رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة بمقدار 0.25% ليصل إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4% في أول زيادة منذ عام 2023، ويعكس القرار استمرار قلق الفيدرالي من بقاء التضخم الأمريكي أعلى من المستوى المستهدف البالغ 2% إلى جانب المخاوف المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية وقوة الإنفاق والنشاط الاقتصادي الأمريكي، ولا تتوقف تداعيات هذا القرار عند حدود الاقتصاد الأمريكي بل تمتد إلى الاقتصادات الناشئة ومن بينها الاقتصاد المصري بسبب الدور المحوري للدولار في التجارة الدولية وحركة رؤوس الأموال وتسعير الديون والسلع الأساسية.
يرى الدكتور محمد الجوهرى ، الخبير الاقتصادى ورئيس مركز أكسفورد للدراسات والبحوث الاقتصادية، أن رفع الفائدة الأمريكية يؤدى إلى زيادة جاذبية الاستثمار في أدوات الدين الأمريكية باعتبارها من أكثر الأصول أمانا في العالم، وكلما ارتفع العائد على أذون وسندات الخزانة الأمريكية أصبح المستثمر الأجنبي أقل استعدادا لتحمل مخاطر الاستثمار في الأسواق الناشئة إلا إذا حصل على عائد أعلى يعوضه عن مخاطر سعر الصرف والتضخم والأوضاع الجيوسياسية، وهذا يعني ارتفاع المنافسة التي تواجهها مصر في جذب الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة إلى أذون وسندات الخزانة المحلية.
وأشار "الجوهرى"، إلى أن ارتفاع الفائدة الأمريكية يؤدي إلى زيادة قوة الدولار أمام كثير من العملات وهو ما قد يفرض ضغوطا على الجنيه المصري ويرفع تكلفة الواردات وخاصة الوقود والقمح والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج، ويمثل ذلك خطرا تضخميا لأن ارتفاع سعر الدولار أو ارتفاع تكلفة التمويل والشحن والطاقة ينتقل تدريجيا إلى أسعار السلع والخدمات داخل السوق المصرية.
وأكد "الجوهرى"، أن رفع الفائدة الأمريكية يزيد تكلفة الاقتراض الدولي سواء من خلال القروض أو السندات التي تصدر بالدولار، وتصبح الإصدارات الجديدة أكثر تكلفة كما ترتفع تكلفة إعادة تمويل الديون المستحقة، أما الديون ذات الفائدة المتغيرة فإن أعباء خدمتها قد ترتفع بصورة أسرع من الديون ذات الفائدة الثابتة، وهذا التطور يضغط على الموازنة العامة وعلى الاحتياجات التمويلية بالعملة الأجنبية ويجعل إدارة آجال الدين وتنويع مصادر التمويل وتقليل الاقتراض قصير الأجل أكثر أهمية، وفي المقابل لا يعني ارتفاع الفائدة الأمريكية أن جميع أقساط الدين المصري سوف ترتفع تلقائيا لأن الجزء المقترض بفائدة ثابتة لا يتغير عبؤه المباشر بمجرد صدور القرار الأمريكي.
وأشار الخبير الاقتصادى إلى أن الأموال الساخنة هي استثمارات أجنبية قصيرة الأجل تدخل إلى السوق للاستفادة من ارتفاع العائد على أذون وسندات الخزانة أو من تحركات أسعار الأصول والعملات، وسميت ساخنة لأنها سريعة الدخول وسريعة الخروج ولا ترتبط عادة بإقامة مصانع أو مشروعات إنتاجية طويلة الأجل، وتابع:" رفع الفائدة الأمريكية يقلل الفارق بين العائد المتاح في مصر والعائد المتاح في أمريكا، ومع ذلك ما زالت الفائدة المصرية أعلى كثيرا من الفائدة الأمريكية حيث يبلغ سعر عائد الإيداع لدى البنك المركزي المصري 19% بينما يبلغ سعر الإقراض 20%".
وأردف :"لكن المستثمر الأجنبي لا ينظر إلى العائد الاسمي وحده بل يحسب العائد الحقيقي بعد خصم التضخم كما يضع في حسابه توقعات سعر الجنيه وتكلفة التحوط والضرائب والسيولة والمخاطر السياسية والجيوسياسية، لذلك قد تستمر الأموال الساخنة في السوق المصرية إذا رأت أن العائد الحقيقي ما زال جاذبا وأن سعر الصرف مستقر وأنها قادرة على الدخول والخروج دون قيود، أما إذا توقعت انخفاضا كبيرا في قيمة الجنيه أو زيادة في المخاطر فقد تبدأ في تقليص استثماراتها حتى مع بقاء الفائدة المصرية مرتفعة".
ويرى الخبير الاقتصادى، أن السيناريو الأكثر ترجيحا ليس خروجا جماعيا فوريا لمجرد رفع الفائدة الأمريكية بمقدار ربع نقطة، لكن القرار قد يؤدي إلى تباطؤ التدفقات الجديدة وزيادة حذر المستثمرين وارتفاع العائد الذي يطلبونه على أدوات الدين المصرية، وتزداد احتمالات الخروج إذا اتجه الفيدرالي إلى تنفيذ زيادات إضافية أو ارتفعت أسعار النفط أو تصاعدت التوترات الإقليمية أو تعرض الجنيه لضغوط قوية، أما استقرار سوق الصرف وارتفاع الاحتياطي النقدي وتحسن موارد السياحة والصادرات وتحويلات المصريين بالخارج والاستثمار الأجنبي المباشر فسوف تقلل حساسية الاقتصاد المصري لتحركات الأموال الساخنة.
وقال "الجوهرى"، إنه قد يسبب القرار الأمريكي زيادة مؤقتة في الطلب العالمي على الدولار، وبالنسبة لمصر سوف يتوقف التأثير على الجنيه على حجم التدفقات الداخلة والخارجة وعلى موارد النقد الأجنبي ومدى قدرة الجهاز المصرفي على تلبية الطلب الحقيقي على العملة إذا استمرت موارد السياحة والتحويلات والصادرات والاستثمارات المباشرة في التحسن فمن الممكن احتواء الضغوط، أما إذا تزامن ارتفاع الفائدة الأمريكية مع زيادة فاتورة الطاقة أو تراجع إيرادات قناة السويس أو خروج جزء كبير من استثمارات الأجانب فقد يتعرض الجنيه لضغوط أكبر.
ومن حيث التأثير على التضخم أكد الخبير الاقتصادى ، أن قوة الدولار وارتفاع تكلفة التمويل الدولي قد يرفعان تكلفة استيراد السلع والوقود والمواد الخام، ويؤدي انتقال هذه الزيادة إلى السوق المحلية إلى إبطاء تراجع التضخم، وإذا ظلت أسعار الطاقة مرتفعة فإن التأثير سوف يمتد إلى النقل والإنتاج والتوزيع ثم إلى أسعار الغذاء والخدمات، وهنا يصبح البنك المركزي المصري أكثر حذرا بشأن خفض الفائدة لأن أي تخفيض سريع قد يؤدي إلى زيادة الطلب المحلي أو تقليل جاذبية الجنيه أو تنشيط ضغوط الأسعار.
وأضاف "الجوهرى"، أنه قد تتأثر البورصة المصرية في الأجل القصير بسبب اتجاه جزء من السيولة العالمية نحو الأصول الأمريكية كما أن استمرار الفائدة المحلية المرتفعة يجعل أدوات الدخل الثابت منافسا قويا للأسهم، وتتضرر بصورة أكبر الشركات ذات المديونية المرتفعة لأنها تتحمل تكلفة تمويل أعلى، لكن بعض الأسهم قد تستفيد مثل شركات التصدير والشركات التي تحقق إيرادات بالدولار وقطاعات الأسمدة والبتروكيماويات والتعدين بشرط عدم ارتفاع تكاليف الإنتاج بصورة تفوق نمو الإيرادات.
وشدد "الجوهرى"، على أن رفع الفيدرالي للفائدة لا يعني أن البنك المركزي المصري ملزم برفع الفائدة بالنسبة نفسها فالقرار المصري يعتمد أساسا على التضخم المحلي وتوقعاته وسعر الصرف والسيولة والنمو الاقتصادي وتكلفة الائتمان وحركة رؤوس الأموال، ومع وجود فارق واسع بين الفائدة المصرية والأمريكية فإن المركزي المصري يمتلك مساحة تسمح له بالتثبيت دون اللجوء تلقائيا إلى الرفع، لكن القرار الأمريكي يقلل مساحة خفض الفائدة المصرية بسرعة ويجعل التريث هو الاتجاه الأقرب خلال الاجتماعات المقبلة.
وعن أي السيناريوهات أقرب للتنفيذ، قال "الجوهرى"، إن السيناريو الأساسي يتمثل في تثبيت أسعار الفائدة المصرية خلال الفترة القريبة مع مراقبة التضخم وسعر الصرف وتدفقات المستثمرين الأجانب وأسعار النفط، وقد يستمر التثبيت حتى نهاية عام 2026 إذا ظلت الضغوط الخارجية مرتفعة أو رفع الفيدرالي الفائدة مرة أخرى، أما العودة إلى خفض الفائدة محليا فسوف تحتاج إلى تراجع مستدام للتضخم واستقرار الجنيه وتحسن واضح في موارد النقد الأجنبي وانخفاض المخاطر الجيوسياسية، وفي حالة حدوث خروج قوي للأموال الساخنة أو ارتفاع حاد في التضخم أو تعرض سوق الصرف لضغوط كبيرة فقد يصبح رفع الفائدة احتمالا قائما، وتابع:"لكن هذا السيناريو ليس الخيار الأول بسبب تكلفته الكبيرة على الموازنة والاستثمار والقطاع الخاص والنمو الاقتصادي".
وأكمل الخبير الاقتصادى، :"التثبيت يحافظ على جاذبية أدوات الدين المصرية دون إضافة أعباء كبيرة جديدة إلى فوائد الدين الحكومي، كما يساعد على تثبيت توقعات التضخم ودعم الجنيه، وفي الوقت نفسه يتجنب الأثر السلبي لزيادة الفائدة على الصناعة والاستثمار والتمويل العقاري والائتمان الموجه إلى المشروعات، ومن ثم فإن التثبيت يمثل حلا وسطا بين حماية الاستقرار النقدي وعدم زيادة تكلفة الاقتراض المحلي.
وأضاف "الجوهرى"، أن أبرز المخاطر تتمثل في تنفيذ الفيدرالي زيادات إضافية في الفائدة واستمرار ارتفاع أسعار الطاقة واتساع التوترات الإقليمية وتراجع إيرادات قناة السويس وزيادة الاحتياجات التمويلية الخارجية، كما يجب مراقبة حركة المستثمرين الأجانب في أدوات الدين ومستوى الاحتياطي النقدي وتطورات التضخم الأساسي واتجاه سعر الجنيه.
وأكد "الجوهرى"، أن رفع الفائدة الأمريكية يمثل تحديا جديدا للاقتصاد المصري لكنه لا يعني بالضرورة حدوث أزمة أو خروج فوري للأموال الساخنة، كون التأثير الحقيقي سوف يتوقف على استمرار الزيادة الأمريكية وعلى حركة الدولار وأسعار النفط وقدرة الاقتصاد المصري على توفير موارد نقد أجنبي مستدامة، والتوقع الأقرب هو اتجاه البنك المركزي المصري إلى تثبيت الفائدة خلال الفترة المقبلة وتأجيل أي خفض واسع حتى تتضح اتجاهات التضخم وسعر الصرف والسياسة النقدية الأمريكية، وتابع:"أما حماية الاقتصاد المصري بصورة مستدامة فلا تتحقق بالاعتماد على الفائدة المرتفعة أو الأموال الساخنة وإنما بزيادة الصادرات والسياحة وتحويلات المصريين والاستثمار الأجنبي المباشر والإنتاج المحلي، فالأموال الساخنة يمكن أن تدعم السيولة والاحتياطي لفترة مؤقتة لكنها لا تستطيع أن تكون بديلا عن الموارد الدولارية الناتجة عن الإنتاج والتصدير والاستثمار الحقيقي".
المصدر:
اليوم السابع