آخر الأخبار

«المحصول موجود.. والمشتري فين؟».. ركود البلح يُربك مزارعي الوادي الجديد

شارك

حالة من الترقب والقلق تسيطر على مزارعى البلح فى الوادى الجديد مع انطلاق موسم الحصاد، فى ظل بطء حركة الشراء وتراجع الأسعار فى بعض التعاملات، الأمر الذى أثار مخاوف لدى المزارعين من عدم تحقيق عائد يتناسب مع تكلفة الإنتاج التى تحملوها على مدار عام كامل.

ومع بدء خروج كميات جديدة من المحصول، يجد المزارع نفسه أمام معادلة صعبة؛ فالمحصول أصبح جاهزًا للبيع، لكن حركة السوق لا تبدو بالسرعة التى كان يتوقعها، بينما تتزايد الحاجة إلى توفير السيولة لسداد تكاليف الموسم والاستعداد للموسم الزراعى الجديد.

ويعد البلح أحد أهم المحاصيل الاقتصادية فى الوادى الجديد، ولا تتوقف أهميته عند المزارع، وإنما ترتبط به سلسلة طويلة من الأنشطة تبدأ من خدمة النخيل والجمع، مرورًا بالفرز والتعبئة والنقل، وصولًا إلى التجارة والتصنيع والتصدير.

سعر استرشادى لمواجهة ركود السوق

ومع تصاعد حالة القلق بين المزارعين من بطء حركة الشراء والضغط على الأسعار، تدخلت محافظ الوادى الجديد وأعلنت تحديد سعر استرشادى مبدئى لاستلام التمور بمجمع التمور التابع للمحافظة بقيمة ٤٣ جنيهًا للكيلو.

ويأتى تحديد السعر فى وقت تواجه فيه سوق التمور حالة من الترقب، مع تدفق المحصول من المزارع فى مقابل حركة شراء لا تزال دون تطلعات عدد من المنتجين، وهو ما جعل السعر الاسترشادى محاولة لتوفير مرجعية للمزارع فى مواجهة حالة عدم وضوح الأسعار خلال بداية الموسم.

وتقول حنان مجدى، محافظ الوادى الجديد، إن مجمع التمور تم تجهيزه لاستقبال المحصول، مع توفير آلية منظمة للتوريد والاستفادة من الإمكانات التخزينية والتصنيعية المتاحة، فى إطار دعم منظومة تسويق وتصنيع التمور.

ولا ينظر المزارعون إلى الرقم المعلن باعتباره حلًا منفردًا لمشكلة الركود، وإنما باعتباره خطوة تحتاج إلى أن يصاحبها تحرك فعلى فى السوق، وزيادة قدرات الاستلام والتسويق، حتى لا يظل السعر المعلن منفصلًا عن الأسعار التى يجرى التداول بها فعليًا بين المزارعين والتجار.

المزارع: «نريد سعرًا يرضينا»

وقال محمد مرزوق، أحد مزارعى البلح بالوادى الجديد، إن المشكلة الأساسية التى تواجه المزارعين تتمثل فى عدم وجود سعر يحقق لهم عائدًا مُرضيًا ويتناسب مع حجم التكلفة التى يتحملها المزارع طوال الموسم.

وأوضح أن زراعة النخيل أصبحت تحتاج إلى نفقات متزايدة، تشمل الرى والأسمدة ومكافحة الآفات وأجور العمالة، إلى جانب تكاليف جمع المحصول وفرزه ونقله، مشيرًا إلى أن انخفاض سعر البيع يضع المزارع أمام فجوة بين تكلفة الإنتاج والعائد الذى يحصل عليه.

وأضاف مرزوق أن المزارع لا يطالب بسعر مبالغ فيه، وإنما يريد سعرًا عادلًا يضمن له استرداد تكاليف الإنتاج وتحقيق هامش ربح يساعده على الاستمرار فى خدمة النخيل خلال المواسم المقبلة. وأشار إلى أن بطء حركة الشراء يزيد من الضغوط على المزارعين، خاصة صغار المنتجين الذين لا يمتلكون إمكانات كبيرة لتخزين المحصول وانتظار تحسن الأسعار، ما يجعل بعضهم أكثر عرضة للبيع تحت ضغط الحاجة إلى السيولة.

فيما أجمع عدد كبير من مزارعى الوادى الجديد على ارتفاع سعر التكلفة الخاصة بإنتاج التمور من مراحل التسميد ونظافة النخيل واللقاح والزمان والرى، وخاصة تكلفة الكهرباء اللازمة لتشغيل آبار الرى، وهو ما يتطلب وجود سعر عادل للتمور يغطى هذه التكلفة المرتفعة، وقالوا: «السعر لم يتجاوز حتى الآن ٣٧ جنيهًا للكيلو بالرغم من السعر الاسترشادى الذى وضعته المحافظ، ومش معقول البلح أرخص من أى كيلو فاكهة تباع فى السوق».

أحد المنتجين: «السوق تحكمها آلية العرض والطلب»

وفى المقابل، قال بسام بلال، أحد منتجى التمور بالوادى الجديد، إن أسعار البلح تخضع فى الأساس لآلية العرض والطلب، موضحًا أن تدفق كميات كبيرة من المحصول إلى السوق خلال فترة قصيرة، مع عدم وجود طلب مماثل يؤدى إلى الضغط على الأسعار.

وأضاف أن حركة السوق تختلف من موسم إلى آخر وفقًا لحجم الإنتاج والكميات المطروحة، واحتياجات المصانع والتجار، إلى جانب حركة التصدير والأسواق الخارجية، مشيرًا إلى أن زيادة الطلب يمكن أن تسهم فى تحسن الأسعار، بينما يؤدى ارتفاع المعروض مع ضعف الطلب إلى تراجعها. وأوضح بلال أن المشكلة لا ترتبط بالسعر فقط، وإنما بقدرة منظومة التسويق على استيعاب المحصول، مؤكدًا أن التوسع فى التصنيع والتخزين وفتح أسواق جديدة يمكن أن يساعد على تحقيق توازن أكبر بين حجم الإنتاج وحجم الطلب.

وأشار إلى أن وجود تعاقدات مبكرة بين المزارعين والمصانع والشركات يمكن أن يخفف من حالة عدم اليقين التى تصاحب بداية موسم الحصاد، ويمنح المزارع رؤية أوضح بشأن الكميات المطلوبة والأسعار المتوقعة.

«لا تبيعوا البلح كخام»

من جانبه، أكد إبراهيم خليل، الراصد لتاريخ الواحات، أن أزمة أسعار البلح تكشف الحاجة إلى تغيير استراتيجية التعامل مع المحصول، وعدم الاكتفاء بتسويقه وبيعه فى صورته الخام خلال موسم الحصاد.

وقال خليل إن الوادى الجديد يمتلك ثروة كبيرة من النخيل، وإنتاجًا متزايدًا من التمور، وهو ما يستدعى إعادة النظر فى طريقة الاستفادة من هذا المحصول، بحيث لا يكون الهدف الأساسى هو تصريف البلح الخام، وإنما تحقيق قيمة مضافة من خلال التصنيع. وأضاف أن هناك فرصًا لإقامة صناعات متكاملة تعتمد على التمور ومكوناتها، من بينها إنتاج الكحول الإيثيلى ودبس البلح، إلى جانب الاستفادة من نوى البلح فى تصنيع منتجات مختلفة، ومنها مشروبات بديلة للقهوة، فضلًا عن إقامة مصانع لإنتاج الأعلاف والاستفادة من مخلفات عمليات الفرز والتصنيع. وأوضح أن الاستفادة من النخلة لا يجب أن تتوقف عند بيع الثمرة، وإنما يمكن إقامة سلسلة صناعات مرتبطة بالمحصول ومخلفاته، بما يخلق فرص عمل جديدة ويزيد العائد الاقتصادى للتمور، ويخفف فى الوقت نفسه الضغط على سوق البلح الخام.

وأكد خليل أن زيادة الإنتاج الزراعى يجب أن يصاحبها توسع مماثل فى التصنيع والتخزين والتسويق، حتى لا يتحول ارتفاع الإنتاج فى نهاية الموسم إلى سبب فى انخفاض الأسعار.

«أزمة تتجاوز سعر الكيلو»

وأوضح الدكتور محمود السعيد، الباحث الاقتصادى، أن حالة الركود الحالية تكشف أن المشكلة لا تتعلق فقط بسعر شراء البلح، وإنما بمنظومة التسويق نفسها، ومدى قدرتها على استيعاب إنتاج المحافظة فى توقيت واحد.

وقال إن المزارع الذى يبيع محصوله فور الحصاد يواجه ظروفًا مختلفة عن المنتج الذى يمتلك مخازن أو يستطيع الانتظار حتى تتحسن حركة السوق، وهو ما يجعل القدرة على التخزين عاملًا مؤثرًا فى عملية البيع. كما أن فتح أسواق جديدة أمام التمور، وزيادة حركة التصدير، يمكن أن يساهما فى تخفيف الضغط على السوق المحلية، خاصة أن استمرار الاعتماد على البيع الخام يجعل الأسعار أكثر ارتباطًا بموسم الحصاد وحجم المعروض فى فترة قصيرة.

وفى المقابل، فإن التوسع فى التصنيع يمكن أن يخلق طلبًا مستمرًا على المحصول، ويحول جزءًا من الإنتاج إلى منتجات ذات قيمة أعلى، بما يفتح المجال أمام تحقيق عائد أفضل بدلًا من الاعتماد على بيع البلح كمنتج خام.

وتمتلك محافظة الوادى الجديد نحو ٥ ملايين نخلة تنتج سنويًا أكثر من ١٧٠ ألف طن من البلح السيوى الذى يتم تصديره إلى مختلف الأسواق العالمية، ويوفر موسم جنى البلح الآلاف من فرص العمل للشباب.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا