مبادرة «تخضير» القاهرة خطوة ضرورية لتعويض الخسائر الهائلة الناتجة عن الهجمة الشرسة التى طالت الأشجار، خاصة المُعمرة منها، والمساحات الخضراء بالعاصمة. خلال تلك الهجمة، فقدت القاهرة، طبقا لدراسات موثقة، نحو 910.894 مترا مربعا من غطائها النباتى. قد نحتاج عشرات السنين لإعادة القاهرة إلى الوضع الذى كانت عليه قبل 10 سنوات. وهو وضع كنا نشكو منه أساساً. لكن، ونحن نبذل هذا الجهد، علينا أن نتذكر جيدا أن المواطن المصرى هو الغاية من «التخضير» و«التشجير». هذا المواطن بحاجة ماسة هو أيضا إلى «تخضير». عوامل كثيرة على مدى العقود الماضية، ساهمت فى «تصحيره» سلوكاً وذوقاً وأخلاقاً وتفكيراً.

التصحير ليس فقط غياب الخضرة والخدمات، بل تعرّض الإنسان لعملية تآكل فى جوهر إنسانيته وإفراغ لذاته من معناها. التعليم الحقيقى هو البداية الحقيقية لتخضير البشر. وعندما لا ينجح هذا التعليم فى تخليصه من الأُمية التعليمية والبيئية والاجتماعية، فإن التصحُّر يحضر. حصول الإنسان على حقوقه الصحية المتمثلة فى العلاج المجانى باعتباره دافع ضرائب، جزء من عملية التخضير. حق كل مواطن فى الحصول على مسكن مناسب وكوب ماء نظيف شروط أساسية. لكن التخضير ليس ماديا فقط. جوهره الثقافة والفن والتفكير النقدى الحر. التعليم والثقافة ليسا مجرد معلومة أو فكرة، بل نقاش وتفكير حولهما. غياب المسارح والمكتبات العامة ومراكز الشباب يترك فراغاً تملؤه السلوكيات العشوائية والغريبة. توافر المناخ الذى يسمح بنقاش حر وتوليد للأفكار فى شتى المجالات هو البداية الحقيقية لتخضير البشر.

اختفاء الجمال من حولنا، سواء كان حديقة غنّاء أو مبنى معماريا فريدا أو معرضا فنيا، جعل غالبية المصريين يفتقدون الحاسة الجمالية. لم يعد يستوقفهم منظر مؤذٍ فى الشارع. واجهات بيوتهم غير مريحة بل تحمل من الفجاجة والقُبح الكثير. مات الذوق العام أو كاد. أصبح التعدى على الشارع أو على الآخر سلوكا طبيعيا. مات الوعى بالجمال وبضرورة احترام الآخر. تصحُّر البشر يرتبط أيضاً بالعمارة والمدن الخرسانية. العمارة ليست مجرد جدران وأسقف بل أداة مادية لتشكيل الوعى والسلوك البشرى. عندما نعيش وسط عشوائية معمارية وخرسانية، يجب ألا نسأل «لماذا انحدر الذوق العام؟».

تخضير البشر دور أساسى للدولة. المبادرات الفردية والمجتمعية مهمة.. لكن للدولة أدوار لا يمكن لغيرها القيام بها. أهمها: ترتيب الأولويات. الاستثمار فى البشر أهم أولوية. كل الأولويات الأخرى وسيلة لخدمة الإنسان. وصول الخدمات التعليمية والصحية والثقافية إلى مستحقيها فى الريف والصعيد والمناطق العشوائية مهمة لا تقوم بها إلا الدولة. إعادة الاعتبار للتخطيط العمرانى الإنسانى أولوية رئيسية. الشوارع لخدمة حركة البشر وليس فقط لتسهيل حركة السيارات. حق المواطن فى مساحات مشاة مخصصة له حق أصيل يجب عدم الجور عليه لتوسيع الشارع.. إنه جزء من شعوره بقيمته وكرامته داخل وطنه.

تحريك المياه فى بحيرة راكدة يتطلب أن نقذف بحجارة ثقيلة وليس مجرد حصوات. نحن بحاجة إلى نوبة صحيان لإعادة بناء الإنسان المصرى ثقافيا وتعليميا وفكريا. تخضير المواطن لن ينجح طالما ظل يعانى من «تصحُّر» حقوقه الأساسية فى التعليم والصحة والثقافة والتفكير الحر.