آخر الأخبار

قلب المعادلة

شارك

هناك لحظات فى تاريخ الدول لا يكون فيها السؤال: ماذا يحدث حولنا؟، وإنما: أين نقف نحن مما يحدث؟. والمنطقة العربية والمتوسطية تعيش واحدة من هذه اللحظات؛ خرائط النفوذ تتغير، والممرات البحرية أصبحت جزءًا من صراع أوسع على التجارة والطاقة، والحدود لم تعد وحدها هى التى تحدد مفهوم الأمن القومى.

وفى وسط هذا المشهد تبدو مصر أمام اختبار مختلف، ليس لأنها مطالبة بحمل أعباء المنطقة كلها، وإنما لأن موقعها وتاريخها ومصالحها تجعل ابتعادها عن دوائر التأثير أمرًا يصعب تصوره. فمصر تقع حيث تتقاطع أكثر من خريطة فى وقت واحد؛ من الخليج والمشرق إلى شمال إفريقيا، ومن البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، ومن حركة التجارة العالمية إلى ملفات الطاقة والأمن.

وهذه الجغرافيا التى تبدو فى الكتب مجرد خطوط على الخريطة، تتحول فى الواقع إلى مسؤولية وفرصة فى آن واحد. فى العالم العربى، لا تحتاج مصر إلى أن تقدم نفسها باعتبارها وصيًا على أحد، بل تحتاج إلى أن تستعيد دورها الطبيعى كصوت قادر على جمع المساحات المتباعدة عندما تضيق فرص التفاهم. فالأزمات التى تضرب دولة عربية نادرًا ما تبقى داخل حدودها، وما إن يبدأ خلاف سياسى أو أمنى فى مكان حتى يتحول بعد وقت قصير إلى تهديد يتجاوز الحدود.

ومن هنا تصبح قوة العلاقات المصرية مع مختلف العواصم العربية قيمة سياسية فى حد ذاتها؛ فالدولة التى تستطيع أن تتحدث مع أطراف متعددة تملك فرصة أكبر للمساعدة فى تخفيف التوتر وفتح أبواب للحلول.

وفى البحر المتوسط، تتغير الصورة مرة أخرى. فشرق المتوسط لم يعد مجرد بحر يفصل بين ضفتين، وإنما أصبح مساحة تتقاطع فيها الطاقة والموانئ وخطوط التجارة والحسابات الأمنية. ومصر، بما تملكه من موقع وشبكة موانئ وقدرات فى مجال الطاقة، تستطيع أن تكون جزءًا رئيسيًا من صياغة هذا المشهد، لا مجرد متابع له.

أما البحر الأحمر، فقصته أكثر التصاقًا بالمصلحة المصرية؛ لأن ما يحدث فى هذا الممر لا يتوقف عند سواحل الدول المطلة عليه، بل يصل أثره إلى قناة السويس، وإلى التجارة العالمية، وإلى الاقتصاد المصرى. ولذلك فإن حماية الملاحة واستقرار البحر الأحمر ليست قضية بعيدة عن القاهرة، بل هى جزء من أمنها ومصالحها المباشرة. وهنا تحديدًا يمكن فهم معنى الدور المصرى فى المرحلة المقبلة. فالقوة ليست أن تدخل الدولة فى كل أزمة، ولا أن ترفع سقف خطابها فى كل مناسبة، وإنما أن تعرف أين تتحرك ومتى تتحرك وكيف تحول موقعها إلى قدرة على التأثير.

مصر لديها أدوات متعددة: جيش قوى، وموقع لا يمكن تجاوزه، وقناة السويس، وعلاقات عربية واسعة، وامتداد إفريقى ومتوسطى، وقوة ناعمة صنعتها عقود طويلة من الحضور الثقافى والسياسى. والتحدى الحقيقى هو جمع هذه الأدوات فى رؤية واحدة، بحيث لا تعمل كل أداة منفردة عن الأخرى.

وربما تكون هذه هى الصيغة الجديدة للريادة المصرية؛ أن تنتقل القاهرة من مجرد التعامل مع تداعيات الأزمات إلى المشاركة فى تشكيل البيئة التى تنتجها، وأن تربط الأمن بالاقتصاد، والسياسة بالتجارة، والعلاقات العربية بالشراكات المتوسطية.

العالم من حولنا يتغير بسرعة، والدول التى تحافظ على مكانتها ليست بالضرورة الأكثر صخبًا، وإنما الأكثر قدرة على فهم اللحظة واستثمار عناصر قوتها. ومصر لديها من عناصر القوة ما يسمح لها بأن تكون أكثر حضورًا فى صناعة ترتيبات المنطقة، بشرط أن تنظر إلى موقعها باعتباره أداة تأثير لا مجرد حقيقة جغرافية.

وفى النهاية، لا تحتاج مصر إلى أن تبحث عن دورها بعيدًا؛ فالدور موجود فى موقعها، وفى مصالحها، وفى قدرتها على التواصل مع دوائر يصعب على غيرها الجمع بينها.

المطلوب فقط أن تتحول هذه الإمكانات إلى رؤية وحركة. وعندما يحدث ذلك، لن تكون القاهرة واقفة على هامش المشهد تراقب تغير المعادلات، بل ستكون فى المكان الذى فرضه عليها التاريخ والجغرافيا والمصلحة: قلب المعادلة.

شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا