قال الدكتور هانى سويلم، وزير الموارد المائية والرى، إن حصة مصر البالغة 55.5 مليار متر مكعب تمثل نحو 2.7% فقط إذا قورنت بحجم يقارب 2000 مليار متر مكعب من الأمطار الساقطة على حوض النيل، وذلك ردا على الإدعاءات الاثيوبية أن مصر تحصل على (نصيب الأسد) من مياه الحوض متسائلًا: (فأين نصيب الأسد الذى يقال إن مصر تحصل عليه؟!".
وأضاف «سويلم» خلال المؤتمر الصحفى الذى نظمته الهيئة العامة للاستعلامات مع ممثلى وسائل الإعلام الإقليمية والدولية والمراسلين الأجانب المعتمدين فى القاهرة، بحضور السفير علاء يوسف، وبمشاركة أكثر من 80 مراسلًا يمثلون نحو 45 وسيلة إعلامية أجنبية، أن النظر إلى الصورة الكاملة للموارد والاستخدامات يكشف أن تصوير مصر باعتبارها الدولة التى تستحوذ على الجزء الأكبر من موارد الحوض لا يتفق مع الحقائق المائية على الأرض؛ فمصر دولة شديدة الجفاف تكاد تعتمد بالكامل على النيل، بينما تمتلك إثيوبيا قاعدة واسعة ومتنوعة من الأمطار والمياه السطحية والجوفية والمياه الخضراء.
واستعرض الدكتور سويلم فى هذا السياق عددًا من البيانات، موضحًا أن إثيوبيا تلقت فى عام 2023 ما يزيد على 1000 مليار متر مكعب من الأمطار، منها نحو 467 مليار متر مكعب على الجزء الإثيوبى الواقع داخل حوض النيل، بينما تقدر مواردها المائية المتجددة بنحو 122 مليار متر مكعب سنويًا.
وأشار إلى أن التقديرات طبقا لاحدث الدراسات الاثيوبية تشير إلى أن كمية إعادة شحن المياه الجوفية فى إثيوبيا تتراوح بين 51 و81 مليار متر مكعب سنويًا، وهى كميات تتجدد بصورة مرتبطة بالأمطار، فى اختلاف جوهرى عن وضع المياه الجوفية العميقة التى تعتمد عليها مصر والتى تمثل موردًا غير متجدد.
وأضاف أن إثيوبيا تمتلك أكثر من 18 مليون هكتار من الأراضى الزراعية، مقابل نحو 4.03 مليون هكتار فى مصر، وأن مساحات واسعة من الأراضى الإثيوبية تعتمد بصورة مباشرة على الزراعة المطرية، إلى جانب مساحات تروى بالسحب المباشر من الموارد المائية وان التقديرات تشير إلى استخدام نحو 148 مليار متر مكعب سنويًا من المياه الخضراء فى الزراعة المطرية الإثيوبية، إلى جانب نحو 9.68 مليار متر مكعب من المياه الزرقاء المستخدمة مباشرة فى الزراعة؛ أى أن الاستخدام الزراعى المقدر لهذين الموردين وحدهما يقترب من 158 مليار متر مكعب سنويًا، مضيفا أن البصمة المائية المرتبطة بقطاع الثروة الحيوانية فى إثيوبيا تقدر بنحو 85.5 مليار متر مكعب سنويًا، معظمها من المياه الخضراء المرتبطة بالأمطار والمراعى وإنتاج الأعلاف؛ وهى كمية تقارب فى حجمها متوسط ما يستمر فى مجرى النيل حتى أسوان سنويًا.
وأكد الدكتور سويلم أن هذه الأرقام تدحض الادعاء بأن إثيوبيا لا تستفيد من مواردها المائية أو أن التنمية الإثيوبية مرهونة بالتحكم فى المياه الزرقاء للنيل، معتبرًا أن تجاهل المياه الخضراء والأمطار والمياه الجوفية والاستخدامات الزراعية والثروة الحيوانية يقدم صورة مضللة للرأى العام الدولى عن حقيقة الوضع المائى فى البلدين.
وأضاف أن الحديث المصرى عن المياه الخضراء يهدف إلى تطبيق العلم نفسه، والنظر إلى إجمالى الموارد المتاحة والبدائل الممكنة، بحيث تصبح المياه الخضراء وحصاد الأمطار والمياه الجوفية ورفع كفاءة الزراعة مجالات للتعاون وزيادة المنافع، بدلًا من اختزال التنمية فى التنافس على الجزء المحدود من المياه الزرقاء الذى يجرى فى النهر.
وفيما يتعلق بالطاقة، استعرض الوزير ما تملكه إثيوبيا من إمكانات كبيرة وغير مستغلة فى الطاقة الشمسية والرياح، مشيرًا إلى ما تعرضه الدراسات المستخدمة فى العرض من قدرات فنية تتجاوز 50 جيجاوات للطاقة الشمسية، وتتراوح بين نحو 30 و50 جيجاوات لطاقة الرياح، فى مقابل مستويات تشغيلية محدودة نسبيًا فى هذين المجالين.
وأكد أهمية تنويع مزيج الطاقة والتوسع فى الشمس والرياح والربط الكهربائى وتجارة الطاقة الإقليمية؛ حيث يمكن لمشروعات الشمس والرياح أن تتوسع تدريجيًا دون الحاجة إلى إنشاء خزانات مائية ضخمة أو التحكم فى توقيت تدفقات الأنهار الدولية، بما يفتح مجالًا لتحويل الطاقة إلى عنصر للتكامل الإقليمى بدلًا من زيادة الضغوط على الموارد المائية المشتركة.
وبالانتقال إلى السد الإثيوبى، أكد الدكتور سويلم أن مصر دولة سلام، لكنها فى الوقت ذاته دولة قوية، وتعرف متى وكيف يكون رد الفعل المناسب لحماية مصالحها، مشددًا على أن ما حدث فى عام 2011 لن يُسمح بتكراره.
وأكد أن مصر تحتفظ بكافة الإجراءات والتدابير التى يكفلها لها القانون الدولى لحماية أمنها المائى وحقوق ومصالح شعبها، وأن كافة الخيارات المشروعة تظل مفتوحة أمام الدولة المصرية.
وأضاف أن طول النفس المصرى وضبط النفس طوال السنوات الماضية كان حرصًا على الوصول إلى حل تفاوضى يحفظ حقوق جميع الأطراف، وليس قبولًا بالأمر الواقع أو تنازلًا عن الحقوق، مؤكدًا أن من الوهم أن يفسر أى طرف الصبر المصرى باعتباره سماحًا له بالتحكم المنفرد فى مياه النيل.
وحول وصف سد النهضة بأنه (غير شرعي)، أوضح الدكتور سويلم أن هذا توصيف سياسى مقصود يستند إلى موقف قانونى واضح من النهج الذى أُنشئ ومُلئ وشُغّل به السد بصورة أحادية، مؤكدًا أن اكتمال البناء أو مرور الزمن لا يعنى قبول مصر بالواقع الذى تم فرضه، ولا يسقط موقفها أو حقوقها ويعطى مصر الحق فى التعامل بالطريقة التى تراها فى مصلحتها وفقا للخيار المناسب لها.
وأضاف أن توقيع مصر على إعلان المبادئ عام 2015 لم يكن تفويضًا لإثيوبيا بالتصرف منفردة، وإنما أنشأ التزامات محددة تتعلق بالتعاون وعدم التسبب فى ضرر ذى شأن والاتفاق على قواعد الملء الأول والتشغيل السنوى وإنشاء آلية للتنسيق وتبادل البيانات والمعلومات، وأن مصر تعتبر أن المضى فى الملء والتشغيل دون الاتفاق على هذه القواعد يمثل إخلالًا بالالتزامات التى قبلتها إثيوبيا بنفسها عند توقيع إعلان المبادئ.
وأكد الوزير أن كون سد النهضة مشروعًا لتوليد الكهرباء لا يجعل طريقة تشغيله بلا آثار؛ فالقضية لا تتعلق فقط بكمية المياه المستهلكة، وإنما بتوقيت التخزين والإطلاق وكميات التصرفات وقواعد التشغيل، وان التشغيل الأحادى وغير المنسق أظهر قدرة السد على إحداث زيادات مفاجئة فى التصرفات، فيما وصفته مصر بـ(الفيضان الصناعي)، أو خفض التصرفات بما قد يؤدى إلى (جفاف صناعي)، بما يربك تشغيل السدود والمنشآت المائية فى دول المصب.
وأضاف أن السؤال الحقيقى ليس فقط: هل ستصل المياه إلى دول المصب؟ وإنما متى ستصل، وبأى كميات، ووفق أى قواعد؟ ولذلك فإن قواعد التشغيل والتنسيق وتبادل البيانات وقواعد الجفاف وإعادة الملء ليست ترفًا تفاوضيًا، بل ضرورة لإدارة نهر دولى مشترك بصورة آمنة.
وتناول الدكتور سويلم التصريحات الإثيوبية الأخيرة التى تضمنت حديثًا أكثر صراحة عن التحكم فى المياه، معتبرًا أن هذه اللغة تفضح التناقض فى الخطاب الذى قدم السد طوال سنوات باعتباره مجرد مشروع للكهرباء والتنمية، وتؤكد من وجهة النظر المصرية جوهر المخاوف التى دفعت القاهرة منذ البداية إلى التمسك باتفاق قانونى ملزم.
وأكد الوزير أن السيادة على الإقليم لا تعنى السيادة المطلقة على نهر دولى مشترك، وأن إقامة منشأة داخل حدود دولة لا تحول المجرى المائى الدولى إلى مورد وطنى خالص، ولا تمنح دولة المنبع حق التصرف المنفرد فى مورد تعتمد عليه شعوب ودول أخرى.
وأضاف أن مياه النهر الدولى ليست منحة ولا تفضلًا من دولة المنبع، ولا يمكن إدارتها بمنطق (أعطى أو أمنع)، وإنما تحكمها حقوق والتزامات متبادلة وقواعد القانون الدولى.
وشدد على أنه إذا أصبح المنطق المطروح هو أن لكل دولة أن تتصرف منفردة فى النهر وفق ما تراه محققًا لمصالحها، فعلى الجميع أن يدرك أن مصر أيضًا لها حقوق ومصالح، وستعمل على حمايتها بالطريقة المناسبة وبجميع الوسائل والإجراءات التى يكفلها القانون الدولى.
وفى ختام الجلسة، أكد الدكتور سويلم أن الموقف المصرى يقوم على معادلة واضحة لا تناقض فيها: تعاون كامل ودعم حقيقى لتنمية دول حوض النيل عندما تلتزم المشروعات بقواعد القانون الدولى، وحزم كامل فى حماية الأمن المائى المصرى ورفض فرض الأمر الواقع أو تكرار النهج الأحادى.
وأكد أن أمام الجميع نموذجين واضحين: نموذج تعاونى فى حوض النيل الجنوبى تقوم فيه الدول بإعداد المشروعات ودراستها وإخطار الأطراف والتشاور بشأنها ثم الانتقال إلى التمويل والتنفيذ، ومصر تدعم هذا النموذج وتشارك فى حشد التمويل له؛ وفى المقابل، هناك المثال السيئ الذى شهده النيل الشرقى مع سد النهضة نتيجة البناء والملء والتشغيل الأحادى.واختتم الدكتور سويلم بالتأكيد على أن أمن مصر المائى قضية وجودية، وأن المواطن المصرى يجب أن يكون مطمئنًا إلى أن الدولة تتابع الموقف على مدار الساعة، وتدير مواردها بمنظومة علمية وفنية متطورة، ولن تسمح بأن يتحمل المواطن تبعات قرارات أحادية تُتخذ خارج حدود الدولة، كما لن تسمح بتكرار فرض أمر واقع جديد على النيل الشرقى، مع احتفاظ مصر بكامل حقوقها وجميع التدابير التى يكفلها القانون الدولى.
المصدر:
المصري اليوم