تستحثنى شهوة البحث، ويشاغبنى فضول التساؤل أن أبحث عن أرقام الجرائم فى مصر خلال السنوات الأخيرة.
أسأل عن عدد جرائم القتل، الشروع فيه، الاختطاف، الاغتصاب، السرقة بأنواعها، النصب والاحتيال، الاتجار فى المُخدرات، والدعارة، فلا أجد تقريرًا معلوماتيًا رسميًا واحدًا يُنبئ بإحصاء أو يشير إلى حقيقة تُعرفنا بشكل واضح ما وصلت إليه الجريمة ببلادنا من مستوى.
ليس لدينا سوى مؤشر أجنبى ينشره موقع Statista العالمى، وهو موقع ألمانى غير حكومى معنى بمؤشرات البلدان أُسس عام 2007، إذ يؤكد أن مصر من الدول ذات معدل الجريمة المتوسط، وأن مؤشرها خلال السنوات العشر الأخيرة يدور بين 40 و60 درجة، وبلغ فى العام الماضى 46.4 درجة، متحسنًا عن الأعوام السابقة. غير أنه لا يشير إلى أى شىء تفصيلى بخصوص عدد الجرائم أو مناطقها أو أنواعها أو المستحدث منها.
ولا شك أن سلوكيات الناس فى بلادنا تغيرت كثيرًا خلال السنوات الأخيرة، إذ شهدنا وتابعنا جرائم لم تكن تخطر على بال مصرى. وربما كان ذلك سببًا فى ذيوع واهتمام الناس بشكل أكبر بمسلسلات الجرائم المأخوذة عن الواقع، والبرامج البوليسية المبثوثة على صفحات التواصل الاجتماعى، وأبرزها ما يقدمه المجتهدان سامح سند ووليد السيسى.
ولما كُنت مُهتمًّا بالتاريخ الاجتماعى فى مصر الملكية، فقد اطلعت على تقارير مهمة حملت اسم تقرير البوليس المصرى السنوى، خلال الفترة من 1924 وحتى عام 1950، وكان كل تقرير يرفعه حكمدار بوليس القاهرة إلى السيد وزير الداخلية متضمنًا إحصاءات الجرائم وأنواعها وأماكنها وما استجد منها وأسبابها ومقترحات مواجهتها، فضلًا عن أى ظواهر اجتماعية يُمكن أن تؤثر على حالة الأمن مستقبلًا. وكان يتم تعميم التقرير على كافة الجهات التنفيذية، ثُم يُتاح للباحثين فى الجوانب الاجتماعية لوضع تصورات استباقية للتعامل مع ما يجد بفاعلية واحترافية. وقد منحت هذه التقارير الأمنية، غير الأمنيين، إضاءات ملهمة ومهمة لمعرفة مواطن الخلل الاجتماعى وبحث سبل سدها وعلاجها مبكرًا.
فمثلًا، يطرح تقرير البوليس الذى رفعه توماس راسل حكمدار بوليس مصر عام 1926 إلى وزير الداخلية، معلومات شديدة الأهمية عن ظواهر جديدة تستحث الحكومة بكافة أجهزتها جهات للتعامل معها. فنقرأ فيه تحذيرات من انتشار الهيرويين بشكل كبير، موضحًا أن سعر الكيلو الجملة 120 جنيهًا ويباع قطاعى بـ320 جنيهًا. ويطرح حكمدار البوليس ملاحظة مهمة هى أن راتب عسكرى الجمرك 48 جنيهًا فى العام، ما يجعله عرضة للرشوة من قبل المهربين، خاصة أن مكافأة ضبط أى مخدرات لا تزيد عن جنيه واحد، ومن ثم يوصى بزيادة راتب مسؤول الجمرك، وعمل دوائر رقابة تالية. ومنه نعرف أيضًا أن مكان تجمع مُهربى المخدرات المعتاد هو جبل المقطم، ومنه يتم توزيع ما تم جلبه إلى كافة أنحاء القاهرة. وفى التقرير ذاته نقرأ أن 42٪ من جرائم مصر تحدث فى القاهرة، وأن البغاء الرسمى يرتبط ارتباطًا وثيقًا بجرائم المخدرات، لذا فإن من رأى «راسل» إلغاءه للحد من جرائم المخدرات.
ومن تقرير البوليس لسنة 1928 نعرف اتساع جرائم الشرف بشكل لافت فى هذا العام، إذ تتكرر الإشارات للعثور على جثث إناث مقطوعة الرؤوس، يتضح بالبحث وراءها أن الأهل وراء القتل ثأرًا لشرفهم. واستقراء لذلك نفهم أن الأعوام السابقة شهدت هجرات واسعة لسكان الصعيد إلى العاصمة والإسكندرية، ما عرضهم لظروف اجتماعية جديدة.
وفى تقرير البوليس لسنة 1934 يُمكن رصد آثار الأزمة المالية العالمية على مصر عندما نلاحظ الارتفاع الكبير فى جرائم القتل المرتبطة بالسطو المسلح، واتساع جرائم النصب والاحتيال، وبدء ظهور عمليات تزوير العملة.
وهكذا تفتح لنا إحصاءات الجرائم قراءات واسعة للمجتمع وتطوراته وتحولاته وما يُمكن أن يتأثر به من مؤثرات خارجية وداخلية، وما يُيسر دراسته وتحليله، ومن ثم التجهز للأزمات المحتملة.
وليس لدىّ شك أن مثل هذه البيانات موجودة ومعروفة الآن لدى جهات بعينها، فوسائل الرصد تطورت ونظمه تحدثت، غير أن البعض ما زال يراها سرًّا يجب حجبه. وفى اعتقادى أنها ليست كذلك، وأن إتاحتها ونشرها بشفافية ودورية، ضرورة قومية لاستقراء ما يجرى بالمجتمع، والله أعلم.
المصدر:
المصري اليوم