آخر الأخبار

«السَّحَّار» وكنوز الدراما المنسية!

شارك

(1) بصدفةٍ (وما أكثر الصدف التى تشكل علامات واكتشافات مهمة فى حياتنا) شاهدت حلقة من مسلسل نادر (وأنا أقصد الوصف هنا عامدًا) يذاع على قناة ماسبيرو زمان، البقية الباقية من إرث ذكرياتنا وحنيننا وسنوات اكتشافاتنا الأولى قبل أربعين سنة أو يزيد!


لغياب أى معلومات أو بيانات عن المسلسل فى الحلقة التى شاهدتها أولًا، لم أتبين لمن هذا المسلسل وما قصته، وإن كانت أجواؤه تدل على أنه مسلسل تاريخى اجتماعى يدور فى قاهرة ما بين الحربين (فى تماثل عجيب مع ثلاثية نجيب محفوظ الأشهر)، القاهرة المعزية وأحيائها التاريخية، ومحالها العريقة ووكالاتها وأزقتها، إلخ، والعمل يضج بنجوم التليفزيون والسينما فى سنوات تألقها وازدهارها (صلاح السعدنى ونورا وحمدى غيث وعزيزة حلمى وفاطمة التابعى ورجاء حسين.. إلخ).


شدنى المسلسل جدًا، وجذبنى بأجوائه القاهرية الحميمة؛ فبحثت عنه، واكتشفت أننى أمام مسلسل مأخوذ عن رواية «فى قافلة الزمان» للأديب والكاتب عبد الحميد جودة السحار، مجايل نجيب محفوظ، وأحد أهم كتاب الرواية الاجتماعية والرومانسية فيما بين الأربعينيات وحتى رحيله فى السبعينيات.


وهذه الرواية من أوائل الروايات التى يمكن وصفها برواية أجيال (مع الفارق النوعى والفنى طبعًا بينها وبين مثيلاتها المحكمة)؛ لم يسبقها سوى رواية طه «شجرة البؤس» التى كانت أول محاولة روائية من نوعها فى الأدب العربى الحديث كله، لتفتح الباب أمام جيل جديد من كتاب الأدب وكتاب الرواية، ومنهم محفوظ والسحار.


(2) عبد الحميد جودة السحار (1913-1974) لمن لا يعرفه، هو شقيق الناشر الراحل الكبير سعيد جودة السحار، مؤسس مكتبة مصر، ودار مصر للطباعة والنشر، التى ظلت لعقود طويلة تنفرد بنشر إبداعات أكبر وألمع أسماء الأدب والإبداع والفكر فى مصر منذ أربعينيات القرن الماضى وحتى الربع الأخير من القرن العشرين.


كان غزير التأليف والكتابة، وكان له اهتمام وشغف كبير بالسينما، وقد تولى رئاسة مؤسسة السينما منذ العام 1966، وظل رئيسًا لها حتى وفاته فى 1974.


من أشهر أعماله الروائية والقصصية؛ رواية «فى قافلة الزمان» (1947)، و«الشارع الجديد» (1952)، ومجموعة «من همزات الشياطين»، ومن رواياته أيضًا روايته الأشهر «أم العروسة» (1958)، وجزؤها التالى «الحفيد» (1973)، وله كتاب مهم فى السيرة الذاتية بعنوان «هذه حياتى».


ولعل من أهم رواياته وأكثرها جودة وإحكامًا - بالنسبة لى على الأقل- روايته «المستنقع» التى برع فيها فى تحليل شخصية المريض بحب التملك والتحكم وإدراك ما فى يد الآخرين بالتحايل وحياكة المؤامرات والدسائس. ولا أعلم إن كانت هذه الرواية التى قرأتها فى العام 1994 قد حُوِّلت إلى عمل سينمائى أو درامى أو إذاعى أم لا.


(3) يحتل عبد الحميد جودة السحار (مع مجايليه من كتاب الرواية الرومانسية الاجتماعية: محمد عبد الحليم عبد الله، ويوسف السباعى، وأمين يوسف غراب، ويوسف جوهر، وثروت أباظة، وإحسان عبد القدوس، وغيرهم)، مساحة لا يستهان بها فى تاريخ الرواية المصرية والعربية فى أواسط القرن العشرين، وقدموا أعمالًا مهمة حُوِّل بعضها إلى أفلام ومسلسلات رائعة، تمثل ثروة من الكلاسيكيات التى ينبغى أن نحافظ عليها ونوثقها ونؤرخ لها.


وقد كان السحار من بينهم الأكثر اتصالًا بالسينما وشغفًا بها، فقد مارس كتابة القصة السينمائية، وكتب السيناريو والحوار، وأنتج أعمالًا سينمائية، وقد صار أيضًا لفترة طويلة مسئولًا عن قطاع السينما بأكمله فى مصر، وقد تحققت له إنجازات كبيرة فى ذلك المجال. كما لاقت معظم أعماله القصصية والسينمائية الكثير من الرواج.


وقد اهتم عبد الحميد السحار عمومًا فى أعماله القصصية والروائية، برصد جوانب من تطور المجتمع المصرى، وبخاصة فى أوائل القرن الماضى. وقد اجتهد فى تصوير تفاصيل الحياة اليومية لأبناء الشريحة الوسطى من الطبقة الوسطى المصرية (طبقة الأفندية)، وربط ذلك بالسياق السياسى والاقتصادى والاجتماعى ما أمكن.


(4) أعادتنى أجواء المسلسل الحانية، وتتره الشجى، وألوانه البكر إلى أعمال درامية ومسلسلات ما زلنا نكتشفها حتى اللحظة، لم نشاهدها من قبل (أو ربما عُرضت، ولم يتسنَّ لى أو لغيرى مشاهدتها فى تلك السنوات الباكرة)، هناك ثروة من الأعمال التى أنتجها التليفزيون المصرى خلال الفترة من 1975 وحتى نهاية القرن، لا أعلم إن تم توثيقها أم لا؟ ولا أعلم إن كانت لدينا قاعدة بيانات كاملة ودقيقة توثق إنتاج التليفزيون من المواد والبرامج خلال الفترة من 1960 وحتى وقتنا هذا.


هذا عمل ضرورى ومهم ولازم؛ وكل يوم يمر دون أن نوثق هذه الكنوز ونسجل هذا التاريخ يضيع منا ما لا نستطيع تعويضه بأى ثمن! مصر ملأى بالكنوز والروائع والنوادر والقيِّم والثمين من كل شىء وأى شىء، والعكس أيضًا صحيح! لكن عند غياب حاسة التوثيق أو تواريها لحساب أى أهداف أخرى، فهذا تفريط لن يسامحنا عليه أبناء الأجيال القادمة من بعدنا إن اكتشفوا إهمالنا أو تقصيرنا فى حفظ هذا التراث وصونه ورعايته وتسليمه أمانة لأبناء هذا البلد ومن بعدهم.. أرجوكم اجمعوا هذا التراث ووثقوه واحفظوه.

الشروق المصدر: الشروق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا