فى ذكرى مرور 48 عامًا على توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، تعود واحدة من أبرز محطات تاريخ الصراع العربى- الإسرائيلى إلى واجهة المشهد، ليس باعتبارها مجرد اتفاقية أنهت حالة الحرب بين مصر وإسرائيل، وإنما كحدث لاتزال تداعياته حاضرة فى حسابات السياسة والأمن فى منطقة الشرق الأوسط.
تأتى الذكرى هذا العام فى توقيت استثنائى، حيث يشهد الإقليم تطورات متسارعة وأوضاعًا شديدة التعقيد، تتداخل فيها الملفات الأمنية والسياسية والإنسانية، وتتصاعد معها المخاوف بشأن مستقبل المنطقة ومستوى الاستقرار بها. وبينما تتغير خرائط التحالفات وتتزايد التحديات، تظل كامب ديفيد إحدى المحطات التى شكّلت ملامح العلاقات الإقليمية لعقود، وفرضت نفسها كجزء ثابت من معادلات الأمن والسلام فى المنطقة.
قال الدكتور مصطفى الفقى، المفكر السياسى الكبير، إن ذكرى كامب ديفيد تأتى هذا العام فى ظل ظروف إقليمية استثنائية وأوضاع مضطربة تفتح الباب أمام العديد من التساؤلات حول مستقبل المنطقة وترتيبات الأمن والاستقرار بها.
وأضاف «الفقى»، لـ«المصرى اليوم»، أن مصر لم تخلّ بالاتفاقية طوال هذه السنوات، بينما دأبت إسرائيل على «تحرشات مستمرة»، سواء فيما يتعلق بالحدود أو بمنطقة محور فيلادلفيا، فضلًا عن الاحتجاجات غير المبررة على تعزيز مصر لقواتها المسلحة وفق الشروط التى حددتها اتفاقية السلام، مشيرًا إلى أن الاتفاقية تحتاج إلى مراجعة فى ضوء التطورات الحالية، موضحًا أن ذلك يمكن أن يتحقق عندما «تسقط المدافع وتتوقف المسيرات وتبدأ رحلة تحقيق السلام الحقيقى».
وأوضح «الفقى» أن المشهد الإقليمى الراهن يشير إلى وجود محاولات لتغيير شكل الخريطة السياسية للمنطقة، إلا أن مصر تتحلى بضبط النفس، وتتعامل مع هذه التطورات بحكمة وهدوء، بما جنبها الدخول فى صراعات غير مبررة، خصوصًا فى ظل إقليم ملتهب وأوضاع تنذر بتدهور على المستويين الإقليمى والدولى، فى ظل استمرار الحرب الروسية- الأوكرانية، والتصعيد فى الشرق الأوسط.
وقال اللواء أركان حرب دكتور محمد الشهاوى، زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، ورئيس أركان الحرب الكيميائية الأسبق، لـ«المصرى اليوم»، إن ذكرى كامب ديفيد تأتى هذا العام فى ظل تحديات إقليمية متشابكة، والدرس الأول من هذه التجربة يتمثل فى أن السلام الذى يقوم على ترتيبات واضحة وضمانات محددة واستعادة حقوق إقليمية ملموسة يمكن أن يكون أكثر قدرة على الاستمرار من الاتفاقات القائمة على الوعود غير المحددة.
وأضاف أن استمرار القضية الفلسطينية دون حل شامل وعادل ظل أحد أبرز مصادر التوتر فى المنطقة، وأى تصور مستقبلى للسلام الإقليمى سيظل مرتبطًا بمدى القدرة على معالجة جذور الصراع الفلسطينى- الإسرائيلى، ومصر ظلت طوال العقود الماضية حريصة على الحفاظ على معاهدة السلام باعتبارها اتفاقًا استراتيجيًا، وفى الوقت نفسه واصلت الاضطلاع بدورها العربى والإقليمى، ولا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والتهدئة وحماية الأمن الإقليمى، مؤكدًا أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق بين استمرار نماذج السلام القائمة على ترتيبات ثنائية مستقرة، والحاجة إلى نموذج أوسع للسلام الشامل يعالج جذور الصراعات، وفى مقدمتها القضية الفلسطينية.
واعتبر «الشهاوى» أن التجربة الممتدة منذ توقيع كامب ديفيد تقدم درسًا أساسيًا، فالسلام، حتى عندما يكون باردًا، يظل مختلفًا جذريًا عن الحرب الساخنة، التى تمتد آثارها إلى الأمن والاقتصاد والطاقة والملاحة وحياة الشعوب.
المصدر:
المصري اليوم