بل يفتقر فى غالب الأحيان إلى العقلانية.

حتى يخيل للمشاهد، لو انفصل لبرهة من الزمن عن الواقع، أننا نعيش فى يوم ٢٨ سبتمبر ١٩٦٢، وهو يوم وصول أولى طلائع القوات المصرية إلى اليمن لنصرة النظام الجمهورى الجديد. ثم يدرك سريعا أننا فى العام ٢٠٢٦، وأن الإمام البدر قد توفى عام ١٩٩٦، وأن الحوثيين، الذين يسمون أنفسهم «أنصار الله»، ويمثلون امتدادا لمن كانوا يقاتلون الجيش المصرى فى ذلك الوقت، هم المسيطرون على «اليمن المفيد»، وصولا إلى باب المندب.

تحل اليوم، ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦، الذكرى السادسة والخمسون لوفاة جمال عبد الناصر، ثانى رئيس للجمهورية بعد رئيسها الأول، اللواء محمد نجيب، المعين من قبل مجلس قيادة الثورة، والذى تولى الرئاسة فى الفترة من ١٨ يونيو ١٩٥٣ إلى ١٤ نوفمبر ١٩٥٤. وكان عبد الناصر أول رئيس للجمهورية يختار عبر استفتاء شعبى، وتولى الرئاسة فى الفترة من ٢٤ يونيو ١٩٥٦ إلى ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠.

رغم مرور أكثر من خمسة عقود على وفاة عبد الناصر، لا يزال بعض «المثقفين» والإعلاميين العرب، وتحديدا فى بعض بلدان الخليج العربية، مصابين بما يمكن تسميته «متلازمة ناصر». وقد يكون ذلك مفهوما لو كان هناك حزب عقائدى يحكم مصر، وما زال يمضى على نهجه وبرنامجه الثورى.

لكن قد يكون من المفيد تذكير هؤلاء «المثقفين»، والمسؤولين عن تلك الفضائيات، الذين يبدون منفصلين عن الواقع ومسكونين بالماضى، ببعض الحقائق:

أولا، توفى جمال عبد الناصر عام ١٩٧٠، ولم يدع أحد من عائلته أو محبيه أنه المهدى المنتظر، أو أنه سيعود من جديد فى آخر الزمان لنصرة العرب وانتشالهم من هزيمتهم الحضارية والعسكرية الحالية.

ثانيا، تخلص الرئيس الراحل السادات من أقطاب نظام عبد الناصر، أو «مراكز القوى»، فى أحداث ١٥ مايو ١٩٧١، أو ما يسمى «ثورة التصحيح»، وجرى الاستعانة بالصف الثانى من نظامه.

ثالثا، بعدما تمكنت القوات المسلحة المصرية الباسلة من عبور قناة السويس فى السادس من أكتوبر ١٩٧٣، وتثبيت أقدامها شرق القناة، رأى الرئيس السادات أن التفويض الذى منحه الشعب لعبد الناصر بعد هزيمة الخامس من يونيو ١٩٦٧ لإزالة آثار العدوان، والذى تراجع على أساسه عن قرار التنحى يوم ١٠ يونيو ١٩٦٧، قد انتهى.

وأن هناك حاجة إلى شرعية جديدة تنهى الشرعية المؤقتة التى حصل عليها نظام عبد الناصر بعد الهزيمة؛ لذا أجرى استفتاء شعبيا فى ١٥ مايو ١٩٧٤ على الشرعية الجديدة التى سماها «ورقة أكتوبر»، ونالت تأييدا شعبيا بنسبة ٩٩.٩٥٪.

لتبدأ الجمهورية الثانية منذ ذلك الوقت، وتستمر حتى تنحى الرئيس السابق مبارك فى ١١ فبراير ٢٠١١. وعليه، فإن نظام عبد الناصر وشرعيته لا وجود لهما فى مصر منذ ٥٢ سنة.

أخيرا، نظام الحكم فى مصر جمهورى رئاسى، لا برلمانى، ويتمتع فيه رئيس الجمهورية بصلاحيات كاملة فيما يخص السياسات الدفاعية والخارجية والاقتصاد الكلى. ولا وجود لأحزاب تدعى أنها «ناصرية»، والجمهورية الجديدة التى أعلن عنها الرئيس السيسى فى مارس ٢٠٢١ لم تلمح، فضلا عن أن تصرح، بأنها «ناصرية».

بناء على ما سبق، مما هو معلوم من التاريخ بالضرورة، يعود السؤال مجددا: لماذا يعاد ذكر عبد الناصر بشكل دورى، ويزداد هذا الذكر فى ظل العدوان المستمر من إيران ووكلائها على بلدان الخليج العربية؟

قد يكون ذلك وسيلة لإشغال الرأى العام وتشتيت انتباهه، فى ظل عدم وجود أجوبة مقنعة عن الواقع. وقد يكون محاولات من المسؤولين عن هذه الفضائيات لصنع ما يسمى «ترند» لزيادة عدد المشاهدات، وهو إقرار منهم بأن كل الزعماء العرب، قاطبة، حكموا وتوفوا وتجاوزهم الزمن، إلا جمال عبد الناصر، الذى لا يمكن تجاوزه.

لكنى أعتقد أن هناك شيئا آخر أعمق لدى بعض «المثقفين» العرب، ولا يعبر بالضرورة عن تصورات قياداتهم.

هذا التصور قائم على رؤية شائعة فى بعض بلدان الخليج العربية، مفادها أن الثقافة السياسية للشعب المصرى والمسؤولين المصريين ما زالت ناصرية، وأن كل الجهود التى قام بها الرئيس السادات ومن جاءوا من بعده، والدعايات التى أنفقت عليها ملايين، وربما مليارات الدولارات، لم تفلح فى تغيير هذه العقلية.

وصولا إلى قول بعضهم: «كل مصرى هو، فى الواقع، شاء أم أبى، وعند الضرورة، ناصرى، حتى لو لعن عبد الناصر».

ومصدر هذا التصور، وفق اعتقادهم، أن إسرائيل تظل، بالنسبة إلى جموع المصريين، شعبا ومسؤولين، الخطر الأكبر الذى لا يوازيه أى خطر آخر على الأمن القومى المصرى والعربى. وكذلك دعم كل حركات المقاومة الفلسطينية، والتسامح مع أى إساءات قد تصدر من بعضها؛ لأن مواجهة إسرائيل مقدمة على غيرها.

ويضاف إلى ذلك الرفض الشعبى القاطع لوجود أى قواعد أجنبية، ولا سيما الأمريكية، ورفض التطبيع ومناهضته تحت أى ذريعة، وربطه بحل القضية الفلسطينية أولا، رغم وجود علاقات مصرية إسرائيلية على المستوى الرسمى منذ ٤٦ سنة، لم تفلح فى تغيير هذه النظرة.

وكذلك رفض الأحلاف العسكرية مع قوى أجنبية، واختزال الدفاع فى القوة الذاتية أو المظلة العربية، والتركيز على قضية الاستقلال الوطنى، ومركزية قضية العدالة الاجتماعية.

لكن السؤال: هل هذه القيم «ناصرية»، أم تعبير عن ثقافة سياسية مصرية أصيلة؟ وما الضير فى أن يؤمن الشعب المصرى بهذه القيم، حتى لو رآها البعض «شعبوية» و«غير عقلانية» و«مغرقة» فى الأيديولوجيا، وهو لا يسعى، ولا يملك أصلا القدرة، إلى فرضها على الآخرين؟

تكمن عظمة جمال عبد الناصر فى أنه عبر عن آمال الأمة المصرية وطموحاتها فى الداخل، ومن خلفها الأمة العربية فى الإقليم، وعن مطالب الحركة الوطنية المصرية والمثقفين العرب. لم يدع عبد الناصر أنه فيلسوف أو منظر سياسى أو صاحب أيديولوجيا، وعليه، لا وجود لما يسمى «الناصرية».

على سبيل المثال، نادى الزعيم الوطنى محمد فريد بتأميم قناة السويس عام ١٩١٠، قبل مولد جمال عبد الناصر بثمانى سنوات. وفى العام نفسه، أصدر مؤسس الاقتصاد المصرى، طلعت حرب، كتابه «قناة السويسر»، ونادى فيه بالأمر نفسه.

أما فى العام ١٩٥١، فقد قدم الدكتور مصطفى الحفناوى أطروحته للدكتوراه فى جامعة باريس تحت عنوان «قناة السويس ومشكلاتها المعاصرة»، وأسس فيها قانونيا لضرورة تأميم القناة. وهو ما استند إليه عبد الناصر فيما بعد، عندما اتخذ القرار عام ١٩٥٦، مستغلا قرار وقف تمويل السد العالى.

وهنا وجب التنويه إلى أن هذه المطالبات قامت على أن انتهاء امتياز قناة السويس لا يعنى بالضرورة انتقالها إلى السيادة المصرية الكاملة. وهو الأساس الذى قام عليه قرار التأميم، فى ظل رفض فرنسى وبريطانى لتمتع مصر بكامل السيادة على القناة، تحت زعم أنها ممر دولى، ولا بد أن يظل تحت الإدارة الدولية حتى بعد نهاية مدة الامتياز عام ١٩٦٨.

أما قضية الإصلاح الزراعى، فكانت مطلبا مصريا قديما، جدده عضو مجلس الشيوخ السعدى، محمد خطاب باشا، عام ١٩٤٤، وطرحه للنقاش البرلمانى فى يونيو عام ١٩٤٥، مقترحا تقييد الملكية بخمسين فدانا.

لكن الملك وحزب الوفد، الذى أصبح فى ذلك الوقت تحت هيمنة كبار الملاك، رفضا تطبيق هذا المقترح. بل إن البريطانيين والأمريكيين طالبوا به، وضغطوا من أجله، وألحوا عليه؛ لأن الوضع الطبقى فى مصر كان ينذر بانفجار حالة من الفوضى قد يستغلها الشيوعيون.

وتذكر الوثائق تشجيع رئيس الوزراء البريطانى، ونستون تشرشيل، والسفير الأمريكى فى القاهرة، جيفرسون كافرى، على الإسراع بهذه الخطوة.

أما قضية الأحلاف العسكرية الأجنبية، وتحديدا الغربية، فلم يوافق عليها الملك فاروق ولا النخبة الملكية، فى ظل عدم حسم ملف القضية الفلسطينية. وكذلك كانت لدى السعودية خشية من أن يستغل الهاشميون فى العراق والأردن «حلف بغداد» للتمدد نحو دمشق والسيطرة على سوريا.

وظل الموقف من القواعد الأجنبية وأحلافها ثابتا فى السياسة الخارجية المصرية؛ فمصر التى اكتوت بنار الاحتلال البريطانى تدرك أن وجود أى قواعد أجنبية، أو الدخول فى هذه الأحلاف، سيحول أراضيها إلى جزء من صراعات القوى الكبرى.

يظل موضوع التطبيع من أكثر المواضيع تأثيرا، فى ظل ما يبدو أنه تصورات لدى بعض «المثقفين» العرب بأن إسرائيل هى السبيل الوحيد للإبقاء على الوجود الأمريكى فى المنطقة، واستمرار دوره فى الحماية، الذى برز بشكل واضح فى عملية عاصفة الصحراء لتحرير الكويت عام ١٩٩١.

وفى المقابل، يتهم عبد الناصر بأنه من «زرع» المشاعر العدائية تجاه إسرائيل. ويتناسى هؤلاء أن الملك فاروق هو الزعيم المصرى الوحيد الذى أعلن الحرب على إسرائيل، وذهب بجيشه إلى الأراضى التى تدعى ملكيتها، وقاتلها فى قلب فلسطين، وأغلق مضيق تيران وقناة السويس أمام الملاحة الإسرائيلية.

أما حروب إسرائيل مع مصر زمن عبد الناصر، فكانت إسرائيل هى المبادرة بها، وجرت على أراض مصرية، من العدوان الثلاثى عام ١٩٥٦ إلى حرب ١٩٦٧. بينما كانت حرب الاستنزاف، بين عامى ١٩٦٧ و١٩٧٠، دفاعية، وعلى أراضى سيناء المصرية، بهدف إزالة آثار العدوان.

ويتناسون أيضا أن عبد الناصر وافق على الاعتراف بإسرائيل وعقد سلام معها وإقناع الدول العربية بذلك، وعلى لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلى، موشى شاريت، فى قمة باندونغ عام ١٩٥٥، التى دعيت إسرائيل إليها، شريطة اعترافها بقرار التقسيم وعودة اللاجئين وتعويض من لا يرغب فى العودة.

لكن إسرائيل رفضت، وحصرت مطالبتها فى سلام منفرد مع مصر، دون أى التزام. وكان ذلك فى وقت حارب فيه الملك فاروق والهاشميون فى العراق والأردن إسرائيل، ورفض الملك عبد العزيز آل سعود رفضا مطلقا الاعتراف بإسرائيل أو بقرار التقسيم.

وحتى عندما وافق عبد الناصر على مبادرة روجرز فى ٥ يونيو ١٩٧٠، كوسيلة لنقل حائط الصواريخ للاستعداد للمعركة، أعلن الملك فيصل رفضه لأى مبادرات صلح مع إسرائيل، مؤكدا أن السعودية لن تقبل بأى اعتراف بها، ليكون الزعيم العربى الوحيد الذى طالب بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر.

أخيرا، يأتى ادعاء أن القومية العربية «اختراع» ناصرى، وهو أمر يدعو إلى رثاء هؤلاء «المثقفين»؛ إذ بدأت تلك الدعوة قبل ميلاد جد جمال عبد الناصر نفسه، وانطلقت من الشام الكبير، وتحديدا عبر المسيحيين العرب من الموارنة والروم الأرثوذكس.

وعندما تولى جمال عبد الناصر السلطة، كان العالم يتجه نحو التكتلات: اتحاد سوفيتى مكون من ١٥ دولة، ويوغسلافيا المكونة من ست دول، واتحاد التشيك وسلوفاكيا تحت مسمى تشيكوسلوفاكيا.

وبدأت أولى ملامح الاتحاد الأوروبى عبر المجموعة الاقتصادية الأوروبية (EEC)، إلى جانب الولايات المتحدة المكونة من اتحاد من ٥٠ ولاية، وحلف عسكرى غربى هو «الناتو»، فى مقابل حلف شرقى هو «وارسو».

وفى سياق تاريخى لم يكن فيه عمر أقدم دولة قومية عربية مستقلة قد تجاوز عقدين، ولم يكن قد مر على سقوط الدولة العثمانية سوى ٣٤ سنة، كان من الطبيعى أن تكون هناك مطالب عربية مماثلة بالاتحاد.

لأجل هذا، جاء فى إعلان قيام المملكة العربية السعودية عام ١٩٣٢ أنها «أول خطوة لتحقيق الوحدة العربية وأمانى العرب». وسبقتها دعوة الهاشميين فى الحجاز إلى الثورة العربية الكبرى.

وكذلك دعوة الملك فاروق إلى الوحدة بين مصر وسوريا أثناء حكم الرئيس السورى حسنى الزعيم، الذى قابل الدعوة بالترحاب، وأعلن يوم جلوس الملك فاروق على العرش عيدا وطنيا سوريا.

ويضاف إلى ذلك تأسيس الملك فاروق، ومعه النحاس باشا، زعيم الوفد، لجامعة الدول العربية واتفاقية الدفاع المشترك فى ٢٢ مارس ١٩٤٥، بعد بروتوكول الإسكندرية عام ١٩٤٤، بين مصر والسعودية واليمن والعراق ولبنان والأردن وسوريا.

فكان عبد الناصر، فى دعوته، ابنا لزمانه وللسياق الذى كان سائدا فيه، وبنى على أساس ما قامت به الأنظمة الملكية قبل حركة ٢٣ يوليو أو إعلان الجمهورية.

أما لماذا مصر؟ فبكل بساطة، لأن أى مشروع إقليمى لا يمكنه النجاح دون دعم وتأييد مصريين، لا على المستوى الرسمى فقط، بل على المستوى الشعبى أيضا. وحتى فى أضعف حالاتها، تظل مصر حجر الزاوية فى نجاح أى مشروع إقليمى.

لذلك، يستحوذ الإعلام الموجه إلى المصريين على ٧٠٪ من جهود الإعلام العربي؛ إذ يمثل المصريون نحو ٢٤٪ من سكان الدول العربية، ونسبة مماثلة من شبابها، أى قرابة الربع فى الحالتين.

كما أنها الدولة الأغنى بتاريخها السياسى، والأكثر حرية؛ فلا مجال لتناول سيرة حاكم فى غيرها، رئيسا كان أم ملكا أم أميرا، إلا وأثار حساسيات لا تقوى عليها هذه الفضائيات.

ووفق ما سبق، تبدو مقولة «كل مصرى ناصرى، ولو لعن عبد الناصر ورفضه» صحيحة جزئيا، لا بسبب تأثير عبد الناصر، كما يوحى ذلك الاختزال السببى (Causal Reductionism) للتاريخ، الذى يرد الأحداث الكبرى وتأثيراتها الممتدة إلى شخص ميت، لا يملك أى أداة للتأثير، ولا توجد دولة واحدة تدعم نهجه.

بل لأن عبد الناصر عبر بسياساته عن وجدان كل مصرى وعربى، ومشاعره ورغباته وطموحاته. لذلك، فى كل أزمة، يظهر الخطاب الناصرى مرة أخرى، لا لأن عبد الناصر مؤثر كشخص أو فكرة، بل لأنه عبر عن الجماهير.

وما يجرى تسويقه على أنه «ثقافة» ناصرية مترسخة فى الوعى الشعبى المصرى وفى المؤسسات هو فى الواقع مجموعة من ثوابت الأمن القومى المصرى، لا يمكن لأى حاكم، مهما كانت خلفيته، أن يحيد عنها، ولا للمجتمع أن يقتنع بنقيضها. وبدلا من محاولة فهم هذه الثوابت ومعرفة أسبابها، يلجأ الكسالى فكريا إلى اختزالها فى فرد.

أما عبد الناصر من حيث النظام السياسى والممارسة والتطبيق، فقد كان نظامه ديكتاتوريا. وهنا فارق بين الديكتاتورية والاستبداد: فالديكتاتور يعبر عن الجماهير، ولديه مشروع حقيقى نابع منها، ويسعى بجد وإخلاص إلى تحقيقه، لكن فى ظل نظام سياسى مغلق، لا مجال فيه لأى معارضة.

ربما يكون هناك تسامح فى قبول الآراء التكتيكية لتحقيق الهدف، لكن الاستراتيجية تظل غير قابلة للنقاش. أما المستبد، فلا يملك فكرة ولا رؤية، وتكمن علاقته بالجماهير فى كيفية السيطرة عليها وإشغالها عن قضاياها الحقيقية. وهو مستعد لفعل الشيء وعكسه؛ لأن هدفه الأوحد هو البقاء فى السلطة، أيا كان الثمن ومهما بلغ.

ولأن نظام عبد الناصر كان ديكتاتوريا، قائما على مركزية الزعيم القائد، تعرض للهزيمة العسكرية المروعة فى حرب الخامس من يونيو ١٩٦٧، وجرى العصف بأغلب المكتسبات التى تحققت للشعب، لعدم تمكينه منها عبر مؤسسات دولة فاعلة.

وهذا آخر ما نحتاج إليه فى هذه الأيام، التى لا مجال فيها لزعامة شخصية أو قيادة فردية، بل لدولة المؤسسات والتحالفات بين أصحاب المصلحة المشتركة، الذين جمعتهم الجغرافيا، وهى تؤثر فيهم، شاءوا أم أبوا، كما يتأثرون ببعضهم بعضا. ولا يمكن لأى دولة أن تعزل نفسها عما يحدث فى محيطها.

لأجل كل ما سبق، يظل جمال عبد الناصر أعظم ديكتاتور عربى عبر عن الجماهير بصدق، وتحمل مسؤولية أخطائه، والزعيم العربى الوحيد الذى اعترف بهزيمته، وأقر بمسؤوليته عنها، وتقدم باستقالته. كما قدم نقدا ذاتيا لنظامه، موثقا فى محاضر مجلس الوزراء واجتماعاته مع زعماء العالم. وهو الزعيم العربى الوحيد أيضا الذى أرشف لكل كلمة وحرف طوال فترة حكمه، وأتيح أرشيفه للعامة.

لكننا لسنا بحاجة إلى زعماء ولا إلى ديكتاتوريين، بل إلى دول ذات مؤسسات حقيقية، وإلى دمقرطة هذه المؤسسات، وممثلين منتخبين فى انتخابات حقيقية تعبر عن إرادة الشعب. وكما كتب الكاتب الكبير وليد سيف فى مسلسل ربيع قرطبة: «الشورى والإنصات إلى صوت العامة هما سبيل النجاة، فإن الأمة لا تجتمع على باطل، وأن تخطئ الجماعة خير من أن يصيب الفرد؛ فإنه إن أصاب مرة أخطأ مرات، ثم لا يجد من يلتمس له عذرا».

لذلك، دعونا نتجاوز عبد الناصر، ونركز على واقعنا ومستقبلنا، ولنترك الأموات يرقدون بسلام.

* رئيس التحرير والمؤسس المشارك

وباحث فى التاريخ والعلاقات الدولية

متخصص فى الشؤون الروسية والأوراسية

ينشر بالتعاون مع مركز الدراسات العربية الأوراسية