«ما لحقش يتهنى بدبلة الخطوبة فى إيده، لبسها يومين وفى التالت اتقتل.. واقف في محله بياكل عيش، جاله زبون قاله: (عايز غطاء الجنزير نسيته عندك)، قاله: (لأ مفيش حاجة عندى، وقلت لك متجيش هنا تانى).. كلمة من هنا وهناك، والزبون ده اصطحب صديقًا له (تيك توكر) مشهور، وكل واحد فيهم سدد له كذا طعنة فى صدره وظهره فسقط ميتًا».
ملخص مأساوى لجريمة قتل «محمود عرفة»، ميكانيكى الموتوسيكلات فى الكونيسة بالجيزة، المحبوب من «طوب الأرض»، كما يروى والداه، ويقول الأب: «ده سندى.. وبيصرف عليا.. من ساعة ما جت لى جلطة ومش بتحرك»، والأم تتساءل بحرقة: «مين اللى هيأكلنا دلوقتى؟».
بينما كان الأهالى يباركون لـ«محمود»، صاحب الـ21 عامًا، على خطوبته ويدعون أن تكون عروسه «فتحة خير عليه»، توقف الشاب «م» بدراجته النارية أمام الورشة، وخلفه «التيك توكر» «ع. ف»، ليوجه للميكانيكى الشاب طلبًا مباغتًا: «فى غطاء جنزير نسيته وعايزه»، فرد بحسم: «مفيش حاجة.. وقلت لك مش هتدخل الورشة دى تاني».
تلك اللحظة رصدها شقيقه «محمد» لينقل تفاصيلها أمام والديه، مستحضرين شكاوى ابنهما المتكررة من ذلك الزبون: «قالنا مش بيدفع فلوس.. وعلى طول بيغالطه فى الحساب».
سبق الموقف الأخير طرد الميكانيكى لـ«م» نحو 3 مرات من الورشة، «مفيش تصليح موتوسيكلات هنا»، كان يقولها له فى كل مرة، يذكر «محمد»، الأخ الأصغر لـ«محمود» الذى يعاونه فى العمل بعض الأوقات.
ورغم ما دار أمام عينيه، لم يدر فى ذهنه يومًا «إن أخويا يتقتل قدام منى»، لذا حين اصطحب «الزبون بتاع المشاكل» شقيقه إلى مكان بعيد عن الورشة بحجة زعم اختفاء علبة الجنزير لتسوية الأمر، ظن أنه «هيراضيه بكلمتين» يقول لـ"المصري اليوم": "ما عدتش ثوانٍ بالضبط، إلا وكان (ع) رايح لهم، وبيتحسس (مطواة) مخبيها فى هدومه وهو بيقرب منهم".
صوت «آه» التى أطلقها الميكانيكى الشاب عاليًا، لفتت انتباه أخيه «محمد» الذى هرول ناحية أخيه: «لقيته سايح فى دمه»، إذ كان «م» وصديقه «التيك توكر» قد أنهيا حياته على الفور: «ضربوه فى صدره وظهره بـ(مطواة)، وقطعوا جسمه ووجهه بـ(كتر)». وحين حاول شقيق المجنى عليه التدخل «ياخد حقه»، كما يقول، «واحد فيهم عض إصبعى، والتانى ضربنى بالسلاح الأبيض، وكانوا هيقطعوا العقلة».
حمل الأهالى المجنى عليه إلى مستشفى «قصر العينى»، واتصلوا بوالده ليخبروه بأن «فيه مشكلة حصلت معاه فى الورشة.. واتضرب ضرب موت». كان الأب شبه «يجرجر نفسه جر على الأرض»، فهو وفق حديثه: «لسه قايم من عملية جراحية.. مركب دعامتين فى القلب بعد جلطة شديدة»، وما إن اقترب من قسم الطوارئ حتى تمتم: «ربنا يعديها على خير»، لكنه فوجئ بسكوت الأطباء ونظرات أعينهم التى تشير إلى وقوع مصيبة، ولما التف أصدقاء الابن من حوله، صرخ فيهم: «محدش يقولى (محمود) مات».
فكرة إنهاء حياة ابنه فى هكذا موقف «علشان رفض يصلح موتوسيكل لزبون»، لم يستوعبها والد «محمود»، كأن الأمر «مستحيل يحصل»، فكان يقول: «لسه خاطب له من يومين.. يوم إجازته من الورشة روحنا للعروسة قرأنا الفاتحة مع أهلها.. ولبسناهم الدبل.. يروح منى فى غمضة عين.. إحنا ناس غلابة.. قعدت من شغلى وبقيت شبه عاجز عن الحركة.. كان بيصرف عليا وعلى دواى.. على أمه وأخوه الصغير.. لأن ابنى الكبير عايش بعيد عننا.. وكان هو الخير والبركة بتاعة البيت».
والد المجنى عليه الذى توجه إلى ديوان قسم العمرانية، اتهم «م» و«التيك توكر» «ف» بأنهما «قتلاه عمدًا مع سبق الإصرار والترصد»، معضدًا ما نسبه لهما بفيديوهات من كاميرات المراقبة: «كانوا جايين ناويين له شر، واحد نزل يتكلم مع ابنى والتانى ظهر ومعاه (مطواة)، وراح على ضنايا، أول ما شاف الخناقة بدأت، والاتنين ضربوه وموتوه».
قوات الشرطة، وفق حكى الأب المكلوم، لم تستغرق ساعات حتى ضبطت المتهمين واعترفا بجريمتهما، ليعاود كلامه عن سبق الإصرار: «الناس كلها تشهد إن ابنى طالب (مصطفى) مايجيش عنده تانى»، وتدمع عيناه: «الجميع بيحب ولدى، وهو صنايعى معروف على صغر سنه، مش بتاع مشاكل ولا بيحبها، وإحنا على قد حالنا، وكل اللى عايزينه القانون ياخد مجراه، أقصى عقوبة بحق اللى قطفوا زهرة بيتنا».
«أبو محمود» يتوجع فى منزله، تارة من مرضه وأخرى لفقدان «روح قلبه»، يأتيه المعزون يحاولون تهدئته: «دلوقتى هو فى مكان أفضل، راح للجنة»، فيرد عليهم بصوت مكسور: «ده مات فى مكان أكل عيشه.. ده شهيد».
نغمة الحزن تلك تزداد حدتها مع أم المجنى عليه التى اكتست بالسواد، وبصوتها المبحوح «من كتر البكاء والصراخ»، تقول إن ابنها «ما لحقش يتهنى بدبلة الخطوبة.. أصحابه يدوب باركوا له.. فرحتنا اتكسرت، وضهرنا اتقطم بضياع السند، خايفين إيدنا تمتد للغريب والقريب من بعده، لأنى طول عمرى ست بيت بسيطة، وجوزى صنايعى وبقى مريض، وكان هو عامود البيت كله».
فرغم أن «أم محمود» مستعدة لأن «تأكل عيش حاف»، إلا أنها ترفض تمامًا المساومة على «دم نور عينى»، إذ ترفض ما طُرح عليها من إمكانية إنهاء القضية بالتنازل مقابل مبلغ مادى: «لو حد فى أهالى المتهمين معاه فلوس.. إحنا عندنا كرامتنا فوق كل شىء، وبلدنا فيها قانون عادل، اللى عاوزينه أقصى عقوبة».
من حولها، خافوا عليها لفرط بكائها الذى اشتد، فيما تقول: «لسه راجعة من دفنة ابنى.. بدل ما نروح بلدنا فى الفيوم نعزم الناس على فرحه.. رحنا بجثته ندفنها.. لبسته كفن حبيبى اللى كان نفسى أشوفه بالبدلة يوم فرحه قلب أمه.. يا فرحة ما تمت!».
ورشة «محمود» أُغلقت عقب الحادث، وصار المارة يمرون من أمامها مترحمين عليه: «ده كان حتة سُكرة.. صنايعى نضيف والكل بيحب شغله»، بينما يعلو صوت آخرين مدينين سلوك المتهمين: «بتوع مشاكل ومحدش بيحبهم خالص».
بدورها، باشرت النيابة العامة تحقيقاتها فى الواقعة، وأصدرت قرارها بحبس المتهمين «م» وشريكه «التيك توكر» 4 أيام على ذمة التحقيقات، وتوجيه تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد لهما.
كما أمرت النيابة بانتداب الطب الشرعى لتشريح جثمان المجنى عليه «محمود» لبيان تفاصيل الإصابات وأسباب الوفاة والأداة المستخدمة فى الاعتداء، مع طلب تحريات المباحث النهائية حول ملابسات الجريمة ودوافعها.
المصدر:
المصري اليوم