رغم المكانة التاريخية التي يمثلها ضريح سليمان باشا الفرنساوي، أحد أبرز القادة المرتبطين بتأسيس وتنظيم الجيش المصري الحديث في عهد محمد علي باشا، لا يزال الموقع مغلقًا أمام الزيارة، وسط مظاهر إهمال وتلف طالت عددًا من عناصره، في انتظار أعمال ترميم طال الحديث عنها.
رصدت «المصري اليوم» خلال جولة ميدانية حالة ضريح سليمان باشا الفرنساوي بمنطقة مصر القديمة، حيث بدا الموقع مغلقًا أمام الزيارة، فيما كشفت الجولة عن مظاهر إهمال طالته لسنوات، بحسب شهادة حارس الموقع، الذي أكد أن أعمال نظافة جرت صباح أمس الاثنين بالتزامن مع زيارة عدد من مسؤولي الآثار لتفقد المكان والتصوير داخله، وسط حديث عن الاستعداد لتنفيذ أعمال ترميم.
على مقربة من كورنيش النيل في منطقة مصر القديمة، يقف ضريح سليمان باشا الفرنساوي شاهدًا على مرحلة شديدة الأهمية من تاريخ مصر الحديث، بينما تبدو على الموقع آثار سنوات من الإهمال، من بينها عناصر مكسورة وأجزاء تحتاج إلى عناية وترميم، في وقت لا يزال الضريح مغلقًا أمام الزائرين.
وخلال الجولة، تحدثت «المصري اليوم» مع حارس الموقع، الذي عرّف نفسه باسم «فرج الله فرج كامل»، وقال إن الضريح «مقفول للزيارة عشان الترميم لسه»، مشيرًا إلى أن هناك توجهًا لتنفيذ أعمال ترميم بالموقع.
وأضاف الحارس أن عددًا من مسؤولي الآثار تفقدوا الموقع صباح اليوم، موضحًا: «النهارده كان هنا رئيس القطاع، وكان هنا مدير الآثار الدكتور مصطفى»، مشيرًا إلى أن الجولة شملت تفقد المكان وتصويره، إلى جانب وجود عمال تابعين لشركة النظافة لتنفيذ أعمال تنظيف بالموقع.
وحول ما إذا كانت هناك أعمال سابقة بالموقع، قال الحارس إن المكان شهد في وقت سابق بعض الأعمال، لكنها لم تستكمل، مضيفًا: «قعد فترة كده قالوا زمان هيرمموا وبعدين عملوا حاجات بسيطة وسابوه»، مرجعًا تأخر أعمال الترميم، بحسب روايته، إلى تعدد المواقع الأثرية التي تحتاج إلى تدخلات وارتباط ذلك بالإمكانات والميزانيات المتاحة.
وعندما سُئل عن سبب زيارة مسؤولي الآثار للموقع صباح اليوم تحديدًا، أوضح أنه لا يعرف السبب بشكل قاطع، لكنه أكد أن المسؤولين «جم يتفقدوا المكان وقالوا عايزين برضه عشان هيبقوا يرمموا»، موضحًا أنهم تحركوا داخل الموقع وصوروا أجزاء منه قبل مغادرته.
وبحسب الحارس، فإن الضريح كان يستقبل زائرين في فترات سابقة، إلا أن إغلاقه أدى إلى توقف الزيارات، مشيرًا إلى أن الأمر مستمر منذ نحو عام تقريبًا، وأن بعض الأشخاص كانوا يأتون إلى المكان وينظرون إليه من الخارج دون الدخول.
وتكشف الجولة عن مفارقة واضحة؛ فالموقع الذي يحتضن رفات شخصية ارتبط اسمها بتأسيس وتنظيم الجيش المصري الحديث، يبدو بعيدًا عن حركة الزيارة السياحية والثقافية، رغم القيمة التاريخية والمعمارية التي يمثلها.
ولا تقتصر مظاهر التدهور على إغلاق الموقع، إذ أشار الحارس إلى تعرض بعض العناصر للتلف على مدار سنوات، وقال إن «المنطقة هنا يعني شقاوة العيال والناس»، لافتًا إلى أن بعض الأشياء الحديدية تعرضت للتلف خلال فترات سابقة، بحسب روايته.
ويعود الضريح إلى سليمان باشا الفرنساوي، واسمه الأصلي «أوكتاف جوزيف أنطلم سيف»، المولود في مدينة ليون الفرنسية عام 1788، والذي جاء إلى مصر في إطار مشروع محمد علي باشا لبناء جيش حديث قائم على الأساليب الأوروبية في التدريب والتنظيم. وتذكر المصادر أن محمد علي أسند إليه مهمة تدريب نواة من القوات المصرية في أسوان، قبل أن يصبح من أبرز القادة العسكريين في مصر خلال القرن التاسع عشر.
واعتنق سيف الإسلام واتخذ اسم «سليمان»، ثم تدرج في المناصب العسكرية حتى تولى رئاسة الجهادية، التي تعادل في بنيتها الحديثة منصب وزير الحربية، وارتبط اسمه بحملات إبراهيم باشا في المورة والشام والأناضول.
وتوفي سليمان باشا في عام 1860، ودُفن في منطقة مصر القديمة، بينما دفنت زوجته «مارية مريم هانم» في ضريح مجاور، وهو ما تؤكده مصادر تاريخية متعددة.
وتحمل القبة والضريح قيمة معمارية إلى جانب قيمتهما التاريخية، إذ تجمع عناصر الموقع بين الطابع الجنائزي المصري ومشغولات معدنية ذات تأثيرات أوروبية، وهي عناصر تجعل الموقع شاهدًا على طبيعة العمارة والفنون في مصر خلال القرن التاسع عشر.
وكان اسم سليمان باشا حاضرًا بقوة في ذاكرة القاهرة الحديثة؛ فقد حمل أحد أشهر ميادين وشوارع وسط القاهرة اسمه لسنوات، قبل أن يتحول الميدان والشارع إلى «طلعت حرب» عقب ثورة يوليو، فيما نُقل تمثاله إلى المتحف الحربي بقلعة صلاح الدين.
ولا يتوقف حضور سليمان باشا في العمارة والتاريخ المصري عند الضريح؛ فهناك بوابة قصره المسجلة أثريًا، والتي تمثل أحد الشواهد الباقية على قصره الذي لم يعد قائمًا، بينما ظل اسمه مرتبطًا بمجموعة من الآثار والشواهد المعمارية التي توزعت في القاهرة.
ومن جانبه، قال تامر المنشاوي، الباحث الأثري وموثق التراث الجنائزي، إن ضريح سليمان باشا الفرنساوي يمثل شاهدًا مهمًا على مرحلة محورية من تاريخ مصر الحديث، لارتباط صاحبه بتاريخ تأسيس وتنظيم الجيش المصري الحديث في عهد محمد علي باشا.
وأضاف المنشاوي، في تصريح خاص لـ«المصري اليوم»، أن الضريح «لا يمثل مجرد مدفن لشخصية تاريخية»، وإنما يحمل قيمة تاريخية وفنية ومعمارية تستوجب الحفاظ عليها وترميمها وفق الأساليب العلمية المتخصصة.
وأوضح أن سليمان باشا ارتبط بمشروع محمد علي لبناء جيش مصري حديث، وكان له دور بارز في تدريب وتنظيم القوات المصرية ووضع أسس حديثة للتعليم والتدريب العسكري، وهو ما جعل اسمه مرتبطًا بتاريخ الجيش المصري خلال القرن التاسع عشر.
وأشار إلى أن أعمال الترميم المطلوبة لا ينبغي أن تقتصر على الشكل الخارجي للموقع، وإنما يجب أن تبدأ بدراسة علمية دقيقة لحالة الأثر، تشمل التوثيق المعماري والتصوير الفوتوغرافي ودراسة مواد البناء والعناصر الرخامية والحديدية، على أن تنفذ أعمال التدخل بواسطة متخصصين في ترميم الآثار، بما يحافظ على أصالة الموقع.
ولفت المنشاوي إلى أن أهمية سليمان باشا في الذاكرة المصرية لا تتوقف عند الضريح، موضحًا أن تمثاله الذي كان قائمًا في ميدان سليمان باشا بوسط القاهرة يمثل شاهدًا آخر على مكانة الشخصية، قبل نقله إلى المتحف الحربي.
كما أشار إلى بوابة قصر سليمان باشا، المعروفة باسم «بوابة سليمان عبده»، والمسجلة أثريًا برقم 709، والتي يرجع تاريخها إلى عام 1858، وتوجد حاليًا في فناء مدرسة ليسيه الحرية بالمعادي، معتبرًا أنها شاهد معماري مهم على القصر الذي اندثر مع مرور الزمن.
وقال إن تتبع الآثار المرتبطة بسليمان باشا يكشف عن حضور الشخصية في أكثر من موقع بالقاهرة؛ فالضريح يمثل مكان دفنه، والتمثال يمثل تخليدًا لشخصيته العسكرية، بينما تمثل بوابة القصر شاهدًا على حياته المدنية والمعمارية، في حين ظل اسمه لسنوات مرتبطًا بأحد أشهر شوارع وميادين القاهرة.
وطالب الباحث الأثري الجهات المعنية بسرعة العمل على ترميم التركيبة الضريحية والقبة والعناصر المعمارية المرتبطة بالموقع، وإعداد مشروع متكامل للحفاظ عليه وإبراز قيمته التاريخية والفنية.
واقترح المنشاوي دراسة إمكانية تطوير الضريح وفتحه أمام الزيارة بعد الانتهاء من أعمال الترميم والتأهيل، بما يسمح بتحويله إلى مزار ثقافي ضمن مسار المواقع المرتبطة بتاريخ الجيش المصري وعصر محمد علي باشا.
وأكد أن الربط بين ضريح سليمان باشا وتمثاله الموجود بالمتحف الحربي وبوابة قصره الباقية في المعادي يمكن أن يقدم للزائر صورة متكاملة عن الشخصية وتاريخها وآثارها الباقية في القاهرة.
وتأتي هذه الدعوات في أعقاب حالة الجدل التي أثارتها الكتابات الصحفية حول وضع الضريح؛ إذ كان الكاتب محمد سلماوي قد نشر مقالًا تناول فيه الحالة المتردية للموقع، بعدما أشار إلى ما وصفه بحالة إهمال أصابت الضريح، وهي المادة التي أعادت تسليط الضوء على الموقع وأهميته التاريخية والمعمارية.
وبينما غادر مسؤولو الآثار الموقع بعد جولتهم صباح اليوم، بقي الضريح مغلقًا أمام الزيارة، في انتظار ما ستسفر عنه المعاينات والإجراءات المرتبطة بالترميم. أما الحارس فرج، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في العمل بقطاع الآثار، فيلخص المشهد ببساطة حين يقول عن الضريح وما ينتظره: «يا رب بس تكون بفايدة إن شاء الله ويشتغلوا عليه فعلاً».
المصدر:
المصري اليوم