بعد مرور ثمان سنوات على تولى أبى أحمد منصب رئيس الوزراء فى إثيوبيا، ومع استعداده لتولى المنصب لخمس سنوات تالية بعد فوز حزب الازدهار فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة التى عقدت فى مطلع يونيو 2026، تتأكد مفارقة لافتة فى إثيوبيا منذ عام 2018، بين الأوضاع الداخلية شديدة الاضطراب، وبين التحركات النشطة فى دوائر إقليمية متعددة.
إذ تواجه الدولة الإثيوبية تحديات سياسية وأمنية مرتبطة بإدارة التعدد الإثنى وإعادة بناء احتكارها للقوة المسلحة فى ظل انتشار بؤر الصراع الداخلى، بينما تسعى فى الوقت ذاته إلى توظيف ثقلها السكانى والجغرافى لتعزيز مكانتها فى دائرتى حوض النيل والبحر الأحمر، بحيث أمكن تفسير محاولات التمدد الإقليمى، والنشاط الخارجى المفرط كمحاولة للهروب للأمام، واكتساب أصول جديدة للقوة ترجو توظيفها فى تحسين الوضع الداخلى المتدهور.
ونتيجة لتشابك النشاط الخارجى الإثيوبى مع العديد من الملفات ذات الأولوية للسياسة الخارجية المصرية، كتأمين موارد مصر المائية من نهر النيل، وضمان سلامة الملاحة فى البحر الأحمر، واستقرار الأوضاع الداخلية فى السودان، تبدو أهمية تقييم الوضع الداخلى الإثيوبى القائم، واستكشاف ارتباطاته بالملفات الإقليمية ذات الأولوية، فضلاً عن قراءة خريطة القوى الدولية والإقليمية المرتبطة بالمشروع الإقليمى الإثيوبى، والوقوف على حجم الدعم الذى تقدمه كل منها لتحقيقه.
ومن هذا المنطلق، عقد المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية فى يوم الاثنين 14 سبتمبر 2026 ورشة عمل لتقييم الاتجاهات المختلفة للوضع الداخلى الإثيوبى من الناحيتين السياسية والأمنية، قبل رصد مظاهر الانخراط الإثيوبى فى محيطها الإقليمى فى دائرتى حوض النيل والبحر الأحمر، وانتهاءً برسم ملامح شبكة العلاقات الخارجية الدولية والإقليمية التى تستند إليها إثيوبيا فى دعم سياستها الخارجية.
وقد قسمت فعاليات ورشة العمل إلى ثلاث جلسات متعاقبة، شهدت مشاركة واسعة من جانب مستشارى المركز وخبرائه وباحثيه، بالإضافة إلى عدد من المشاركات المتميزة من خارج المركز والتى قدمها الدكتور/ أيمن السيد عبد الوهاب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والسفير دكتور/ صلاح حليمة مساعد وزير الخارجية الأسبق، واللواء دكتور/ أحمد النحاس خبير سياسات الأمن القومى والشؤون الاستراتيجية، والأستاذ/ أحمد إمبابى رئيس تحرير مجلة وبوابة روز اليوسف، والأستاذ/ مصطفى أحمدى المستشار الإعلامى السابق فى السفارة المصرية فى أديس أبابا، والسفير/ حسام عيسى، مساعد وزير الخارجية وسفير مصر بدولة السودان الأسبق، والسفير دكتور/ محمد بدرالدين زايد، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات الأسبق ومساعد وزير الخارجية الأسبق لدول الجوار.
وقد خلصت الورشة إلى عدد من الخلاصات المهمة. فعلى صعيد الداخل الإثيوبى تم التأكيد على استمرار أبى أحمد فى توظيف نموذج الفيدرالية الإثنية، عبر التغيير المطرد لتحالفاته كأداة للاستمرار فى السلطة، بعيداً عن أى نجاح فى تقديم وجه إصلاحى لنظام حكمه، بعدما شهدته انتخابات 2026 والحوار الوطنى الذى أعقبها من مقاطعة واسعة وتعثر بسبب الاضطرابات الأمنية. كذلك جاء تحول مواقف مجتمعات الشتات الإثيوبى فى الخارج وخصوصاً فى الولايات المتحدة من دعم أبى أحمد لمعارضته ليكشف عن حجم الأزمة العميقة الناجمة عن سياساته الداخلية. كما عكس الرأى العام الإثيوبى استقطاباً سياسياً حاداً، وسخط عام من الأوضاع الاقتصادية نتيجة ارتفاع معدلات الفقر والتضخم والبطالة وسوء الخدمات الأساسية مثل الوصول إلى المياه والكهرباء، والتى تبدو بدون حل واقعى فى المدى المنظور.
وعلى مستوى الأدوار الإقليمية الإثيوبية، فقد شكل السعى الإثيوبى للنفاذ البحرى أحد أهم مصادر زعزعة الأمن والاستقرار فى منطقة البحر الأحمر والقرن الافريقى، وهو الأمر الذى يثير رفضا واسعاً من المجتمع الدولى، ويهدد سيادة دول الجوار الشرقى لإثيوبيا إريتريا وجيبوتى والصومال. كذلك فقد واصلت إثيوبيا انخراطها فى صراعات القرن الإفريقى، مع تغير الأدوات والآليات والأهداف، على نحو ما ظهر فى الانخراط الإثيوبى فى الصراعات الدائرة فى الصومال والسودان، حيث وظفت إثيوبيا انخراطها كأداة لتعزيز مكانتها الإقليمية عبر مداخل متكاملة شملت التدخل العسكرى المباشر والوساطة والعمل عبر المؤسسات الإقليمية. وفيما يخص دول حوض النيل، يتمثل التحول الأهم فى السياسة الإثيوبية فى توظيف المياه والطاقة والدبلوماسية والاقتصاد والأمن ضمن شبكة تعيد تشكيل موازين القوة. ومع ذلك، تظل علاقة إثيوبيا بدول حوض النيل تعتمد على شبكة مصالح سريعة التغير، لم تستطع بعد أن تشكل بعد تحالفاً متماسكاً ومستقراً.
وفيما يتصل بالشراكات الخارجية، تتعدد المؤشرات الدالة على اعتماد إثيوبيا المكثف على علاقاتها الدولية والإقليمية فى تعزيز مصالحها الاستراتيجية، وهو الأمر الذى انعكس فى صورة سعيها لبناء علاقات على قدر من التوازن بين العديد من القوى الدولية بما فى ذلك الولايات المتحدة والصين وروسيا، وهو ما وفر لها حداً أدنى من الدعم الخارجى، لكنه فى الوقت نفسه حمل قدراً من التناقض حال دون التمتع بمزايا تحالف مستقر ومستدام مع أى من هذه القوى الدولية، ووضع سقفاً للدعم الدولى كماً ونوعاً. وقد عوضت إثيوبيا ما لم تقدر على الحصول عليه من الشركاء الدوليين بتكثيف علاقاتها بعدد من القوى الشرق أوسطية كإسرائيل وعدد من الدول العربية وذلك فى إطار التداخل المتنامى للملفات الاستراتيجية بين الشرق الأوسط والقرن الأفريقى، وقد شكل دور القوى الشرق أوسطية ركيزة أساسية اعتمدت عليها إثيوبيا فى مواجهة أزماتها الأمنية والاقتصادية الحادة على المستوى الداخلى.
وإجمالاً، فقد فصلت الأوراق البحثية المتنوعة التى قدمت فى ورشت العمل، بالإضافة إلى النقاش الثرى والمتخصص الذى أعقب جلساتها فى عرض ما يشكله نشاط إثيوبيا فى محيطها الإقليمى من مصدر لزعزعة الاستقرار، وتصدير مشكلاتها الداخلية العميقة إلى دول الجوار، وإعاقة تشكل نظام فاعل للأمن الإقليمى، فضلاً عن تحويل قضايا التكامل والاستفادة من الموارد المشتركة إلى مجالات الصراع. ويضاف إلى كل هذه المظاهر الدور الإثيوبى السلبى فى استدعاء أدوار خارجية -دولية وإقليمية- للانخراط المكثف فى تفاعلات القرن الأفريقى بما له من تداعيات استراتيجية تنتقص من سيادة دول الإقليم وسلامتها الإقليمية.
المصدر:
المصري اليوم