الذين تابعوا كلمة الرئيس ترمب فى الإجتماعات السنوية لمنظمة الأمم المتحدة المنعقدة هذه الأيام، لا بد أنهم لاحظوا أنه لا يكاد يختلف عن الرئيس السوڤييتى خروتشوف، الذى ضرب المنصة بحذائه وهو يخطب فى الاجتماعات نفسها ذات يوم، ولا عن العقيد القذافى الذى أمسك ميثاق الأمم المتحدة يمزقه، ثم ينثره فى القاعة على مرأى من الحاضرين.
فالرئيس الروسى لم يكن يقصد أن يُهين أحداً، وهو يضرب المنصة بالحذاء فى اجتماعات ١٩٦٠، وإنما كان يعبر عن ضيق من كلمة ألقاها رئيس وفد الفلبين، وانتقد فيها سياسات الاتحاد السوڤيتى وقتها.
والعقيد القذافى لم يكن يريد إهانة أحد أيضاً، وهو يمسك نص الميثاق فى اجتماعات ٢٠٠٩، ثم يشرع فى تمزيقه أمام المجتمعين. كان عبدالرحمن شلقم، وزير الخارجية الليبى الأسبق، ضمن الوفد المرافق للعقيد، وقد عايش الواقعة وهى تجرى أمامه، ثم رواها بتفاصيلها فى مذكراته المهمة الصادرة عن دار الفرجانى فى طرابلس تحت عنوان: سنواتى.
الإثنان أرادا التعبير عن مدى السُخط لديهما مما رآه كل واحد منهما أنه وضع دولى مائل، أو أنه وضعية أممية مختلة، ولم يكن القصد توجيه إهانة إلى الأمين العام للمنظمة الدولية فى وقت الواقعتين، ولا توجيه إهانة لأى من رؤساء الدول المتحلقين حول منصة المنظمة فى نيويورك.
ولكن الرئيس الأمريكى تجاوزهما بمراحل فى كلمته التى ألقاها مساء الثلاثاء فى اجتماعات هذه السنة، وكذلك فى كل مناسبة تقريباً جمعته من قبل مع كثيرين من الضيوف الرسميين عليه فى البيت الأبيض.
فهو يتحدث فى كلمته عن قادة دول الخليج الذين استثمروا فى بلاده، وهو بدلاً من أن يشكرهم فإنه يذهب إلى التعريض بهم، فيقول إنه يستطيع أن يسمى كل واحد منهم ممن هُم متواجدون حوله فى القاعة، وهو يذهب لأبعد من هذا فيضيف أنه يستطيع أن يذكر كَمْ استثمر هذا وكَمْ دفع ذاك!.
شىء خارج على كل ذوق، وكل لياقة، وكل أدب، ولا يمكن لرئيس أقوى دولة فى العالم أن يكون بهذا المستوى الهابط المتدنى!.. إنه يعرف أن أحداً إذا كان قد استثمر فى الولايات المتحدة فى عهده، فالسبب هو اتقاء شره لا أكثر، وعندما يرحل عن البيت الأبيض بعد ما يقرب من عامين من الآن، سيغادر مصحوباً بلعنات هؤلاء أنفسهم الذين استثمروا فى بلاده، ثم لم يوجه لهم كلمة شكر، وإنما راح يتناولهم بالتعريض مرة، وبالسخرية مرةً ثانية!.
يمكنك أن تصف سلوك واحد مثل ترمب بالكثير من الصفات منذ عاد للبيت الأبيض، ولكن الصفة الأكبر كانت أنه يأبى إلا أن يتجافى مع الذوق فى كل موقف!.
المصدر:
المصري اليوم