جاءتنى رسالة مؤلمة من الصديق العزيز أد أسامة حمدى أستاذ الطب بجامعة هارفارد بعد انتهاء زيارته المعهودة لبلده مصر جاء فيها:
(غادرت مصر بعد إجازة ممتعة بين الأهل والأصدقاء وأنا أسأل نفسى: ماذا وجدت فيها واضحا وجليا هذه المرة؟
1-وجدت دولة مهووسة بالعقارات ونقاش العقارات وإعلانات الشاليهات والفيلات بعشرات الملايين فى حين أن معظم الشعب يعانى فى حياته اليومية ولقد أصبحت الطبقية فجة فى مصر فطبقة صغيرة تملك كل شيء وباقى الشعب يتطلع إليها أو يخدمها أو يحقد عليها.
2-وجدت طرقا رائعة ومتسعة، ولكن سلوكيات الناس عليها (عايزة الحرق) فمازالت قيادة السيارات هى أكبر خطر يهدد حياة البشر فى مصر وكأنك فى سيرك قومى والدولة فى حالة عجز شبه تام عن تنظيم المرور وربما لا تعترف بضرورة سحب رخص السيارات المظلمة والمتهالكة والمتراقصة والسائرة فى عكس الاتجاه أو لا تملك الوسيلة أو الإرادة لفعل ذلك!
3-وجدت استمرارا واضحا لتدهور الأخلاقيات بسرعة ملحوظة تنذر بالخطر فالكذب والجشع والاحتيال والنفاق وعدم احترام الكلمة أو الموعد أو الاتفاق أصبحت من المسلمات اليومية فى غياب شبه تام لدور الأسرة والمدرسة والجامع والكنيسة فى تقويم أخلاقيات الشعب..
4-وجدت التخلى شبه الكامل عن الهوية اللغوية فمعظم المحال والمراكز التجارية والتجمعات السكنية أصبحت تملك أسماء انجليزية وغالبية الشباب المتعلم يتكلم كلمتين باللغة العربية وكلمة باللغة الإنجليزية من باب الوجاهة الاجتماعية وليته يتقنها حتى صرت تسمع فى لغتهم تنوينا وجرا ورفعا وجمعا للكلمات الإنجليزية بقواعد النحو العربى!
5-وجدت الجنون والهوس المتفاقم بوسائل التواصل الاجتماعى و(الترند) والهيافات والشائعات ونظريات المؤامرة والخداع المقصود بالذكاء الاصطناعى والذكاء الطبيعى (المسمى الفهلوة) !
6-وجدت انتشارا واضحا وصريحا للخرافة والجدل والخزعبلات والشطط الدينى واللادينى والفتاوى والشجار والتعنت الفكرى مع تدخل فج فى خصوصيات الناس وفرض الوصاية الدينية عليهم وعلى سلوكياتهم مع تضخم النفاق الأخلاقى والاجتماعى والتدين الظاهرى..
غادرت حزينا جدا على ما وصلنا اليه فما وجدته يؤكد أننا فى منزلق اجتماعى وسلوكى خطير قد يضرب بقوة فى جذور البنية الأساسية المصرية فى ظل غياب التوجيه الإعلامى وانهيار دور الأسرة والمدرسة والانحدار الثقافى والأخلاقى الناشئ عن الجهل والجشع أو السعى إلى سد الرمق بطرق ملتوية.. أتمنى أن نتدارك كل ذلك قبل فوات الأوان وألا ندفن رؤوسنا فى الرمال أو ننكر ما أصبحنا عليه الآن)..
انتهت رسالة الأخ العزيز أد أسامة حمدى المصرى حتى النخاع والذى لا يبخل بعلمه وبإمكانياته ونصائحه سنويا من أجل علاج أطفال مرضى السكر وقد كانت رسالته موجهة إلى كل مسؤول من أجل مستقبل أفضل لمصر وسوف أوضح ما جاء فى رسالته على أرض الواقع..
أولا.. الطبقية المقيتة وسعار العقارات هما وجهان لعملة واحدة فى المجتمعات الحديثة حيث تحول السكن من حق إنسانى أساسى إلى أداة مضاربة واستثمار تلتهم مدخرات الشعوب وتوسع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية.. فلم يعد المجتمع يختلط ببعضه كما كنا فى الماضى بل أصبحت هناك مدن ومجتمعات مغلقة للأثرياء مقابل أحياء متهالكة أو عشوائية للطبقات الوسطى والدنيا بالرغم من محاولة الحكومة تحسن أحوالهم.. مع سعار الأسعار التى لا ترتفع بناء على القيمة الحقيقية للبناء بل بسبب المضاربات العقارية وجشع الشركات التى تسوق لمفهوم (الحياة النخبوية) لتبرير الأرقام الفلكية وأصبح سوق الإسكان المتوسط وفوق المتوسط فى مصر يعانى بشكل كبير وهو ما يمثل جزءا منسيا من سوق العقارات أو شريحة مهمة من المجتمع.. وقد تفاءلنا بقرار الرئيس السيسى مؤخرا بضرورة فحص المهازل التى أصابت الكثيرين الذين وقعوا فى شبكة البعض من المطورين العقاريين..
ثانيا.. فشل التحكم فى تنظيم المرور بالشارع المصرى ولابد من الاعتراف بذلك على الرغم الجهود المكثفة التى تقوم بها وزارة الداخلية وكذلك النجاح فى توسيع الشوارع فى الكثير من المحافظات ولكن للأسف الشديد هناك غياب واضح للتنسيق المشترك فالأمر يتطلب تعاونا متكاملا بين الداخلية ووزارات النقل والإسكان والإدارات المحلية والمحافظ وهو ما يواجه قصورا فى التنسيق الميدانى.. فهناك طرق تواجه مشاكل هندسية وعشوائية فى فتحات الالتفاف والتقاطعات التى تفتقد للإشارات الضوئية الكافية مما يضاعف من الاختناقات المرورية بالإضافة إلى الزيادة السكانية الكثيفة وانتشار وسائل النقل غير الرسمية وسلوكيات القيادة اليومية التى تساعد فى تفاقم الفوضى وصعوبة الضبط الكامل.. ولابد من الاعتراف بأن الحكومة فشلت فى التحكم فى سير الميكرو باصات التى أصبحت تعيث فى الأرض فسادا ولا تليق بمصرنا الجديدة.. وكذلك الحال مع (التوك توك) التى لا تعترف بأى قانون للسير..
وتبقى كارثة التأخر الشديد غير المفهوم فى إجراء الانتخابات المحلية والتى لها دور كبير فى السيطرة على الشوارع بعد إشراك الشباب المؤهلين علميا وسياسيا للمساهمة فى تقليل الحوادث التى زادت حدتها فى السنوات الأخيرة..
ثالثا.. عدم احترام اللغة الأم – اللغة العربية – ويشعر الجميع بحجم الكارثة وضخامة المسؤولية وصعوبة الحل فى ضرورة احترام اللغة العربية التى كان إهمال الأسرة لها من أسباب انهيارها بالإضافة إلى نقص تدريب المعلمين وقصور المناهج المدرسية فى تحبيب اللغة للطلاب مع ضعف تطبيق القوانين التى تحمى اللغة..رابعا.. تدهور أخلاقيات المجتمع ويرجع فساد الأخلاق الذى يستشرى تدريجيا إلى الابتعاد عن القيم الدينية والتربية السليمة وغياب الرقابة الذاتية والضمير الحى وإهمال الأسرة لمراقبة الأبناء وغياب القدوة الحسنة ورفقاء السوء..
خامسا.. التدين الشكلى والذى يعنى الانفصال التام بين أداء الطقوس والشعائر الدينية وبين تطبيق الجوهر الأخلاقى والقيمى للدين..وأصبح السؤال هنا ليس هل صلى الإنسان؟ وانما ماذا صنعت الصلاة بالإنسان؟ فالعبادة التى لا تغير طريقة التفكير ولا تهذب اللسان ولا تكف اليد عن الظلم لم تبلغ غايتها مهما بلغت دقتها الفقهية ولهذا جاء القرآن الكريم حاسما حين ربط الصلاة بأثرها الأخلاقى قبل صورتها الظاهرة (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) صدق الله العظيم.
المصدر:
المصري اليوم