فى البداية، كان الصوت هامسًا، لم أكن أسمعه، كل يوم كان يأتى فى اللحظات التى أكون فيها وحدى، حين ينطفئ البيت وتبقى الأشياء معلقة فى عتمتها: الكرسى، الستارة، الكوب الذى نسيت أن أغسله، كان يقول: لا تفعلى، لم أسأله: ماذا؟، كنت أعرف، تجاهلته أيامًا، ثم أسابيع، لكن الصوت لم يتعب، كان يستيقظ قبلى، وكنت أتكلم بصوت مرتفع أحيانًا، ثم ألتفت حولى خوفًا من أن يسمعنى أحد، وهذا ما كان يخيفنى أكثر، مع الوقت تغيّر الصوت، لم يعد يحذرنى فقط، لكنه صار يحرضنى حين أتردد أمام الهاتف، يقول: اتصلى، وحين أمد يدى يصرخ: لا تتصلى!، حين أريد البكاء، يضحك، كنت أعيش كأن شخصًا آخر يستأجر رأسى دون أن يدفع إيجارًا، وفى إحدى الليالى، غضب منى وقال: أنت جبانة، فقلت له: أنا متعبة، كانت هناك أشياء كثيرة نسيتها، أو أقنعت نفسى أننى نسيتها، منذ تلك الليلة بدأت الأحلام تعود مجددًا، باب مفتوح، ممر طويل، امرأة تقف فى آخره، ووجهها فى مواجهة الحائط، وطفلة كانت تجلس على الأرض وتبكى، وفى كل مرة كنت أقترب من الطفلة، أستيقظ قبل أن أرى وجهها، حتى جاء الصباح الذى وجدته يجلس على حافة سريرى، لم أر أحدًا، لكننى سمعته بحدة يقول: لماذا تركتِنى وحدى كل هذه السنوات؟ كان قلبى يضرب صدرى بعنف: من أنت؟، ضحك ضحكة قصيرة وحزينة، هذا هو السؤال الذى تأخرتِ كثيرًا عن طرحه، ثم بدأ يذكر أشياء لا يعرفها أحد، أماكن، أسماء، تفاصيل صغيرة من طفولتى، أشياء كنت دفنتها تحت طبقات من النسيان، وأخيرًا قال: انظرى للمرآة، لم أتحرك، وقفت، اقتربت من المرآة، كان وجهى شاحبًا جدًا، وعيناى كانتا غائرتين، رفعت يدى، فعل انعكاسى الشىء نفسه، ابتسمت، لم يبتسم، تجمد الدم فى عروقى، للمرة الأولى فهمت، الصوت لم يكن يعيش فى رأسى، كان يعيش فى المرآة، ثم رفع انعكاسى إصبعه إلى شفتيه، وقال بصوتى: لا تخبرى أحدًا، ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أتكلم معه، هو الذى يتكلم، وأنا أستمع، لكننى بدأت ألاحظ شيئًا آخر، كل ليلة، حين أنام كان يقترب أكثر، وفى الليلة الماضية، لم أجده فى المرآة، وجدته يقف خلفى، وحين استدرت، لم يكن هناك أحد، فقط صوتى، للمرة الأولى، جاء من مكان بعيد: الآن جاء دورك أن تبقى فى الداخل، ومنذ ذلك الحين لا أعرف: هل أنا التى كتبت القصة أم هو؟