في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في أحد أروقة معهد أسيوط الديني العتيقة، تقف آلاف الكتب مصطفة في هدوء، كأنها جنود تحرس ذاكرة قرن كامل من العلم والمعرفة؛ هنا، لا تبدو مكتبة معهد أسيوط الديني مجرد رفوف تحمل الكتب، بل أشبه بمتحف حي يروي قصة مدينة آمنت بالعلم، وحلم بدأ منذ أكثر من مئة عام وما زال ينبض بالحياة حتى اليوم.
تبدأ الحكاية عام 1919، حين كان السفر من أسيوط إلى القاهرة رحلة شاقة يتحملها طلاب العلم الراغبون في الدراسة بالأزهر الشريف. وقتها، أدرك أبناء المحافظة حاجتهم إلى صرح علمي يخفف عنهم عناء الطريق، فكانت البداية بسيطة داخل أروقة المسجد الأموي الكبير، حيث انعقدت حلقات العلم لتدريس التفسير والفقه والتوحيد وعلوم اللغة العربية.
ومع تزايد أعداد الطلاب واتساع دائرة المعرفة، لم تعد الحلقات العلمية كافية؛ تحول الحلم تدريجيًا إلى مشروع حقيقي، وبدأت أعمال إنشاء المعهد عام 1930. وعلى مدار أربع سنوات، ارتفعت جدران المبنى شيئًا فشيئًا حتى افتُتح عام 1934 ليصبح واحدًا من أهم الصروح العلمية في صعيد مصر.
لكن المعهد كان ينقصه شيء أساسي؛ مكتبة تضم المراجع والكتب التي يحتاجها الطلاب والأساتذة؛ وفي تلك الأثناء جاءت زيارة حاسمة للشيخ عبد الرحمن قراعة، مدير المعاهد الدينية آنذاك. أعجبه ما رآه داخل المعهد، لكنه لاحظ غياب المكتبة، فأبلغ السلطان حسين كامل بالأمر، ليصدر توجيهًا بشراء ألف كتاب وإهدائها إلى المعهد.
كانت تلك الكتب الألف بمثابة الشرارة الأولى التي أضاءت رحلة مكتبة ستصبح لاحقًا من أضخم المكتبات في مصر. وحتى اليوم، ما زالت بعض هذه الكتب تحتفظ بختم أثري يحمل عبارة: "وقف السلطان حسين كامل سلطان مصر المعظم على المعهد العلمى الديني بأسيوط"، شاهدة على تلك اللحظة التاريخية.
ومع مرور السنوات، لم تتوقف الرحلة؛ توالت تبرعات العلماء والأعيان، وأهدى كثير منهم كتبهم الخاصة للمعهد. بعضهم نقش اسمه على الدواليب التي تبرع بها، بينما فضّل آخرون أن تبقى أسماؤهم مجهولة، مكتفين بترك أثرهم بين صفحات الكتب.
كبرت المكتبة عامًا بعد عام. من ألف كتاب إلى أربعة آلاف، ثم إلى عشرات الآلاف، حتى وصلت اليوم إلى نحو 23 ألف كتاب ومجلد. ولم يكن هذا الرقم مجرد زيادة في الأعداد، بل اتساعًا في آفاق المعرفة.
وعند التجول بين أروقة المكتبة، يكتشف الزائر عالمًا متنوعًا لا يقتصر على العلوم الشرعية فقط. صحيح أن كتب الفقه بمذاهبه المختلفة، والحديث الشريف، والتفسير والعقيدة تتصدر المشهد، لكن هناك أيضًا مؤلفات في الأدب والنحو والصرف والبلاغة، إلى جانب خصصت المكتبة قسمًا بعنوان "فنون متنوعة" يضم كتبًا ومراجع في الفيزياء والكيمياء والأحياء والجيولوجيا، وكأن المكتبة أرادت أن تجمع بين علوم الدين والدنيا تحت سقف واحد.
غير أن أعظم ما تحتفظ به المكتبة ليس الكتب وحدها، بل الوثائق النادرة التي تختزن أسرار الماضي. ففي خزائنها وثيقة "التشريفة" الملكية التي لم تفتح منذ افتتاح المعهد، ومحضر رسمي يحمل توقيع الملك نفسه ويحدد مساحة المعهد بدقة البالغة 4 أفدنة و8 قراريط وسهمين، ليصبح وثيقة تاريخية وقانونية لا تقدر بثمن.
كما تضم المكتبة سجلات نادرة تروي تاريخ أسيوط عبر صفحات صفراء حفظت الزمن. هناك سجل يحمل توقيع الملك فاروق الأول أثناء افتتاح المعهد عام 1939، وتوقيعات لزوار من مختلف أنحاء العالم، من بينهم السفير الأمريكي عام 1987، وشخصيات عامة ومسؤولون بارزون مروا من هنا وتركوا أسماءهم في سجل التاريخ.
وفي إحدى الصفحات القديمة يظهر محضر وضع حجر الأساس للمعهد عام 1930، وفي أخرى مرسوم ملكي أطلق اسم الملك فؤاد الأول على عدد من المؤسسات التي أنشئت تحت رعايته، ومنها هذا المعهد الذي عرف لاحقًا باسم "معهد فؤاد الأول".
وتشير الوثائق التاريخية إلى أن المؤسسة حملت في البداية اسم "معهد أسيوط الديني"، قبل أن يتم تغيير اسمها لاحقًا إلى "معهد فؤاد الأول" تخليدًا لذكرى افتتاح الملك فؤاد الأول للمعهد.
ويحتفظ سجل التشريفات بوثائق نادرة تسجل محطات مهمة من تاريخ أسيوط خلال القرن الماضي، من بينها محضر وضع حجر الأساس للمعهد عام 1930 بحضور الملك فؤاد الأول، ومرسوم إطلاق اسمه على 17 مؤسسة عامة بالمحافظة أُنشئت تحت رعايته، إضافة إلى توثيق زيارة الملك فاروق الأول للمعهد عام 1939.
وتبقى مكتبة معهد أسيوط الديني شاهدًا حيًا على أكثر من قرن من التاريخ العلمي والثقافي، وواحدة من أبرز خزائن المعرفة والتراث الأزهري في صعيد مصر.
المصدر:
مصراوي