لم يعرف الأطباء قديمًا مرضًا اسمه «الاضطراب ثنائي القطب» بالشكل المعروف حاليًا، كما لا توجد حالة واحدة يمكن اعتبارها «أول حالة» تم اكتشافها في التاريخ. لكن تاريخ المرض يعود إلى آلاف السنين، عندما بدأ الأطباء في ملاحظة حالتين متناقضتين: فترات من الحزن الشديد وفترات أخرى من النشاط والانفعال بصورة غير معتادة.
وتشير مراجعة تاريخية منشورة عبر المكتبة الوطنية الأمريكية للطب وPubMed Central إلى أن أعراضًا تشبه ما نعرفه اليوم بالهوس و الاكتئاب وُصفت منذ العصور القديمة، بينما بدأ مفهوم المرض الذي يجمع الحالتين في التطور بصورة أوضح خلال القرن التاسع عشر.
يرتبط أقدم وصف طبي منهجي معروف لأعراض تشبه اضطرابات المزاج بالطبيب اليوناني أبقراط، الذي استخدم مصطلح «الميلانخوليا» لوصف حالات يغلب عليها الحزن والخوف وبعض الأعراض النفسية والجسدية، كما استخدم مصطلح «الهوس» لوصف حالات من الاضطراب و الانفعال الشديد .
لكن هذه الأوصاف لم تكن تشخيصًا للاضطراب ثنائي القطب بمفهومه الحديث، وإنما كانت أوصافًا لأعراض وحالات نفسية مختلفة.بعد ذلك بقرون، جاء الطبيب اليوناني أريتايوس من كابادوكيا في القرن الأول الميلادي، وقدم ملاحظة أكثر أهمية في تاريخ الطب النفسي.
فقد رأى أن الهوس والميلانخوليا يمكن أن يكونا مرحلتين من مرض واحد، وليس بالضرورة مرضين منفصلين. وتعتبر مراجعات تاريخية للاضطراب ثنائي القطب أن هذه الملاحظة كانت من أقدم المحاولات لربط الحالتين في مفهوم واحد.
رغم هذه الملاحظات المبكرة، لم يستمر هذا المفهوم بشكل متصل عبر التاريخ، وظل الأطباء لفترات طويلة يتعاملون مع الهوس والاكتئاب كحالتين منفصلتين.
وظل الأمر كذلك حتى القرن التاسع عشر، عندما بدأ أطباء الطب النفسي في فرنسا بملاحظة نمط أكثر وضوحًا لدى بعض المرضى: نوبات من الاكتئاب تتناوب مع نوبات من الهوس، وبينهما أحيانًا فترات يعود فيها المريض إلى حالة أكثر استقرارًا.
في عام 1851، وصف الطبيب الفرنسي جان بيير فالريه حالة أطلق عليها «الجنون الدائري» أو Folie circulaire، وركز فيها على تعاقب نوبات الهوس والميلانخوليا.
وبعد ذلك، في عام 1854، قدم الطبيب الفرنسي جول باييارجيه وصفًا مشابهًا أطلق عليه «الجنون ثنائي الشكل» أو Folie à double forme.
وتوضح مراجعات تاريخية منشورة عبر PubMed أن أعمال فالريه وباييارجيه في خمسينيات القرن التاسع عشر كانت من أهم المحطات التي ساعدت على ظهور المفهوم الحديث للاضطراب ثنائي القطب .
لم يكن الطريق خاليًا من الجدل؛ فقد نشأ خلاف تاريخي حول أولوية وصف المرض بين فالريه وباييارجيه.
فكل منهما قدم وصفًا لحالات تتضمن تناوب الهوس والاكتئاب، ولذلك ظلت الدراسات التاريخية تناقش دور كل طبيب في تأسيس مفهوم المرض.
وتشير دراسة تاريخية منشورة عبر PubMed إلى أن وصف فالريه لـ«الجنون الدائري» أصبح أحد الجذور الأساسية للمفهوم الحديث للاضطراب ثنائي القطب، مع استمرار الجدل حول أولوية الاكتشاف بينه وبين باييارجيه.
في نهاية القرن التاسع عشر، جاء الطبيب الألماني إميل كريبلين ليقدم تصورًا أكثر شمولًا للمرض.
وفي عام 1899، استخدم مفهوم «الذهان الهوسي الاكتئابي»، وجمع تحته صورًا مختلفة من اضطرابات المزاج التي تتضمن الهوس والاكتئاب.
وتوضح مراجعة تاريخية منشورة في Journal of Affective Disorders أن كريبلين ساهم في توحيد عدد من الحالات التي كان يُنظر إليها سابقًا باعتبارها اضطرابات منفصلة، وهو ما شكل أساسًا مهمًا للتصنيف اللاحق للاضطرابات المزاجية.
لم يظهر التشخيص الحديث للاضطراب ثنائي القطب فجأة، وإنما تطور على مدار عقود.
وفي ستينيات القرن العشرين، ساعدت أبحاث عدد من الأطباء والباحثين، من بينهم جول أنجست وكارلو بيريس وجورج وينوكر، في ترسيخ التمييز بين الاضطرابات أحادية القطب، التي يغلب عليها الاكتئاب، والاضطرابات ثنائية القطب التي تشمل نوبات الهوس أو الهوس الخفيف.
ولم يتوقف تطور الطب عند التشخيص. ففي عام 1949، أعاد الطبيب الأسترالي جون كيد اكتشاف التأثير المضاد للهوس لدواء الليثيوم، لتبدأ مرحلة مهمة في تاريخ علاج الاضطراب ثنائي القطب.
وتشير مراجعة منشورة عبر PubMed إلى أن كيد قدم في عام 1949 أدلة على فاعلية الليثيوم في علاج الهوس، ثم تطورت الأبحاث لاحقًا لمعرفة قدرته على المساعدة في الوقاية من نوبات المزاج.
وهكذا، فإن قصة الاضطراب ثنائي القطب ليست قصة اكتشاف مريض واحد، وإنما رحلة طويلة بدأت بوصف أعراض الهوس والاكتئاب في الطب القديم، ثم ملاحظة العلاقة بينهما، وصولًا إلى أطباء القرن التاسع عشر الذين وضعوا أساس مفهوم المرض، ثم كريبلين والباحثين في القرن العشرين الذين ساهموا في الوصول إلى التصنيف الحديث.
المصدر:
اليوم السابع