آخر الأخبار

رسالة من عصر مرنبتاح.. كشف أثري كبير بحصن تل الأبقعين بالبحيرة | مصراوي

شارك

في الوقت الذي تبدو فيه الحصون القديمة للوهلة الأولى مجرد جدران شُيدت للحرب والدفاع، تكشف آثار تل الأبقعين بمحافظة البحيرة وجهًا آخر أكثر إنسانية لموقع عسكري عاش داخله جنود وسكان، وخُزنت فيه الغلال، وأُعد فيه الطعام، ومورست فيه الطقوس الدينية، بل ودفن داخله حصان بصورة تحمل دلالات خاصة.

الكشف الأثري الجديد لا يتوقف عند العثور على منشأة عسكرية من عصر الدولة الحديثة، لكنه يفتح نافذة على تفاصيل الحياة التي كانت تجري خلف جدران الحصن، ويكشف كيف جرى تنظيم السكن وتخزين الطعام وتوفير المياه وممارسة الأنشطة اليومية، بالتوازي مع الدور العسكري للموقع الواقع على الحدود الغربية للدلتا.

حصن للحرب.. ومدينة صغيرة للحياة

أعمال الحفائر كشفت عن مجمع سكني كبير مشيد بالطوب اللبن، بدا من تخطيطه أن الحياة داخله لم تكن عشوائية، إذ عُثر على شارع رئيسي يبلغ عرضه نحو 4 أمتار يمتد من الشرق إلى الغرب، ويتقاطع معه شارع آخر من الجنوب إلى الشمال.

ويرتبط مدخل المجمع بالمدخل الجنوبي للحصن المشيد من الحجر الجيري، في مشهد يعكس تخطيطًا عمرانيًا دقيقًا لموقع لم يكن مجرد نقطة دفاعية، وإنما مساحة منظمة للحياة اليومية.
داخل المجمع، ظهرت حجرات متعددة تضم صوامع لتخزين الغلال وأفرانًا أسطوانية مصنوعة من الفخار، استخدمت لإعداد الطعام وخبز الحبوب، لتكشف هذه التفاصيل جانبًا من منظومة الإعاشة التي كانت ضرورية لاستمرار الحياة داخل الحصن.

القمح.. مخزون يكشف اقتصاد الحصن

وراء جدران بعض الحجرات الواقعة شمال الشارع الرئيسي، ظهرت وظيفة أخرى مهمة للمكان؛ فقد استخدمت كمخازن لحبوب القمح.
وعثرت البعثة داخلها على جرار فخارية كبيرة الحجم لا تزال تحتوي على حبوب قمح متفحمة، وهي بقايا تحمل قيمة أثرية خاصة، لأنها لا تكشف فقط عن نوعية الغذاء، وإنما تقدم دليلًا مباشرًا على طرق تخزين الموارد الغذائية وإدارتها داخل الحصن.

وبالقرب من منطقة الآبار في الركن الجنوبي الشرقي، ظهرت مجموعة أخرى من الحجرات السكنية، في منطقة سبق العثور فيها على 3 آبار حجرية تحمل نقوشًا بألقاب الملك رمسيس الثاني، بما يوضح أهمية المياه في تنظيم الحياة داخل الموقع.

حصان مدفون بطريقة غير عادية

لكن بين كل هذه التفاصيل اليومية، جاءت إحدى أكثر المكتشفات إثارة للاهتمام من عالم الحيوان؛ إذ كشفت الحفائر عن دفنة كاملة لحصان ذكر صغير السن.

الدراسات الأولية تشير إلى أن الحصان كان من سلالة متوسطة الحجم تتميز بالرشاقة والسرعة، وهي صفات يرجح معها ارتباطه بالتدريب أو الأنشطة العسكرية أو جر العربات الحربية خلال عصر الدولة الحديثة.

ولم يكن اللافت العثور على الحصان فقط، وإنما الطريقة التي دُفن بها؛ إذ ظهرت وضعية جسمه واتجاه رأسه وانتظام الدفن بصورة تشير إلى أنه دُفن عمدًا وبطريقة منظمة، وهو ما يرجح أن تكون الدفنة تكريمية.

وبالقرب من مكان الدفن، عُثر على قطع أسطوانية من الألباستر والحجر الجيري، يرجح ارتباطها بزخارف عدة حصان العجلة الحربية، لتضيف هذه المكتشفات طبقة جديدة من الأدلة على الطابع العسكري للموقع.

رسالة من عصر مرنبتاح

ومن قلب هذا الموقع العسكري، خرجت واحدة من أهم القطع التي أعلنت عنها البعثة، وهي جزء من لوحة من الحجر الجيري يحمل بقايا نص بالخط الهيراطيقي للملك مرنبتاح.

وتكتسب القطعة أهمية خاصة بالنسبة لأعمال التنقيب في المحافظة، إذ جرى العثور عليها لأول مرة في تاريخ حفائر منطقة آثار البحيرة، ويتضمن النص وصفًا لقوة الملك وتشبيهها بقوة المعبود سيث، إلى جانب الإشارة إلى المعبود بتاح الخالق.

ولم يكن مرنبتاح وحده حاضرًا في المكتشفات؛ فقد عُثر على بقايا لوحة من الحجر الجيري تحمل اسم الميلاد واسم التتويج والاسم الحوري للملك رمسيس الثاني.

كما ظهرت لوحة أخرى تحمل مشهدًا لأسير بجسد منحنٍ في وضعية خضوع ومكبل اليدين، وتشير ملابسه إلى أنه أسير ليبي من قبائل المشوش، في مشهد ينسجم مع الوظيفة الدفاعية للموقع على الحدود الغربية.

الآلهة حاضرة بين الجنود

الحياة داخل الحصن لم تكن حربًا وتخزينًا للطعام فقط، فالمعتقدات الدينية كانت حاضرة بقوة بين سكانه.

وكشفت الحفائر عن مجموعة من الجعارين، يحمل بعضها أسماء الملكين رمسيس الثاني وسيتي الأول، بينما يحمل البعض الآخر أسماء وألقاب عدد من المعبودات، من بينها آمون وسخمت وبتاح وسِت.

كما ظهرت تمائم ارتبطت بمفاهيم الحماية والخصوبة والتجدد والقوة، بينها تمائم على هيئة السمكة وزهرة اللوتس وحية الكوبرا وعلامة "نفر" وقرد البابون.

وتكشف هذه المجموعة عن جانب آخر من حياة الجنود والسكان، الذين لم تكن الحماية بالنسبة لهم مرتبطة بجدران الحصن والأسلحة وحدها، وإنما امتدت أيضًا إلى المعتقدات والرموز والتمائم الدينية.

من الرحى إلى أدوات الزينة

وتكتمل صورة الحياة اليومية بمجموعة من الأدوات التي تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن أجواء الحرب، لكنها تكشف طبيعة المجتمع الذي عاش داخل الحصن.

فقد عُثر على أوانٍ فخارية وشقافات استخدمت في التخزين والطهي وتقديم الطعام وحفظ العطور والزيوت، إلى جانب زمزمية مرتبطة بالحج إلى أبيدوس.

كما ظهرت أثقال للأنوال المستخدمة في الغزل، وأجزاء من الرحى والمصاحن الحجرية وأثقال الموازين، فضلًا عن أدوات للزينة والحلي الشخصية.

وهكذا ترسم مكتشفات تل الأبقعين صورة مختلفة للحصن العسكري؛ فخلف الجدران التي شُيدت لحماية حدود مصر، كانت هناك حياة كاملة تتحرك يوميًا: طعام يُعد، وغلال تُخزن، ومياه تُجمع، وأقمشة تُغزل، وطقوس تُمارس، ومعتقدات تحضر في تفاصيل الحياة، إلى جانب الجنود والخيول والعربات والاستعداد الدائم للدفاع عن الحدود.

وتواصل البعثة الأثرية المصرية أعمال الحفائر والدراسة والتوثيق في الموقع، للكشف عن المزيد من عناصر الحصن واستكمال الصورة التاريخية لتل الأبقعين ودوره ضمن منظومة الدفاع عن الحدود الغربية لمصر خلال عصر الدولة الحديثة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
مصراوي المصدر: مصراوي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا