أثار الفيلم الوثائقى «ماسك» (Musk)، للمخرج الأمريكى أليكس جيبنى، جدلا واسعا خلال عرضه الأول فى مهرجان فينيسيا السينمائى، بعدما قدم قراءة نقدية لصعود إيلون ماسك، وطرح تساؤلات حول حجم النفوذ الذى بات يمتلكه رجل الأعمال الأمريكى، وعلاقته بالسياسة والبيانات والذكاء الاصطناعى ووسائل التواصل الاجتماعى.
وحذر جيفرى هينتون، أحد أبرز رواد أبحاث الذكاء الاصطناعى والحائزعلى جائزة نوبل، والمخرج أليكس جيبنى، من المخاطر المحتملة لاستخدام ماسك منظومة واسعة من البيانات والتقنيات التى تقع تحت نفوذه، بما فى ذلك البيانات التى تم جمعها فى إطار مبادرة DOGE، ومنصة X، وتقنيات الذكاء الاصطناعى، إلى جانب شبكة الأقمار الصناعية Starlink، للتأثير فى الحياة السياسية والانتخابات الأمريكية، ومن بينها انتخابات التجديد النصفى المقبلة.
ويطرح الفيلم على مدار ثلاث ساعات و45 دقيقة عددا من الادعاءات والشهادات المتعلقة بمسيرة ماسك المهنية وصعوده إلى واحدة من أكثر الشخصيات نفوذا فى عالم التكنولوجيا والأعمال. ويعود جيبنى إلى بدايات ثروة ماسك، مرورا بـ«Zip2» و«PayPal»، وصولا إلى دوره فى شركة Tesla، ثم استحواذه على منصة Twitter وتحويلها لاحقًا إلى X، وتوسّع نفوذه فى مجالات الذكاء الاصطناعى والفضاء والاتصالات.
كما يتناول الفيلم انتقادات واتهامات سبق أن أثيرت حول بعض مشاريع ماسك وشركاته، بما فى ذلك الجدل المتعلق بتقنيات القيادة الذاتية فى سيارات Tesla، ومسئولية الشركات عن الحوادث، فضلا عن اعتماد بعض مشروعاته على العقود والدعم الحكومى.
ويتوقف الفيلم كذلك عند سيطرة ماسك على منصة X، وما يصفه منتقدوه بتأثير الخوارزميات فى ترتيب المحتوى وتضخيم بعض الآراء والمنشورات. كما يتطرق إلى الجدل المحيط بمنصة Grok وشركة xAI، والمخاوف المتعلقة بالمحتوى المنشور عبر المنصة، بما فى ذلك اتهامات بالتساهل مع محتوى مسىء أو خطير.
ومن أكثر الأجزاء إثارة للجدل فى الفيلم، الشهادات المتعلقة بحياة ماسك الشخصية، ومن بينها تصريحات آشلى سانت كلير، شريكته السابقة، إلى جانب روايات أخرى يتناولها الفيلم حول علاقاته الأسرية. كما يعرض الفيلم رواية ماسك بشأن وفاة طفله الأول، وهى رواية يطرحها الفيلم فى سياق مقارن مع رواية الأم حول ما حدث داخل المستشفى.
ويطرح جيبنى من خلال شهادات وآراء عدد من الأشخاص الذين عرفوه أو عملوا معه، تساؤلات حول شخصيته وسلوكه، ويترك الفيلم للمشاهد مساحة للتفكير فى طبيعة الشخصية التى استطاعت الوصول إلى هذا القدر من النفوذ.
لكن القضية الأساسية التى تشغل مخرج الفيلم لا تتعلق بشخصية ماسك وحدها، بقدر ما تتعلق بتركيز هذا الحجم الاستثنائى من القوة فى يد فرد واحد، فالرجل، بحسب الفيلم، يجمع بين الثروة والنفوذ السياسى، والوصول إلى بيانات واسعة، وامتلاك منصات للتواصل الاجتماعى والذكاء الاصطناعى، فضلا عن التحكم فى بنية تحتية فضائية واتصالية ذات أهمية استراتيجية.
ويخصص فيلم «ماسك» مساحة لدور ماسك فى مبادرة DOGE، وما رافقها من إجراءات لإعادة هيكلة أجزاء من الجهاز الحكومى الأمريكى، وكذلك الجدل حول تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وتأثير خفض المساعدات الخارجية فى برامج إنسانية وصحية حول العالم.
وتتحدث سامانثا باور، الكاتبة والدبلوماسية الأمريكية والرئيسة السابقة للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، فى الفيلم عن العواقب الإنسانية المحتملة لهذه السياسات، مستعرضة شهادات حول برامج مساعدات وعلاجات طبية توقفت بصورة مفاجئة، وما يمكن أن يترتب على ذلك من آثار خطيرة على الفئات الأكثر احتياجًا.
كما يتناول الفيلم تسريح أعداد كبيرة من العاملين فى مؤسسات حكومية أمريكية، ومن بينهم موظفون فى مصلحة الضرائب، متسائلًا عما إذا كانت هذه الإجراءات قد حققت بالفعل هدف خفض الإنفاق والعجز، أم أنها أضعفت مؤسسات الدولة وأدت إلى نتائج عكسية.
ومن خلال هذه الملفات المتعددة، يرى جيبنى أن اماسك لا يتحرك فقط بدافع اقتصادى، وإنما يسعى أيضا إلى دعم ما يصفه الفيلم بـ«أجندة يمينية عالمية» ذات أبعاد أيديولوجية وسياسية ومالية.
ويصل الفيلم إلى تحذير أكثر اتساعا – بحسب جينى: ماذا يحدث عندما يستطيع ملياردير لم يصل إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع أن يمتلك فى الوقت نفسه المال، والبيانات، والذكاء الاصطناعى، ووسائل التواصل الاجتماعى، وشبكة اتصالات فضائية، وعلاقات مباشرة مع دوائر صنع القرار؟
هنا يتحول «ماسك» من فيلم عن رجل أعمال مثير للجدل إلى نقاش حول مستقبل الديمقراطية نفسها. فالمسألة، وفق الرؤية التى يطرحها جيبنى، لم تعد تتعلق فقط بمدى قوة إيلون ماسك، وإنما بالسؤال الأهم: هل ينبغى أن يمتلك أى فرد، مهما بلغت ثروته أو نجاحه، هذا الكم الهائل من البيانات والتكنولوجيا والمنصات ووسائل التأثير السياسى فى وقت واحد؟
وبذلك يضع الفيلم المشاهد - بحسب نقاد - أمام احتمال أكثر إثارة للقلق: أن تتحول القوة الاقتصادية والتكنولوجية الهائلة، حين تجتمع فى يد شخص واحد، إلى قدرة على التأثير فى الحكومات والانتخابات والنقاش العام، وربما إعادة تشكيل العالم وفق رؤية سياسية خاصة.
ومن فينيسيا، لا يبدو أن أليكس جيبنى يريد فقط أن يحكى قصة إيلون ماسك، وإنما يريد أن يطرح سؤالا أكبر عن الحدود التى يجب أن تقف عندها قوة الأفراد فى عصر أصبحت فيه البيانات والذكاء الاصطناعى والاتصال الفضائى أدوات لا تقل أهمية عن المال والنفوذ السياسى.
وأضاف غيبنى أن الهدف من ذلك هو إبراز «الواقع الفعلى لما أنجزه ماسك مقابل الطابع غير الواقعى لسرديته الخاصة».
المصدر:
الشروق