لا بد أن نعترف أن الإدارات الأمريكية الأخيرة منذ عهد ريجان لم تكن شديدة الحماس للرئيس المصرى مبارك ونظامه وقد اتضح ذلك بشكل سافر فى إدارتى جورج بوش الابن والسنوات الأخيرة لإدارة الرئيس الأسبق أوباما، وقد كشف الأمريكيون أن العلاقات مع مبارك لها حدود لا يتخطاها الرئيس المصرى حتى لا يقع تحت طائلة الانحياز الكامل للإدارة الأمريكية تحت أى مسمى ولم تكن الكيمياء مع معظم الرؤساء الأمريكيين الذين عاصرهم فى أطيب أحوالها مع استثناءات قصيرة فى إدارتى جورج بوش الأب وبيل كلينتون، كما أننى أظن أن الأمريكان لم يكونوا سعداء بشائعات التوريث ليحل ابن الرئيس محله وقد اتضح ذلك بصورة جلية فى ختام عصر الرئيس مبارك فضلًا عن مغازلتهم التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين وتكون عقيدة لديهم أن الأنظمة فى الدول الإسلامية تتمحور حول عمودين رئيسيين أولهما القوات المسلحة، والثانى هو التيار الإسلامى المتنامى فى تلك المرحلة خصوصًا بعد سقوط المشروع القومى العربى الذى بشر به عبد الناصر وإحلال المشروع الإسلامى محله، فوقر لدى العقل الأمريكى شعورٌ عميق بأن النموذج الباكستانى مع مسحة خفيفة من النظام التركى قد تكون هى الأجدى بالنسبة لدولة مثل مصر خصوصًا وأن الأصولية الإسلامية ولدت على يد الإخوان المسلمين فوق أرضها كما أن الجيش هو المؤسسة الوحيدة التى تقف على قدميها ولديها القدرة على مواصلة حكم مصر واستقرار أوضاعها، ولقد تبنت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس ذلك الطرح المتجذر فى بعض جوانب التفكير الأمريكى وظهرت نظرية الفوضى الخلاقة التى تعتمد على إعادة صياغة الشرق الأوسط وتوزيع القوى فيه،
ولم يكن ذلك فى صالح حكم طال عليه العهد لقرابة ثلاثين عامًا دون أن يفرز صياغات جديدة وسياسات بناءة وبالطريقة التى يريدها الغرب والولايات المتحدة الأمريكية تحديدًا حيث كانوا يشعرون أن الشراكة مع مصر مرحلية وليست استراتيجية بالمفهوم الصحيح، كما أنه قد شاعت فى تلك الفترة أطروحات كثيرة تشير بشكل مستتر إلى النشاط الخفى لجماعة الإخوان على الساحات المختلفة وفلولهم فى تركيا ومنطقة الخليج خصوصًا دولة قطر مع غياب الكيمياء الصحية بين القاهرة والدوحة لعدة سنوات،
كما أن الأمريكيين يتذكرون لمبارك أنه قد شارك فى تحالف لتحرير الكويت لأسباب مصرية وليست عروبية كما يبدو من ظاهرها خصوصًا وأنه رفض مواصلة الجيش المصرى الانخراط فى الأعمال العسكرية داخل الأراضى العراقية غداة انسحابها من أرض الكويت، واكتفى بالحديث عن أزمة الديون العسكرية الأمريكية لدى مصر حتى تخلص من جزء منها، وذات مساء اتصل بى د.بطرس بطرس غالى الذى كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء للاتصالات الرئاسية ولكن كان مقره بوزارة الخارجية التى تولاها حينذاك وزير شاب ومفعم بالحيوية والحماس وهو عمرو موسى، وكان ذلك الاتصال من بطرس غالى الذى كان أستاذى بالجامعة ورئيس تحرير مجلة السياسة الدولية التى كنت أكتب فيها حيث طلب منى إبلاغ الرئيس مبارك بأن الرئيس موبوتو رئيس الكونغو قد طلب من الوزير المصرى التقدم بترشيح نفسه لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة خصوصًا وأن الدور عام ١٩٩٢ كان على مرشح إفريقى، وعندما أبلغت الرئيس بذلك بدا مترددًا لشعوره بأن إمكانية نجاح د.غالى محكومة بالرضاء الأمريكى والأمر ليس واضحًا لسببين هما المتغيرات الدولية والإقليمية وأن الدكتور بطرس غالى لن يكون طيعًا فى يد الغرب عمومًا والأمريكان خصوصًا لأنه عربى إفريقى، وقد انتهى الأمر بترشيح بطرس غالى للمنصب الذى ساندته فيه بشراسة فرنسا تقديرًا لمكانته واحترامًا لثقافته، إنه فصل من فصول الرواية الأمريكية المصرية فى السنوات القليلة السابقة على الإطاحة بمبارك خصوصًا وأن الأخير كان يتوقع أحيانًا الغدر الأمريكى وتفضيل صيغة أخرى لحكم مصر تكون أكثر حماسًا للمواقف الأمريكية والسياسات المطلوبة لهم فى المنطقة.
المصدر:
المصري اليوم