آخر الأخبار

ستيفن صهيوني يكتب: 25 عامًا بعد 11 سبتمبر.. كيف صنعت أمريكا اقتصاد الحرب الذي لا يتوقف؟

شارك

فى 11 سبتمبر (أيلول) 2026، تحل الذكرى الخامسة والعشرون للهجمات التى هزت الولايات المتحدة والعالم، واستهدفت مركز التجارة العالمى والبنتاجون، وانتهت بسقوط طائرة فى ولاية بنسلفانيا، مخلفة آلاف القتلى والجرحى.

لكن 11 سبتمبر لم يكن مجرد يوم غير إجراءات السفر والأمن فى المطارات، بل كان نقطة تحول أعادت رسم السياسة الأمريكية والعالمية لعقود.

قبل ذلك اليوم، كان المسافر يستطيع الوصول إلى المطار فى اللحظات الأخيرة، والصعود إلى الطائرة من دون إجراءات أمنية معقدة، بل وحتى حمل زجاجة مشروب غازى معه. أما بعد 11 سبتمبر، فقد تغير كل شىء تقريبا. لكن التغيير الأكبر لم يكن فى المطارات، بل فى ساحات الحروب.

بعد أسابيع من الهجمات، بدأت الولايات المتحدة حربها فى أفغانستان، ثم جاء غزو العراق عام 2003. ومعهما دخلت واشنطن مرحلة جديدة من الالتزام العسكرى الخارجى امتدت لأكثر من عقدين، ورافقها توسع هائل فى الإنفاق الدفاعى.

فى أكتوبر (تشرين الأول) 2001، بدأ الكونجرس الأمريكى تعديل القيود المالية للسماح بضخ عشرات المليارات من الدولارات فى اعتمادات عسكرية إضافية وطارئة، متجاوزة فى كثير من الأحيان الحدود التقليدية للإنفاق فى أوقات السلم.

ومنذ ذلك الحين، أصبح الحديث عن «اقتصاد الحرب الدائم» أو «المجمع الصناعى العسكرى» جزءا أساسيا من النقاش حول الاقتصاد والسياسة الأمريكية.

الأرقام تكشف حجم التحول. بلغت الموازنة العسكرية الأمريكية نحو 320 مليار دولار عام 2000، ثم 304 مليارات عام 2001، قبل أن ترتفع إلى 348 مليار دولار عام 2002، و493 مليارا عام 2004، و500 مليار عام 2005، وصولا إلى نحو تريليون دولار عام 2026.

وبذلك، يمثل الارتفاع الهائل والمستمر فى الإنفاق العسكرى منذ 11 سبتمبر أحد أبرز التحولات التى طبعت الحقبة الأمريكية فى مرحلة ما بعد الهجمات.

يوغوسلافيا..

الاختبار الذى سبق حروب القرن

لكن قصة هذا التحول لم تبدأ فى 11 سبتمبر. فقبل أفغانستان والعراق، كانت هناك يوغوسلافيا.

استمرت حرب الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسى (الناتو) ضد جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية 78 يوما، بين 24 مارس (آذار) و9 يونيو (حزيران) 1999. ووفق ما يورده المقال، خلصت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة إلى أن نحو 500 مدنى لقوا حتفهم خلال العملية.

كانت تلك الحرب لحظة مفصلية فى التعامل الغربى مع استخدام القوة العسكرية خارج الحدود. فقد تقبل الرأى العام فى الولايات المتحدة وأوروبا حملة قصف طالت مناطق سكنية، رغم سقوط قتلى وجرحى من المدنيين.

وكان لهذا الأمر أهمية كبيرة، وفقا للتحليل الذى يطرحه المقال، لأن الولايات المتحدة وحلفاءها انتقلوا بعد ذلك إلى حرب أفغانستان ثم العراق، حيث كان عدد الضحايا المدنيين أكبر بكثير.

والسؤال الذى يطرح نفسه هنا: هل أصبحت الحرب أكثر قبولا لدى الجمهور الغربى عندما تقدم عبر خطاب إعلامى وسياسى يبررها باعتبارها ضرورة أمنية أو إنسانية؟

يرى منتقدون أن السيطرة على الرواية الإعلامية لعبت دورا أساسيا فى تقليل حجم الاعتراض الشعبى على الحروب، وأن تجربة يوغوسلافيا قدمت نموذجا لما يمكن أن يحدث عندما تتحول القوة العسكرية إلى أداة مقبولة فى السياسة الخارجية.

أيزنهاور حذر.. والتحذير ما زال قائما

قبل نحو أربعة عقود من حرب يوغوسلافيا، كان الرئيس الأميركى دوايت أيزنهاور قد حذر الأميركيين من الخطر الذى قد يشكله «المجمع الصناعى العسكرى».

فى خطابه الشهير فى 17 يناير (كانون الثانى) 1961، حذر أيزنهاور من القوة المتنامية للتحالف بين المؤسسة العسكرية وصناعة الدفاع، ومن إمكانية اكتسابه «نفوذا غير مبرر» على سياسات الحكومة، مشيرا إلى أن وجود صناعة تسليح ضخمة ودائمة كان تطورا جديدا فى التجربة الأمريكية.

وتعلقت مخاوفه بإمكانية تحول هذه القوة إلى نفوذ يهدد العملية الديمقراطية والحريات الفردية. ودعا إلى وجود مواطنين «يقظين وواعين» للحفاظ على التوازن بين متطلبات الدفاع والأهداف السلمية، وحذر من تحول السياسة العامة إلى رهينة لنخب علمية وتكنولوجية ممولة من الحكومة.

وبعد أكثر من ستة عقود، تبدو تلك التحذيرات حاضرة بقوة فى النقاش حول حجم صناعة الدفاع الأمريكية وتأثيرها فى القرار السياسى.

خمسة عمالقة يهيمنون على صناعة الدفاع

تملك الولايات المتحدة أكبر مجمع صناعى عسكرى فى العالم. وبين عامى 1993 و2000، انخفض عدد الشركات الكبرى المتعاقدة فى قطاع الطيران والدفاع من 51 شركة إلى خمس شركات رئيسية: لوكهيد مارتن، وRTX، وبوينج، ونورثروب غرومان، وجنرال دايناميكس.

وفى السنة المالية 2024، ذهبت نحو 30٪ من عقود وزارة الدفاع الأميركية إلى هذه الشركات الخمس حصرا.

ويرى منتقدون أن هذا التركيز الكبير يستدعى مراجعة من منظور مكافحة الاحتكار، وربما اتخاذ إجراءات من جانب الكونجرس ووزارة العدل بهدف الحد من قوة هذه الشركات.

ولا تتوقف المشكلة عند حجم الشركات، بل تمتد إلى تكلفة البرامج العسكرية نفسها. فقد أفاد مكتب المساءلة الحكومية فى سنوات سابقة بأن 96 برنامجا رئيسيا للأسلحة تجاوزت تكلفتها التقديرات الأصلية بنحو 296 مليار دولار.

أما برنامج الطائرة المقاتلة «إف- 35» (F-35)، وهى أغلى منظومة أسلحة لدى وزارة الدفاع الأمريكية، فقد تأخر أكثر من عقد عن الجدول الزمنى الأصلى، فيما تجاوزت تكلفته التقديرات الأولية بنحو 183 مليار دولار.

عندما تلتقى السياسة بالمال

فى عام 2024، استحوذت الولايات المتحدة على 37٪ من إجمالى الإنفاق العسكرى العالمى. لكن السؤال لا يتعلق فقط بحجم الأموال التى تنفقها واشنطن على الدفاع، بل أيضا بمن يستفيد من استمرار هذا الإنفاق.

يضع المقال جزءا من المشكلة فى واشنطن، حيث يستفيد بعض أعضاء الكونغرس من منظومة الصناعات العسكرية عبر الاستثمارات الشخصية فى الأسهم، والتبرعات الانتخابية، والضغط السياسى لحماية الوظائف فى دوائرهم الانتخابية.

ويمتلك عشرات المشرعين الأمريكيين وأزواجهم أسهما تقدر بملايين الدولارات فى شركات دفاعية كبرى، مثل لوكهيد مارتن ورايثيون تيكنولوجيز (RTX). ويملك بعض هؤلاء أسهما فى شركات دفاعية فى الوقت الذى يشغلون فيه عضوية لجان برلمانية تشارك فى التصويت على موازنات الدفاع.

وتنفق شركات الدفاع عشرات الملايين من الدولارات سنويا على جماعات الضغط فى محاولة للتأثير فى القرارات المتعلقة بالإنفاق العسكرى. وتوفر مصانع الأسلحة والقواعد العسكرية آلاف الوظائف فى ولايات ودوائر انتخابية محددة، ما يجعل الإنفاق الدفاعى قضية اقتصادية وانتخابية، وليس مجرد قضية أمن قومى.

تريليون دولار.. والسؤال عن الأولويات

يرى منتقدو الإنفاق العسكرى المفرط أن الاقتصاد الأميركى يدفع ثمنا لذلك، لأن الأموال التى تذهب إلى القطاع العسكرى يمكن أن تحرم قطاعات مدنية أخرى من الموارد.

ومن شأن خفض الإنفاق على الأسلحة، وفق هذا الطرح، تحرير مليارات الدولارات لتوجيهها نحو الاحتياجات الداخلية، أو خفض العجز والدين الوطنى. ويمكن توجيه جزء من هذه الأموال إلى الرعاية الصحية والتعليم والطاقة النظيفة والبنية التحتية ووسائل النقل العام.

وتشير الأبحاث إلى أن الإنفاق الفيدرالى غير العسكرى يمكن، فى كثير من الحالات، أن يخلق وظائف أكثر مقابل كل دولار ينفق مقارنة بالإنفاق العسكرى.

هل تستطيع أمريكا اختيار السلام؟

صناعة السلام لا تعنى مجرد غياب الحرب، بل تعنى توظيف القدر نفسه من الاستراتيجية والتنظيم والموارد التى تستخدمها الدول فى الحروب من أجل بناء علاقات سلمية ومستدامة مع الدول الأخرى، وتعزيز العدالة الدولية والمساواة فى حقوق الإنسان.

فبدلا من صناعة الأعداء، يمكن لصناعة السلام أن تفتح الطريق أمام التعاون، وتجنب الصراعات، وتنقذ الأرواح.

وتصف الولايات المتحدة الصين حاليا بأنها «العدو رقم واحد»، فى وقت يستعد فيه الزعيم الصينى لزيارة واشنطن.

وهنا يبرز السؤال الأكبر: هل تستطيع الولايات المتحدة اتخاذ خطوة تاريخية تبتعد فيها عن منطق الحرب، وتعيد توجيه مواردها نحو السلام والازدهار؟

بعد 25 عاما على 11 سبتمبر، وبعد عقود من التوسع العسكرى، تبدو الإجابة أكثر أهمية من أى وقت مضى. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بحجم الجيش الأميركى أو عدد الأسلحة التى تمتلكها واشنطن، وإنما بالسؤال عن نوع الدور الذى تريد الولايات المتحدة أن تلعبه فى العالم: قوة تعتمد على الحرب، أم قوة تستخدم نفوذها لبناء السلام والازدهار؟

* صحفى سورى أمريكى مختص بالشأن الأمريكى والشرق الأوسط

ينشر بالتعاون مع CAES مركز الدراسات العربية الأوراسية

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا