آخر الأخبار

ديميتري بريجع يكتب: من الجبهة إلى حرب العمق.. كيف تعيد الحرب الروسية - الأوكرانية رسم معادلتها في خريف 2026؟

شارك

في الأول من سبتمبر (أيلول) 2026، التقى فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان خلف أبواب مغلقة فى قصر آلا آرتشا فى بيشكيك، على هامش قمة منظمة شنغهاى للتعاون. استمر اللقاء نحو ساعة ونصف، وحضره وزير الخارجية التركى هاكان فيدان ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن. لم يصدر عن الاجتماع بيان تفصيلى، وهذا فى حد ذاته مؤشر. بعد أربع سنوات ونصف من القتال، لم تعد المسألة المطروحة على الطاولة من يسيطر على قرية إضافية فى دونباس، بل من يملك القدرة على تحديد شكل الترتيبات الأمنية التى ستحكم أوروبا الشرقية والبحر الأسود بعد أن تتوقف المدافع.

الجبهة فى خريف 2026:

حركة بطيئة وكلفة مرتفعة

بحسب تقديرات معهد دراسات الحرب الأميركى المنشورة فى الأول من أغسطس (آب) 2026، بقى معدل التقدم الروسى منخفضا بعد شهرين ونصف من انطلاق الهجوم الروسى لربيع وصيف 2026، وقدر المعهد المساحة التى تقدمت فيها القوات الروسية بنحو 37.85 كيلومترا مربعا. فى المقابل، أعلنت كييف فى 12 أغسطس (آب) نتائج عملية هجومية مضادة فى محور أليكساندروفكا استمرت من يناير (كانون الثانى) حتى أغسطس، ويربطها المعهد بعوامل عدة، من بينها حملة قمع الدفاع الجوى الروسى وضربات المدى المتوسط ضد خطوط الإمداد، إضافة إلى قطع خدمة ستارلينك عن القوات الروسية العاملة فى أوكرانيا فى الأول من فبراير (شباط) 2026.

هذا لا يعنى أن الجبهة ساكنة. فالقوات الروسية تتقدم فعليا فى محور بوكروفسك وشمال سومى، وتستخدم القنابل الانزلاقية فى كوستيانتينوفكا بطريقة تحول أجزاء من المدينة إلى ركام يوفر ساترا لعمليات التسلل، وهو أسلوب يقدر معهد دراسات الحرب أنها تستعد لتكراره فى اتجاه سلافيانسك. لكن المنطق العملياتى تغير: لم يعد الهدف تحقيق اختراق سريع، بل ممارسة ضغط مستمر يستنزف الاحتياطى البشرى الأوكرانى.

هنا تكمن نقطة الضعف الأوكرانية الأخطر. فى يناير (كانون الثانى) 2026، قدر وزير الدفاع الأوكرانى ميخايلو فيدوروف عدد الجنود الغائبين دون إذن رسمى بنحو مئتى ألف، وعدد الرجال المتهربين من استدعاءات التجنيد بنحو مليونين. وكانت النيابة العامة قد سجلت 165،200 قضية غياب عن الوحدة فى الأشهر العشرة الأولى من 2025 وحدها. والاستراتيجية الأوكرانية المعلنة، كما صاغها فيدوروف، تقوم على فرض خسائر أكبر مما يستطيع الخصم تعويضه، وهى معادلة رياضية أكثر منها معادلة أرض.

حرب العمق: النفط فى مقابل الكهرباء

القتال الحقيقى فى 2026 يدور على بعد مئات، وأحيانا آلاف، الكيلومترات من خط التماس.

على الجانب الروسى، الأرقام قاسية. انخفض حجم التكرير فى يوليو (تموز) 2026 إلى نحو 3.6 مليون برميل يوميا، وهو أدنى مستوى منذ مايو (أيار) 2002، وأقل بنحو الثلث من المعدل الموسمى. وأعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية استهداف اثنتى عشرة مصفاة كبرى فى أغسطس (آب)، ضمن ما لا يقل عن واحد وعشرين هجوما مسجلا. وتراجع إنتاج البنزين بنحو عشرين فى المئة، وإنتاج الديزل بأكثر من ثلاثة وعشرين فى المئة على أساس سنوى خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من أغسطس. وهبط إنتاج النفط الخام الروسى إلى 8.89 مليون برميل يوميا، وهو أدنى مستوى فى ست سنوات، وأقل بنحو مليون برميل عن السقف المسموح به لروسيا داخل اتفاق أوبك بلس. واضطرت موسكو إلى فرض حظر مؤقت على معظم صادرات الديزل والبنزين ووقود الطائرات، وإلى تحويل براميل كازاخية نحو نوفوروسييسك لتفريغ مساحة لخامها فى أوست لوغا الأقل عرضة للاستهداف.

على الجانب الأوكرانى، الأرقام أقسى. انخفضت القدرة التوليدية المتاحة من نحو خمسة وخمسين غيغاواط قبل الحرب إلى نحو 11.5 غيغاواط بحلول فبراير (شباط) 2026. وفى هجوم ليلتى 2 و3 فبراير، أطلقت روسيا أكثر من سبعين صاروخا باليستيا ومجنحا ونحو 450 مسيرة، ولم تعترض الدفاعات الأوكرانية سوى ثمانية وثلاثين صاروخا، فى درجات حرارة بلغت عشرين درجة تحت الصفر. وفى 30 أغسطس (آب) 2026، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها بدأت الإعداد لضربات واسعة على منشآت الطاقة الأوكرانية، ووصفتها صراحة بأنها رد على استهداف كييف للبنية النفطية الروسية.

هذه ليست حربا موازية، بل الحرب نفسها. فالطرفان يستهدفان القدرة على الاستمرار، لا القدرة على الاحتفاظ بالأرض.

أوروبا وواشنطن: معادلة دعم تتغير

فى قمة الناتو التى عقدت فى أنقرة فى يوليو (تموز) 2026، تعهد الحلف بسبعين مليار يورو لأوكرانيا خلال 2026، مع التزامات سيادية بمستويات مماثلة فى 2027، إلى جانب مبادرة «درون إيدج» لمكافحة المسيرات بأكثر من أربعين مليار دولار على خمس سنوات، واستثمار بقيمة سبعة وعشرين مليار يورو فى سلاسل إمداد الوقود.

لكن التحول الأهم حدث فى اتجاه آخر. فالحرب الإيرانية التى اندلعت فى 28 فبراير (شباط) 2026 غيرت أولويات واشنطن. وفى مارس (آذار) 2026، تردد أن الولايات المتحدة تدرس إعادة توجيه أسلحة كانت مخصصة لأوكرانيا نحو الشرق الأوسط. وأصبح الدفاع الجوى، وهو المورد الأكثر ندرة والأشد حساسية، موضع تنافس بين مسرحين. وترى موسكو، بحسب خطابها، أن هذه هى المعادلة التى راهنت عليها: كلما طالت الحرب وارتفعت كلفتها، ازدادت صعوبة الحفاظ على وحدة المعسكر الغربى. المعطيات لا تكذب هذا التقدير ولا تؤكده بالكامل؛ فقد رفعت أوروبا مساهمتها فعليا، لكنها لم تعوض بالكامل ما تراجعت عنه واشنطن.

لماذا ترفض موسكو وقف إطلاق النار وحده؟

هذا هو جوهر الخلاف، وهو أكثر ما يساء فهمه فى التغطية العربية.

الموقف الروسى الرسمى لا يرفض التفاوض، بل يرفض تسلسله. ترى موسكو أن وقف إطلاق نار غير مشروط على خطوط التماس الحالية سيمنح كييف فترة لإعادة التسليح وبناء الاحتياطى البشرى، من دون معالجة ما تسميه القيادة الروسية «الأسباب الجذرية للصراع». وقد صرح وزير الخارجية سيرغى لافروف فى أغسطس (آب) 2026 بأن اتفاقا لوقف إطلاق النار على أساس خطوط الجبهة الراهنة غير مقبول لموسكو.

المصطلح نفسه يحتاج إلى تفكيك لا إلى ترديد. ففى الخطاب الروسى الرسمى، تشمل «الأسباب الجذرية» أربعة عناصر: الوضع الأمنى لأوكرانيا وعلاقتها العسكرية بالغرب، ومستقبل توسع الناتو شرقا، ووضع الأراضى محل النزاع، ومكان روسيا داخل أى هندسة أمنية أوروبية جديدة. وقد أصر لافروف مرارا على أن أى ضمانات أمنية لأوكرانيا يجب أن تصاغ بمشاركة روسية، مستندا إلى صيغة مفاوضات إسطنبول 2022. أما القراءة الغربية والأوكرانية، فترى فى هذا الطرح محاولة لانتزاع حق نقض دائم على السيادة الأوكرانية، واستعادة نفوذ على قراراتها الداخلية.

الفارق بين «وقف الحرب» و«معالجة أسبابها» ليس خلافا فى الصياغة، بل خلاف على من يملك تعريف الأمن الأوروبى.

هل المفاوضات مجمدة فعلا؟

المسار الثلاثى الذى جمع كييف وواشنطن وموسكو معلق منذ فبراير (شباط) 2026 بفعل انفجار الحرب الإيرانية. وفى 7 مايو (أيار)، اعتبر الكرملين الصيغة غير مناسبة ما لم تنسحب القوات الأوكرانية من مناطق دونباس الخاضعة لسيطرة كييف. ونشر الرئيس الأوكرانى رسالة مفتوحة إلى نظيره الروسى فى 4 يونيو (حزيران)، دعا فيها إلى لقاء مباشر ووقف كامل لإطلاق النار وتبادل شامل للأسرى. ورفضت موسكو فى أغسطس (آب) مقترحا أوكرانيا لوقف إطلاق النار فى البحر الأسود.

ومع ذلك، فإن الحديث عن «موت الدبلوماسية» مبالغة. فقد جرت هدنتان قصيرتان فى 2026، الأولى لمدة اثنتين وثلاثين ساعة فى عيد الفصح الأرثوذكسى فى 11 أبريل (نيسان)، والثانية بين 9 و11 مايو (أيار). وتواصلت عمليات تبادل الأسرى بلا انقطاع تقريبا. المسار التفاوضى ليس مجمدا، بل مؤجل إلى حين تحسين شروط الطرفين على الأرض وفى العمق.

وهنا يبرز دور الوسطاء غير الغربيين. تحتفظ تركيا بقنوات مفتوحة مع العاصمتين؛ فقد زار فيدان موسكو فى يونيو (حزيران) وكييف فى يوليو (تموز)، وكرر أردوغان فى أنقرة عرض استضافة مفاوضات جديدة. أما الإمارات، فقد أنجزت وساطتها السادسة والعشرين فى 19 أغسطس (آب) 2026، ليبلغ إجمالى من شملتهم عمليات التبادل بوساطتها 7،997 شخصا. واستضافت السعودية جولات بين المفاوضين الأميركيين والروس والأوكرانيين، فيما ركزت قطر على ملف الأطفال. وهذه ليست أدوارا رمزية، بل البنية التحتية العملية لأى تسوية مقبلة.

ماذا تريد موسكو فى النهاية؟

من زاوية تحليلية بحتة، لا يعنى النصر بالنسبة إلى موسكو احتلال كييف أو السيطرة على كامل الأراضى الأوكرانية. ويتركز الحد الأدنى المرجح لأهدافها فى أربعة ملفات: اعتراف عملى، ولو غير قانونى، بوضع الأراضى الخاضعة لسيطرتها؛ وسقف دائم على القدرات العسكرية الأوكرانية والوجود العسكرى الغربى فى أوكرانيا؛ وإغلاق ملف انضمام كييف إلى الناتو؛ ومسار تدريجى لتفكيك جزء من نظام العقوبات وإعادة دمج الاقتصاد الروسى.

بعبارة أخرى، لا تسعى موسكو إلى تجميد الحرب عند خط، بل إلى تغيير البيئة الأمنية التى أنتجتها. وهذا بالضبط ما يجعل التسوية صعبة: فالطرف الآخر يرى فى هذه المطالب لا نهاية للحرب، بل تثبيتا لنتائجها.

الاستنتاجات

أولا، انتقلت الحرب من محاولة الحسم السريع إلى مواجهة استراتيجية طويلة، ولم يعد معدل التقدم الميدانى مؤشرا كافيا لقياس من يكسب.

ثانيا، تراهن روسيا على الزمن وتفكك الإجماع الغربى أكثر مما تراهن على اختراق عسكرى، لكن رهانها على الزمن أصبح أكثر كلفة مما كان عليه فى 2024، بعد دخول قطاعها النفطى دائرة الاستهداف المباشر.

ثالثا، ما زالت أوكرانيا قادرة على إلحاق أضرار استراتيجية عميقة داخل روسيا، لكن قدرتها على الصمود مرتبطة بشرطين خارجيين: التمويل الأوروبى وتوافر الدفاع الجوى، وكلاهما أصبح موضع تنافس مع الشرق الأوسط.

رابعا، أصبحت الطاقة والموانئ والمصافى وشبكات الكهرباء ساحة قتال مركزية. ومن يحمى اقتصاده وإنتاجه العسكرى مدة أطول يملك قدرة أكبر على فرض شروطه.

خامسا، لا تريد موسكو، بحسب خطابها المعلن، تجميد الحرب، بل إعادة صياغة الهندسة الأمنية التى سبقتها، وهذا هو سبب رفضها وقف إطلاق النار المجرد.

سادسا، ستحتاج أى تسوية نهائية إلى إطار أوسع من موسكو وكييف، يشمل واشنطن وأوروبا، ومعهما تركيا ودول الخليج بوصفها قنوات قادرة على العمل مع الطرفين فى آن واحد.

سابعا، السيناريو الأرجح فى المدى القريب ليس استسلام أى طرف، بل استمرار الاستنزاف إلى أن تصبح كلفة مواصلة الحرب أعلى من كلفة التسوية لدى أحد الطرفين أو ممولى أحدهما.

* باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية فى مركز الدراسات العربية الأوراسية

ينشر بالتعاون مع CAES مركز الدراسات العربية الأوراسية

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا