كشف أحد البحارة المصريين العاملين على متن سفينة البضائع الأجنبية « NORAN» تفاصيلا تعرضها للاستهداف من جانب الجيش الأوكرانى خلال وجودها فى المياه الإقليمية الروسية فى البحر الأسود، والتى تشبه إحدى قصص العودة من الموت والتى تكررت كثيرا خلال السنوات القليلة الماضية بسبب اشتعال الحروب فى عدة مناطق بالعالم.
«المصرى اليوم» التقت فارس محمد السيد عطية، 20 سنة، أحد البحارة المصريين العاملين ضمن طاقم السفينة «NORAN»، والذى عادة إلى أرض الوطن بسلام بعد أهوال شاهدها فى الرحلة الأخيرة منها مقتل قبطان السفينة المصرى الربان السعيد عبد العزيز سلامة، أحد أبناء محافظة كفر الشيخ فيما نجا باقى طاقم السفينة بإعجوبة.
قال البحار فارس لـ«المصرى اليوم»، إنه ينتمى إلى محافظة الدقهلية وتوجه إلى محافظة الإسكندرية حيث كانت رحلته على السفينة الأجنبية « NORAN» هى أول رحلة عمل له حيث صعد عليها متدربا بعد انتهاء فترة دراسته فى الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحرى تمهيدا لقضاء 30 شهرا فى البحر حتى يتم تأهيله للعمل مهندس ثالث على أى سفينة فى المستقبل.
وأضاف فارس: «فى 12 سبتمبر كنت أعمل وردية مسائية فى غرفة المحركات أسفل السفينة من الساعة الثانية عشر ظهراً وحتى الساعة السادسة مساءً حيث انتهت الوردية واستلم زميلى الوردية التالية وبدأت الصعود الى غرفة القيادة إلى كبير ضباط السفينة وهو مصرى الجنسية، والذى كان استلم للتو الوردية من القبطان السعيد عبد العزيز فيما توجه الاخير إلى كابينته الموجودة أسفل غرفة القيادة للحصول على قسط من الراحة وبعد نحو نصف ساعة شاهدت مسيرة تحلق فوق السفينة يبدو أنها وصلت بهدف التصوير لأنها لم توجه نيرانها إلى السفينة».
وتابع فارس: فى تلك اللحظة كنت مع كبير الضباط ونزلنا سريعا الى كابينة الربان السعيد الذى كان فى نوم عميق عقب انتهاء فترة «وردية» وناديناه اصحى يا قبطان فيه مسيرات فى الجو» وبدلا من أن ينزل معنا إلى مقدمة السفينة للاختباء صعد سريعا إلى غرفة القيادة أملا فى إنقاذ السفينة والابحار بها سريعا بعيد عن مرمى إطلاق تلك المسيرة.
نادينا عليه للنزول معنا للاحتماء والاختباء لكنه لم يستجب ظنا منه أنه قد يتمكن من الابعاد بالسفينة هربا من النيران التى أوشكت على واستكمل فارس حديثه: سارعت للنزول وزميلى المصرى الجنسية الذى عمل بعدى فى الوردية الثانية إلى داخل غرفة المحركات وبعد وقت قصير صعدت وزميلى إلى الأعلى لنجد المسيرة تعود من جديد وكنا 12 بحارًا بينهم 8 مصريين و2 سوريى الجنسية و2 بحارة يحملان الجنسية الهندية وكنا جميعا ننادى بأعلى صوت على القبطان السعيد عبدالعزيز: انزل يا كابتن.. انت كده هتموت، لكنه لم يستجب لنا وهدفه كان واضحا وهو إنقاذ السفينة وإنقاذنا حيث أكد لنا: لا.. مش هقدر أسيب غرفة القيادة خليكم إنتم متقلقوش واستخبوا فى مكان آمن.. لكننا ظللنا نناديه بضرورة سرعة النزول وفى تلك الأثناء وقف القبطان يرتعد وكأنه رأى ملك الموت والله وحده أعلم بما شاهده كانت نظراته جامدة ولم يتحرك له رمش بل ظل ساكنا فى مكانه لم يتحرك وإذ بالمسيرة تعود فى المرة الثالثة فى تلك اللحظة لتستهدف نيرانها غرفة قيادة السفينة فأسرعت إلى ناحية القبطان كى أحاول إنقاذه.. كنت الشخص الوحيد الذى صعد إلى غرفة القيادة فى تلك اللحظة وخاطرت بنفسى كى أساعده.. ورغم أننى كنت أصغر بحار سنا حاولت فعل كل ما أقدر عليه للوصول إلى القبطان كى أعود به معى.
وقال فارس: «للأسف كنت وحدى، ولم أستطع إنقاذ الربان ومع ذلك، حاولت لآخر لحظة، وهرولت إلى مكان طفايات الحريق وأخذت واحدة تلو الأخرى لإرسالها لزملائى الذين كانوا عادوا من مكان اختبائهم وقمنا جميعا بإطفاء الجزء المشتعل وصعدت ثانيا أنا وكبير المهندسين إلى المكان للاطمئنان على الربان فوجدناه فارق الحياة فحاولنا حمله إلى أسفل السفينة لكن وزنه الذى يصل لـ100 كيلوجرام جعل سحبه مسألة صعبة خصوصا أننا سمعنا صوت المسيرة الثانية تقترب فهممنا بمغادرة المكان سريعًا ونزلنا للاختباء فى عنبر الفحم فى مقدمة السفينة حيث قصفت المسيرة غرفة القيادة مرة أخرى وبها القبطان المصرى المتوفى».
ووواصل فارس شهادته بقوله: «صعدنا ثانيا أنا وكبير المهندسين إلى الأعلى لجلب أوراق البحارة جميعا من جوازات السفر والشهادات وغيرها قبل وصول النيران إليها حاولنا جلب طفايات حريق أخرى من غرفة المحركات بلغت 10 طفايات جميعها نفدت فى إطفاء الحريق الذى شب فى السفينة بعد قصف المسيرة الثالثة التى استهدفت جسم المركب من جهة اليمين وفشلنا بعدها فى السيطرة على ألسنة النيران.. كنا وقتها فى عرض البحر الأسود حيث وقع الحادث بعد 8 ساعات من خروجنا من الميناء الروسى بعد شحن السفينة بالبضائع».
وأضاف فارس: «بعد الحريق الذى نشب نتيجة قصف المسيرة الثالثة نزلنا إلى غرفة المحركات وقمنا بتشغيل الماكينات وحركنا السفينة ووجهناها يدويا كى نتوجه إلى أقرب ميناء روسى حتى نبتعد عن مرمى الاستهداف لكننا فوجئنا بدفعة من 3 طائرات مسيرة مجددا عند تحرك السفينة وكل 15 دقيقة مسيرة حتى بلغت أعداد المسيرات التى استهدفت سفينتنا بالنيران نحو 6 مسيرات فاقترحت على زملائى إنزال عوامات إلى أسفل السلم المؤدى إلى سطح المياه لأننا كنا فقدنا الزوارق البحرية الملحقة بالسفينة نتيجة الحريق الذى شب فى أجزاء منها واتفقت مع زملائى أنه لو أتت النيران على محتويات السفينة بالكامل سننزل إلى البحر لنكمل الطريق إلى أقرب ميناء سباحة وظللنا مختبئين ما بين غرفة المحركات وسطح السفينة إلى أن هدأت الأوضاع بتوقف إطلاق المسيرات الأوكرانية علينا فى تمام الساعة الواحدة ونصف صباحا لكننا كنا قضينا نحو 14 ساعة منذ انطلاقها فى الساعة السادسة ونصف مساء فى رعب لأن الموت كان يحيط بنا فى كل لحظة وكنا نردد الشهادتين كل دقيقة».
وتاب البحار المصرى: «فى تمام الساعة الثامنة والنصف صباحا حضرت قوات الإنقاذ الروسية إلى السفينة وتم إطفاء الحرائق على السفينة وشاهدنا دخانا كثيفا واصطحبتنا القوات إلى الفندق بعد أن حققت مع كبير ضباط السفينة وكبير المهندسين حول ظروف الحادث وأبلغونا أنهم سيعودون إلى السفينة المصابة لإحضار جثمان قائدها ووضعه فى المشرحة».
واستطرد البحار فارس: «الشركة المالكة للسفينة وهى شركة (الذامك) قامت بحجز فندق لنا وأرسلت إلينا أحد الأشخاص بملابس جديدة لأن ملابسنا تلفت بسبب الحريق كما أرسلت أحد المسؤولين بطعام ومبالغ مالية ومنحتنا كامل مستحقاتنا المالية بالتنسيق الكامل مع نقابة الضباط البحرية المصرية برئاسة الربان السيد الشاذلى ومكثنا ثلاثة أيام فى الفندق ثم منحتنا الشركة تذاكر السفر بالتنسيق مع وزارة الخارجية المصرية حيث حجزت لنا طيران ومقاعد (vip) للعودة إلى بلادنا وعندما وصلنا مصر أرسلت الشركة سيارات لتوصيل كل بحار فينا الى منزله سواء فى القاهرة أو المحافظات ومالك السفينة منذ عودتنا يقوم بالاتصال بنا عدة مرات للاطمئنان علينا ويسألنا إذا ما كنا فى حاجة إلى شىء وما يؤلمنى أكثر أننى رغم مخاطرتى بحياتى أنا وكبير المهندسين السورى وباقى البحارة لإنقاذ القبطان السعيد رحمة الله عليه لم نستطع ولم نتمكن العودة به معنا حيا أو ميتا نتيجة شدة الضرب واستهدافنا بالطائرات المسيرة».
المصدر:
المصري اليوم