آخر الأخبار

حين يتحول الهامش إلى مركز

شارك

لم يعد صعود اليمين المتطرف فى ألمانيا مجرد ظاهرة احتجاجية يمكن تفسيرها بغضب عابر من الهجرة أو التضخم. ما حدث فى «سكسونيا- أنهالت»؛ حيث حصل حزب «البديل من أجل ألمانيا» على نحو 44٪ من الأصوات وكاد يحقق أغلبية مطلقة، يمثل انتقالاً نوعياً، الحزب الذى بدأ قبل ثلاثة عشر عاماً احتجاجاً على اليورو أصبح قوة قادرة على الاقتراب من حكم ولاية ألمانية بشكل منفرد. والأهم أنه فى منطقة أخرى تصدر «البديل» النتائج بنسبة 38.3٪، بينما سجل فى برلين 16.3٪. وفى المقابل حقق اليسار مكاسب كبيرة فى العاصمة. المشهد الألمانى لا يتحرك من الوسط إلى اليمين؛ بل يتجه نحو تآكل الوسط وصعود الأطراف.

جزء من التفسير يوجد فى شرق ألمانيا. بعد أكثر من ثلاثة عقود على الوحدة، تقلصت فجوات الدخل والعمل، لكن فجوة الثروة لا تزال هائلة، متوسط صافى أصول الأسر فى الشرق، بما فيه برلين، بلغ فى 2023 نحو نصف مستواه فى الغرب. الوحدة القانونية تحققت عام 1990، لكن الاندماج الاقتصادى والاجتماعى والنفسى كان أكثر تعقيداً. غير أن اختزال التصويت لـ«البديل» فى النازية الجديدة سيكون خطأ تحليليًا. الحزب يضم تيارات وشخصيات صنفتها أجهزة حماية الدستور باعتبارها يمينية متطرفة، لكن قاعدته الانتخابية الأوسع تضم أيضاً ناخبين غاضبين من الهجرة، وتكاليف المعيشة والطاقة، والبيروقراطية، وسياسات أوكرانيا، ومن أداء الأحزاب التقليدية نفسها. وهنا تكمن المعضلة الألمانية، ومنها المعضلة الأوروبية. حتى الآن، هناك «جدار نارى» ترفض بموجبه الأحزاب الرئيسية التحالف مع «البديل». لكن كلما اقترب الحزب من الأربعين فى المائة، ازداد الضغط على هذا الجدار. استبعاده قد يفرض ائتلافات متعددة الأحزاب، تجمع قوى متباعدة فقط لمنعه من الحكم. ومع الوقت يمكن أن تتحول هذه الصيغة نفسها إلى حجة يستخدمها الحزب، نحن نفوز، والآخرون يتحدون لمنعنا. بالفعل، أصبحت صعوبة تشكيل الحكومات إحدى النتائج المباشرة لتفتت الخريطة الحزبية. المسألة بالنسبة لأوروبا أكبر من حزب ألمانى. ألمانيا هى الثقل الاقتصادى والسياسى الرئيسى داخل الاتحاد. وإذا استمر انتقال المزاج الألمانى نحو اليمين، فسيمتد أثره إلى الهجرة، وأوكرانيا، والعلاقة مع روسيا، وسياسات المناخ والطاقة، ومستقبل التكامل الأوروبى. حزب البديل يدعو إلى تشديد حاد للهجرة، وإنهاء الدعم لأوكرانيا، وإعادة العلاقات الاقتصادية مع موسكو، وله تاريخ من التشكيك فى اليورو ومؤسسات الاتحاد.

الخطر بالنسبة إلى أوروبا ليس بالضرورة أن يحكم «البديل» ألمانيا غداً. الأعمق أن أفكاره قد تبدأ فى تحريك سياسات الآخرين اليوم، فالأحزاب التقليدية عندما تفقد الناخبين لا تنتظر دائماً وصول منافسها إلى السلطة، بل تبدأ فى استعارة بعض لغته وأولوياته.

لهذا، فإن التحدى ليس مجرد وصول اليمين المتشدد إلى قلب السياسة الألمانية، بل قدرة النظام السياسى على احتواء أسباب صعوده من دون أن يتحول هو نفسه فى اتجاهه.

وهذه ليست معركة ألمانيا وحدها، بل إحدى المعارك التى ستحدد شكل أوروبا المقبلة.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا