منذ أن وُلد، كان الناس يطيلون النظر إليه أكثر مما ينبغى، كان فى وجهه شىءٌ أربك الذين لا يعرفون كيف ينظرون إلى المختلف، عينٌ أضيق من الأخرى، وفمٌ مائل قليلًا، وكتفٌ شديد الانخفاض، مما جعل مشيته وحركته تبدو كأنها نوع من اعتذار مكرر ودائم عن وجوده، أمه وحدها كانت تقول له: «أنت جميل جدًا يا يونس، ولا شبيه لك»، ثم تمسح على شعره بحنان، كأنها تحاول أن تقنع العالم كله بما تشعر به، لكن أمه ماتت قبل أن يكبر.
كبر يونس فى البيت الصغير المطل على زقاق ضيق، وحيدًا إلا من نافذة فى الطابق المقابل كانت تطل منها سلمى، كانت الوحيدة التى لم تتظاهر بأنها لا تراه، فى طفولته كانت تترك له قطعة حلوى على سور البيت، وفى شبابه صارت تجلس معه أحيانًا أمام الباب، تحكى له عن الكتب التى تقرأها، وعن البحر الذى لم تره إلا فى الصور، لم تسأله لماذا لا يتزوج، ولماذا لا يخرج، كانت تجلس، وهذا بالنسبة ليونس، كان حبًا كاملًا، وحين عرف ذات مساء بزواجها، شعر بأن الزقاق قد انطفأ، رآها تضحك وهى تتحدث مع خطيبها عند الباب، ظل يراقبهما من خلف الستارة، ثم أغلق النافذة، فى الليل، أخفى سكينًا صغيرًا تحت معطفه، انتظرها حتى عادت، وحين مرت أمام بيته، خرج، توقفت سلمى حين رأته، لم يرفع السكين، قال بصوت مكسور: «كنت أتمنى أن أقتلك قبل أن أراكِ سعيدة مع رجل آخر»، وبكى، اقتربت منه، وقالت له بهدوء: «كنت أعرف أنك ستفعل شيئًا كهذا»، رفع عينيه إليها، فأخرجت من جيبها ورقة صغيرة، ومدتها إليه، كانت صورة قديمة لهما، التقطتها أمهما يوم كان طفلًا، خلف الصورة كتبت: «يونس، لا تتزوجنى، فقط لا تغيب»، حدق فى الكلمات وسألها: «لماذا؟»، ابتسمت وهى تمسح دموعه: «لأننى لم أحبك بطريقتك، لكننى أحببت وجودك فى حياتى، وخطيبى يعرف ذلك»، فى الصباح، وجد أهل الزقاق السكين عند عتبة بيت يونس، وهو لم يكن هناك، كان قد ترك المدينة، وبعد سنوات، وصل إلى سلمى ظرف بلا عنوان، فى داخله صورة بحر، وعلى ظهرها كتب: «رأيته أخيراً، ولم أقتل أحدًا»، وفى ورقة أخرى، كتب فيها جملة واحدة:
(أنا لم أحبك لأنك كنتِ جميلة.. أحببتك لأنك الوحيدة التى عرفت أننى أستطيع أن أكون قبيحًا دون أن أكون وحشًا).
المصدر:
المصري اليوم