آخر الأخبار

أ. د. حسن يوسف على يكتب: من «بلازا» إلى العقد الضائع: هل دمرت أمريكا اليابان فى الثمانينيات

شارك

صادفت الذكرى الحادية والأربعون لتوقيع اتفاق «بلازا» يوم الثانى والعشرين من سبتمبر لعام ١٩٨٥، وهو الحدث الذى حفر اسمه كأحد أكثر المنعطفات الدرامية فى التاريخ الاقتصادى اليابانى المعاصر. ففى أروقة فندق بلازا العريق بنيويورك، تلاقت أرادة الولايات المتحدة، مع زميلاتها فى الاتحاد الأوروبى (ألمانيا الغربية، وفرنسا، وبريطانيا) على صياغة تدخل منسق يرمى إلى تحجيم سعر الدولار أمام الين. حينها، كانت أمريكا توجه أصابع الاتهام لطوكيو بتعمد خفض قيمة عملتها اصطناعياً، فى خطوة اعتبرتها واشنطن طعنة نافذة لصناعاتها وصادراتها الوطنية. ورغم أن اللافتة المرفوعة كانت معالجة العجز التجارى الأمريكى المتورم، إلا أن الحقيقة المستترة تجسدت فى إلقاء العبء الأكبر من فاتورة التصحيح على كاهل الاقتصاد اليابانى. وفى رأيى فإن اتفاق بلازا كان قنبلة نووية أخرى أسقطتها أمريكا على الاقتصاد اليابانى الذى ما زال يعانى ويلاته حتى وقتنا الحالى!.

لم تكن اليابان خصمًا يستهان به فى مضمار المنافسة. فقد التقطت بذكاء خيوط الفرصة المنسوجة من رحم أزمة حظر النفط إبان حرب ١٩٧٣، حين قفزت أسعار الخام بضراوة من ثلاثة دولارات إلى اثنى عشر دولارًا، لتبلغ سقف السبعة والعشرين دولارًا فى غضون عامين. أمام هذا الصعود الجنونى، فرّ المستهلك الأمريكى فزعاً من سيارته التى تحتاج محطة للوقود خلفها، باحثاً عن ملاذ فى المركبات الصغيرة. هنا، كانت المصانع اليابانية تقف بالبديل، تعرض سيارات صغيرة مدمجة، اقتصادية، رفيعة الجودة، وبأسعار لا تُقاوم. وهكذا، طفرت صادراتها للسوق الأمريكية من ٣٨١ ألف سيارة فى ١٩٧٠ لتلامس عتبة المليونى سيارة بحلول ١٩٨٠، وليتضخم نصيبها من كعكة السوق الأمريكية من ٩٪ إلى ٢٢٪. ولم يقف الزحف عند هذا الحد؛ فبحلول ١٩٨٨، التهمت الشركات اليابانية أكثر من نصف السوق العالمية لأشباه الموصلات، واشترت الشركات اليابانية (متسوبيشى) حصة مسيطرة من مبنى روكفلر (بكل رمزيته وإضاءة شجرة الكريسماس فيه كل عام) فى نيويورك مما أجج نيران الغضب فى الشارع الأمريكى الذى راقب باختناق طوفان المنتجات اليابانية يجتاح أسواقه ويشترى عقاراته!.

أمام هذا المشهد، أدركت واشنطن أن الخلل التجارى يتجاوز لغة الأرقام ليلامس عصب سيادتها الصناعية ومكانتها الدولية؛ فاليابان كانت تسابق الزمن لتتربع على عرش الاقتصاد العالمى كرقم واحد. استلّت الولايات المتحدة أسلحتها السياسية والمالية، مستغلة عباءة التحالف الأمنى الذى كبل يد طوكيو عن صد الضغوط، لتُسفر المواجهة عن اتفاقية بلازا التى حلقت بالين عاليا بنسبة ٤٦٪ أمام الدولار حتى أواخر ١٩٨٦، مسددة ضربة قاصمة لتنافسية الصادرات اليابانية ومحركة لزلزال عنيف فى نموذجها التصديرى. لقد جسّد هذا الاتفاق براعة القيادة الأمريكية فى عزف سيمفونية القوة الاقتصادية والدبلوماسية المزدوجة فى عهد ريجان، بقيادة وزير الخزانة جيمس بيكر ومساعده ريتشارد دارمان، لإنقاذ الميزان التجارى الذى نزف عجزاً بلغ ١٢٢ مليار دولار فى ١٩٨٥.

غير أن إلقاء لائمة «العقد الضائع» على هذا الاتفاق وحده يُعد قراءة غير متأنية للتاريخ؛ فالاتفاق لم يكن سوى عود الثقاب، أما الحريق فكان من صنع الداخل. فذعراً من شبح الركود، سارعت طوكيو لضخ ائتمان رخيص وخفض أسعار الفائدة، ليتضاعف الائتمان وتشتعل أسعار الأسهم والعقارات إلى ثلاثة أضعافها بين ١٩٨٥ و١٩٨٩. وما إن أزف عام ١٩٩٠ حتى انفجرت الفقاعة، لتتبخر ثلث قيمة الأسهم فى عام واحد، وتغرق البلاد فى مستنقع ديون متعثرة وأزمة مصرفية خانقة وركود عميق لم تخرج منه حتى الأن.

الدرس الجوهرى هنا يكمن فى أن صدمات أسعار الصرف لا تصنع عقوداً ضائعة بمفردها، بل الردود الداخلية الهوجاء هى من تخلد الأزمات. لقد تقاعست اليابان عن تطهير قطاعها المصرفى وهيكلة شركاتها وتنشيط طلبها الداخلى، ليهوى متوسط نموها من ٤.٤٪ فى الثمانينيات إلى أقل من ١٪ فى العقود اللاحقة. هذه هى القصة التى ينبغى للصين أن تقرأها اليوم وتستوعب دلالتها قبل أن تكررها بصورة أكبر وأكثر كلفة. وهذا ما سوف نعرض له الأسبوع القادم.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا