عقدت الأمانة العامة لاتحاد المحامين العرب ، اليوم الأحد، ندوة موسعة بعنوان «حماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر.. أمن قومي عربي»، بمقر اتحاد المحامين العرب، بمشاركة عدد من القانونيين والخبراء والباحثين، لمناقشة التهديدات التي تواجه أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وانعكاساتها على الأمن القومي العربي وحركة التجارة الدولية.
وشهدت الندوة كلمات ومداخلات تناولت الأبعاد القانونية والأمنية والإنسانية للأزمة اليمنية، وتأثير التطورات في البحر الأحمر على قناة السويس، إلى جانب ملف تجنيد الأطفال في اليمن وتداعيات استمرار الصراع على شعوب المنطقة.
وفي مستهل الندوة، ألقى النقيب المكاوي بنعيسى، الأمين العام لاتحاد المحامين العرب، كلمته عبر تقنية «زووم»، أكد خلالها أن البحر الأحمر يمثل شرياناً استراتيجياً للتجارة العالمية، وأن حماية الملاحة الدولية فيه ترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي للدول العربية واستقرار المنطقة.
وشدد بنعيسي على أهمية احترام قواعد القانون الدولي المنظمة للملاحة البحرية، خاصة فيما يتعلق بالممرات والمضايق الدولية، مؤكداً أن حرية الملاحة لا ينبغي أن تكون رهينة للصراعات أو التوترات السياسية والعسكرية.
وأشار إلى أن ما يجري في البحر الأحمر يتجاوز تأثيره حدود المنطقة، نظراً لما يمثله الممر البحري من أهمية لحركة التجارة العالمية، وما يرتبط به من ممرات استراتيجية في مقدمتها باب المندب وقناة السويس.
وأدار أعمال الندوة عبد الجواد أحمد، الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب ورئيس المجلس العربي لدعم المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان، مؤكداً أن التطورات المتسارعة في البحر الأحمر تفرض ضرورة التعامل مع أمن الملاحة باعتباره قضية تتصل مباشرة بالسيادة والأمن القومي للدول العربية.
وأكد عبد الجواد، أن الحديث عن أمن البحر الأحمر وباب المندب لا يمكن أن ينفصل عن أمن قناة السويس، واصفاً البحر الأحمر وقناة السويس بأنهما «جناحان لشريان ملاحي عالمي واحد».
وأشار إلى أن أي اضطراب في حركة الملاحة بالبحر الأحمر ينعكس على حركة التجارة الدولية وعلى الاقتصاد المصري، مؤكداً ضرورة تعزيز التعاون العربي والدولي لحماية الممرات البحرية الدولية وضمان استمرار حركة السفن بصورة آمنة.
وتناول عمر عبد العزيز المرشد، مستشار وزير الإعلام اليمني، خلال الندوة ملف تجنيد الأطفال في اليمن، من خلال ورقة بحثية بعنوان «أطفال اليمن بين التجنيد الحوثي ومعارك الموت.. جريمة تستهدف الطفولة ومستقبل اليمن».
وأوضح المرشد، أن خطورة تجنيد الأطفال لا تقتصر على الدفع بهم إلى ساحات القتال، وإنما تمتد إلى التأثير في وعيهم وتشكيل أفكارهم، بما يهدد مستقبل المجتمع اليمني ويترك تداعيات تمتد لسنوات طويلة.
وأشار إلى أن عمليات الاستقطاب تعتمد على مجموعة من الوسائل، من بينها استغلال الظروف الاقتصادية والاجتماعية، والأنشطة التعليمية والدينية، بما في ذلك ما يُعرف بالدورات الصيفية، فضلاً عن استغلال حاجة الأسر والظروف المعيشية الصعبة.
واستعرض المرشد أرقاماً وتقارير دولية حول تجنيد الأطفال في اليمن، مشيراً إلى أن الحكومة اليمنية أبلغت، وفق تقرير لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة، عن 3,298 حالة تجنيد أطفال من جانب الحوثيين خلال النصف الأول من عام 2024.
وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة لا تتطلب إجراءات أمنية فقط، وإنما تستلزم برامج متخصصة لإعادة تأهيل الأطفال المتضررين نفسياً واجتماعياً وتعليمياً، إلى جانب تحرك دولي لمنع استمرار تجنيد الأطفال واستخدامهم في الصراعات المسلحة.
وفي كلمته ، وجه محمد المسوري، رئيس فريق اليمن الدولي للسلام، رسالة إلى الشعب المصري، محذراً من خطورة انتقال تداعيات الصراعات التي تشهدها المنطقة إلى دول أخرى.
وقال المسوري «أقول لأشقائي الأعزاء في مصر، الشعب المصري العظيم، أنتم في نعمة، أنتم في نعمة، حافظوا عليها»، مستشهداً بما تشهده اليمن والسودان وليبيا ولبنان وسوريا والعراق من أزمات وصراعات أدت إلى نزوح وتشريد أعداد كبيرة من السكان.
وأضاف أن ملايين اللاجئين والنازحين أصبحوا يتطلعون إلى مصر باعتبارها دولة محورية في المنطقة، مؤكداً أن لمصر دوراً كبيراً في التعامل مع أزمات المنطقة والحفاظ على الاستقرار.
ودعا المسوري إلى تعزيز التوعية المجتمعية، مؤكداً أن مواجهة مخاطر الصراعات لا تقتصر على الإجراءات السياسية والأمنية، وإنما تشمل رفع وعي المواطنين بما يجري حولهم، ومشاركة المحامين والإعلاميين والشخصيات العامة في هذا الدور.
وحذر رئيس فريق اليمن الدولي للسلام من تداعيات استمرار سيطرة جماعة الحوثي على مناطق ساحلية في اليمن، مشيراً إلى أن أهمية الساحل الغربي لا تتعلق باليمن وحدها، وإنما تمتد إلى أمن البحر الأحمر وباب المندب وحركة الملاحة الدولية.
وقال إن السيطرة على مناطق مطلة على البحر الأحمر تمثل، من وجهة نظره، خطراً على أمن الملاحة، خاصة في ظل ارتباط البحر الأحمر بقناة السويس وحركة التجارة العالمية.
وأشار المسوري إلى حجم التداعيات الإنسانية للصراع في اليمن، متحدثاً عن ملايين النازحين الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بسبب القتال، لافتاً إلى أن محافظة مأرب استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين خلال سنوات الحرب.
كما تطرق إلى التأثيرات الاقتصادية التي لحقت بقناة السويس نتيجة اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، مشيراً إلى تقديرات بشأن خسائر مصرية كبيرة بسبب تراجع حركة السفن، ومؤكداً أن حماية البحر الأحمر تمثل مصلحة مشتركة للدول العربية والمجتمع الدولي.
كما ناقشت الندوة الإطار القانوني المنظم للملاحة الدولية، وفي مقدمته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، إلى جانب الاتفاقيات الدولية المتعلقة بسلامة الملاحة وحماية البيئة البحرية.
وأكد المشاركون أهمية الالتزام بقواعد القانون الدولي وضمان حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية، مع الحفاظ على حقوق الدول الساحلية وسيادتها، وتعزيز التعاون بين الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.
كما بحثت الندوة سبل دعم برامج حماية وتأهيل الأطفال المتضررين من النزاع في اليمن، ومواجهة ظاهرة تجنيد الأطفال، إلى جانب تعزيز الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى خفض التصعيد وحماية أمن الملاحة.
وفي ختام أعمال الندوة، دعا عبد الجواد أحمد، الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب ورئيس المجلس العربي لدعم المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان، إلى تعزيز واستثمار المبادرات الإقليمية، وفي مقدمتها الموقف المصري الذي حدد خمسة محاور وثوابت أساسية بشأن أمن البحر الأحمر واستقرار المنطقة، مؤكداً ضرورة الالتزام بهذه الثوابت ودعم الجهود المصرية في هذا الملف.
وأوضح أن الموقف المصري يرتكز على مجموعة من المبادئ، أبرزها:
1- ضمان حرية الملاحة الدولية: التأكيد على الحفاظ على استقرار وحرية الملاحة الدولية في البحر الأحمر وممراته الحيوية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب وقناة السويس، باعتبارها ممراً مائياً استراتيجياً يمس الأمن القومي المصري والاقتصاد العالمي.
2- رفض تدويل أو عسكرة البحر الأحمر: التأكيد على رفض أي محاولات لدفع منطقة البحر الأحمر نحو التدويل أو العسكرة، بما يهدد استقرارها ويحولها إلى ساحة للصراعات والتجاذبات.
3- مسؤولية الدول المشاطئة: التشديد على أن أمن البحر الأحمر واستقراره يمثل مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، مع التأكيد على دورها الأصيل في حماية أمن المنطقة ورفض التدخلات الخارجية التي من شأنها زعزعة استقرارها.
4- رفض التنسيق المباشر مع الحوثيين: الالتزام بالقواعد الشرعية والقانونية الدولية، ورفض منح جماعة الحوثي، باعتبارها جماعة غير معترف بها دولياً، أي «اعتراف ضمني» أو شرعية في إدارة الممرات الملاحية، مع تمسك القاهرة بالتنسيق مع الحكومة اليمنية الشرعية في كل ما يتعلق بأمن الملاحة.
وأكد عبد الجواد أحمد، أن الالتزام بهذه المحاور يمثل أساساً مهماً لحماية أمن البحر الأحمر، داعياً إلى تكامل الجهود العربية والإقليمية والدولية، والاستفادة من المبادرات القائمة لحماية حرية الملاحة والحفاظ على استقرار المنطقة.
وفي ختام الندوة، دعا المشاركون إلى تكثيف التعاون العربي والدولي لضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وحماية حركة التجارة العالمية، إلى جانب دعم برامج حماية وتأهيل الأطفال المتضررين من النزاع في اليمن، وإعداد وثيقة تتضمن مخرجات الندوة ورفعها إلى الجهات الرسمية والمنظمات الدولية المعنية.
المصدر:
اليوم السابع