يصل إلى مكتبه فى الساعة الثامنة صباحا، ويختار أن يدخل مقر الجامعة العربية الكائن على نهر النيل، من باب العاملين وليس من باب الأمين العام، كأنه يبعث برسائل عن الانضباط وشحذ الهمم وتخطى الكسل العربى، الجدية المدارة التى تلازمه وجدناها فى ترتيبات التسجيل للحوار الذى خص به «المصرى اليوم» كأول صحيفة ووسيلة إعلامية بعد تنصيبه فى يوليو الماضى.
جاء فى الموعد وانتحى بى جانبا ليذكر ما يجول بخاطره ورؤيته وما يسعى إليه بعفوية صاحب الهمة ومقتضيات الدبلوماسية أيضا. تصميم وإصرار، ورغم واقعيته الشديدة لم يغادر مساحة الحلم الذى يتمناه أى عربى من المحيط إلى الخليج، فى أن يرى عملا عربيا مشتركا حقيقيا. يعلم أين حقول الألغام؟ ويرسم فى ذهنه الحدود، ولكنه لا ينسى أفقه الرحب والتمسك بالأهداف الاستراتيجية العربية، يرفض بشدة أن ينشغل العرب بالأهداف التكتيكية، بتركيزهم على الطريقة دون الطريق، فتجهض المبادرات وتضيع الفرص رغم المخاطر والتحديات الجسام.
يجاهد كى يتجاوز «سنوات التعطيل العربى»- الوصف لى وليس له- يرى أن تمثيله للإرادة العربية مسؤولية تاريخية، تضع على ظهره أحمالا ثقالا، عليه أن يتحمل إرث «سنوات التأجيل» وينبغى عليه فى نفس الوقت أن يقود السفينة إلى الأمام، أو يحركها لعلها تجد سبيلا ليطمئن الركاب أن أهدافهم القومية لن تجور على «القُطرية» بل ستكون عونا فى عالم لا يعرف سوى التكتل. عالم صار فوضويا، ويتداعى نظامه القديم أو تداعى بالفعل ولم يتشكل بعد البديل، الجميع فى الانتظار أو البحث عن مخارج لمأزق نهاية نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية.
يعد أن يحوّل الأقوال إلى أفعال ويضعها منهجا فى قلب فسلفة إدارته، تلمح رافعة من الإيمان بمسعى الإصلاح، وصدقا نتمنى أن يوّلد الحياة ليتدفق نهر جارٍ فى أوصال العمل العربى، وتحدٍ لواقع قد يكون أصعب على الحلم وأقوى من الغاية، لكنه يتشبث بجوهر وجود الإنسان، أن يعمر ويغرس ويصلح ويخفف من المعاناة العربية.
هذا مع رأيته مع نبيل فهمى الأمين العام للجامعة العربية فى لقاء استمر أكثر من ساعة، فلسفته وأفكاره ورؤاه وبرنامجه كممثل للإرادة العربية فى الحوار التالى.. فإلى النص:
تحدثت فى مارس الماضى عقب اختيارك أمينا عاما للجامعة عن إدراكك العميق للمسؤولية التاريخية لمواجهة مخططات تستهدف الأمن والاستقرار العربى.. كيف ترى تلك المسؤولية اليوم بعد تنصيبك؟
- أعتقد حقيقة أن العالم العربى يتعرض حالياً لمشروع يرمى لتفريغه من مضمونه السياسى، فضلاً عن محاولات تقسيمه مادياً بطرق مختلفة؛ وأرى أن كل من يشغل منصباً عاماً تقع على عاتقه مسؤولية تاريخية تجاه من سبقوه وتجاه القادمين بعده، ولو لم نتحمل المسؤولية الآن سنجد أننا هدمنا ما هو قائم، أو الحلم الذى كان قائما، وأعجزنا أجيالاً قادمة عن التفاعل على المستويين الإقليمى والدولى، هذا هو المقصود بالمسؤولية التاريخية.
وعلى المستوى الشخصى، تنطلق هذه المسؤولية من أساس هويتى السياسية التى تعتبر العمل العام أمانة ومسؤولية تختلف عن العمل الخاص؛ فبينما يمثل العمل الخاص، والذى أحترمه بالطبع، مشروعاً يخدم طموحات صاحبه ومساعيه لتحقيق إنجاز شخصى ومصلحة ذاتية، فإن تولى مسؤولية العمل العام يفرض على القائم عليه الصراحة والوضوح فى عرض الإيجابيات والسلبيات أمام كل من يقع داخل نطاق مسؤوليته، وهم فى هذه الحالة تحديداً، القادة العرب.
سابقاً، حين كنت وزيراً للخارجية، كان رئيس الدولة أو الحكومة هو الشخص الذى ينبغى مصارحته، كونى مسؤولاً عن ملفات تتشابك مع ملفات أخرى لدى المسؤول الأعلى، والأمانة هنا ترتبط بمصلحة المواطن لا بالأهداف أو الطموحات الشخصية. فى الخارجية، كنت مسؤولاً عن أمان المواطن المصرى من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب؛ أما الآن، فقد أصبحت مسؤولاً عن مصلحة المواطن العربى من المغرب العربى إلى المشرق والخليج، ولا يمكننى إهمال مصلحة أى طرف فى المنطقة.
أما بخصوص الاضطرابات، فحينما يكون الشرق الأوسط فى حالة اضطراب وإعادة تشكيل، وكونى أتحمل مسؤولية مصلحة الجميع، فتلك أمانة ثقيلة ولهذا السبب وصفت اللحظة الراهنة بأنها «مسؤولية تاريخية» أتحملها فى وضع مضطرب محفوف بمخاطر كبرى، وهى أيضا مسؤولية تجاه المنصب الذى أشغله.
ومع ذلك، فإننى اعتقد أن العالم العربى لديه فرص كبيرة للتقدم، انطلاقا من موقعه الاستراتيجى وتكوينه الديموغرافى الذى يميزه وجود أغلبية من الشباب، هذا فضلا عن ثرواته وموارده المتاحة. والواقع أننا لو وظفنا هذه الفرص سيمكننا التقدم واللحاق بركب العالم المتقدم وإن لم نفعل سنتحمل مسؤولية ذلك.
وماذا عن التهديدات؟
- نحن نعيش حالة من الاضطراب الدولى، وإعادة تشكيل للشرق الأوسط وللنظام الدولى فى آن واحد، وأعتقد أننا بالفعل أمام لحظة فاصلة فى تاريخ المنطقة. فهناك نزاعات تمتد من المغرب العربى إلى المشرق، وجنوباً إلى الخليج العربى؛ بعضها بين دول عربية، وبعضها داخلى، وبعضها الآخر يجمع بين الأبعاد الداخلية والخارجية. وفى الوقت نفسه، نرى محاولات واضحة من قوى غير عربية لتوسيع نفوذها وحضورها على حساب المصالح العربية، إلى جانب مخاطر متزايدة تحيط بالممرات المائية والتجارية والمواقع الاستراتيجية، ومساعٍ لإعادة رسم طرق الاتصال والنفوذ براً وبحراً، فضلاً عن محاولات لتغليب مفهوم الهوية الشرق أوسطية على الهوية العربية.
ولا أعتقد أن لدينا ترف الوقوف متفرجين أمام ما يجرى حولنا. نحن أمام تحولات حقيقية فى موازين القوى، وفى شكل النظام الإقليمى، بل وفى طبيعة التهديدات نفسها. ومنذ توليت المسؤولية، أعمل فى مسارين متوازيين: الأول هو توسيع دوائر التنسيق والتشاور العربى- العربى، فهذا التنسيق مفيد للجميع، بل أصبح ضرورة؛ والثانى هو العمل على تجديد الجامعة وتطوير أدائها وأدواتها. لأننا إذا لم نشارك نحن فى صياغة مستقبل منطقتنا، فسيصوغه الآخرون وفق مصالحهم، وليس بالضرورة وفق مصالحنا.
تتساءل الجماهير العربية دائما.. متى نشعر بوجود فاعل للجامعة؟
- الواقع أن اضطراب المنطقة واستهداف العالم العربى سياسياً ينعكسان بالضرورة على الجامعة، مما يجعلها فى حالة من عدم الاستقرار أو تراجع الكفاءة التى نتطلع إليها، خاصة فى ظل الضغوط العالمية القائمة. ولا تقتصر هذه المعضلة على الجامعة العربية فحسب، بل تمتد لتشمل معظم المنظمات الإقليمية متعددة الأطراف؛ فالأمم المتحدة، بوصفها المؤسسة الدولية الأهم، لم تعد تحظى بالزخم والكفاءة المعهودين، وحتى الاتحاد الأوروبى الذى طالما ضُرب به المثل كأنجح منظمة إقليمية يواجه اليوم تحديات مشابهة.
جامعة الدول العربية ليست حكومة فوق الحكومات، وليست بديلاً عن الإرادة السيادية للدول الأعضاء، لكنها فى الوقت نفسه ليست مجرد مقر للاجتماعات أو آلية لتسجيل المواقف. هى الإطار العربى الجامع. ومن ثم فإن مسؤولية الأمانة العامة، فى تقديرى، هى أن تعظم أثر الإرادة العربية عندما تتوافر، وأن تجعلها أكثر وضوحاً وتنظيماً وتأثيراً، وأن تساعد على توسيع مساحات التوافق عندما تختلف التقديرات والمواقف. وفى الوقت نفسه، علينا أن نعمل على تجاوز الخلافات العربية قدر الإمكان، وتعزيز قدرة الدول العربية على التعامل مع التحديات المشتركة.
ولهذا قلت منذ البداية إن «خير الدبلوماسية ما سبق الأزمة». المطلوب ألا ننتظر حتى تقع الأزمات وتضيق الخيارات، وإنما أن نقرأ التطورات مبكراً، ونطرح البدائل، ونجرى المشاورات، ونستخدم الدبلوماسية بصورة هادفة وفاعلة. وعلينا كذلك أن ننتقل من ثقافة إصدار القرارات إلى ثقافة المتابعة والتنفيذ، لأن قيمة أى قرار لا تتوقف عند لحظة اعتماده، وإنما تبدأ بما يحدث بعد ذلك.
وفى النهاية، لن أقيس نجاح هذه الولاية بعدد الاجتماعات التى عُقدت أو البيانات التى صدرت، وإنما بالإجابة عن السؤال الأصعب: ماذا تغيّر؟ هل نجحنا فى بناء توافق حيث كان هناك خلاف؟ هل تحول قرار إلى نتيجة؟ هل قدمنا للدول العربية خيارات أفضل؟ وهل أصبح للجامعة أثر ملموس فى القضايا التى تمس أمن المواطن العربى ومصالحه؟
المؤسسات لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالفعل. وإما أن نصنع مستقبلنا بأيدينا، أو سيصنعه غيرنا عنا.
لكن يظل هناك حد أدنى من الوجود يفرض فعاليةً فى الأداء؟
- لا شك فى ذلك، لذا فإن حالة الاضطراب التى يعيشها العالم العربى والجامعة العربية ليست مستغربة، كما أن تطلعات الشعوب لرؤية وضعٍ أفضل للجامعة هى مطالب طبيعية فى ظل هذه الظروف الصعبة. وبما أننا نمر بمرحلة حرجة، يتحتم علينا الانتقال من الأقوال إلى الأفعال لاستعادة ثقة الشعوب، وبناء علاقات قوية تحقق عوائد ملموسة ومباشرة على الدول والمواطنين على حد سواء.
رغم ذلك يشكك البعض فى جدوى استمرار الجامعة العربية.. فمتى يحدث الاختراق الذى يوّلد ثقة المواطن العربى؟
- أتفهم قدراً من الإحباط لدى المواطن العربى الذى لا يقيس المؤسسات بعدد اجتماعاتها أو القرارات التى تصدرها، وإنما بما يراه من نتائج. وعندما تستمر أزمات لسنوات أو تصدر قرارات ولا تجد طريقها إلى التنفيذ، لكن علينا دائماً أن ننظر للإطار العام الذى يحكم الأمور، النظام الدولى بأكمله مضطرب، لهذا هناك قدر من التآكل فى مصداقية أهم أدواته وهى منظمة الأمم المتحدة، بل والكثير من المنظمات متعددة الأطراف، والمنطقة العربية واجهت العديد من المشاكل خلال العقود الماضية وظل العديد منها بدون حل أو حتى تقدم، لذا علينا أن نميز بين الحاجة إلى الجامعة وبين قدرتها فى لحظة معينة على تحقيق كل ما نريده منها. الجامعة ليست دولة فوق الدول ولا تمتلك سلطة تنفيذية مستقلة تفرض بها قراراتها، وإنما هى إطار للعمل الجماعى. ومع ذلك، لا أريد أن نستخدم عبارة «إرادة الدول الأعضاء» كعذر يبرر عدم الحركة. إرادة الدول تحدد سقف القرار، لكنها لا تعفى الأمانة العامة من مسؤولية المبادرة وبناء التوافق وطرح البدائل. وهناك سؤال بسيط: إذا ألغينا الجامعة، هل تختفى الخلافات العربية؟ بالطبع لا. سنظل نختلف فى المصالح والتقديرات، لكننا سنفقد الإطار الذى يجمع الجميع حول طاولة واحدة. وفى عالم تتكاثر فيه التكتلات، أرى أن الحاجة إلى إطار عربى جامع أصبحت أكبر، لا أقل.
كما أن «الاختراق» لا يعنى دائماً تسوية تاريخية كبرى. قد يكون منع تدهور أزمة، أو الحفاظ على حد أدنى من الموقف المشترك، أو تقريب دولتين، أو حشد موقف دولى، أو تحويل مواقف وطنية متفرقة إلى صوت عربى أكثر وزناً.
أما ثقة الرأى العام فلا تُكتسب بخطاب دفاعى عن المؤسسة. الثقة تُكتسب عندما يرى الناس حركة ونتيجة، وعندما نكون صريحين بشأن ما تحقق وما لم يتحقق ولماذا. وسأكون أميناً وصريحاً على الدوام فى ذلك.
لقد طرحتَ فى مناسبات عدة خطوط رئيسية لإدارتك، بدءاً من خطاب التنصيب، ومروراً بالمؤتمر الصحفى الأول، وصولاً إلى المجلس الاقتصادى العربى الذى قدّمتَ فيه رؤية من عشر نقاط ترسى دعائم ولايتك فى ظل التحديات الراهنة، ما هى الفلسفة التى تحكم فكر الأمين العام؟
- تكمن الفلسفة الأساسية فى الانتقال من القول إلى الفعل، فالشعوب تتطلع إلى رؤية إنجازات ملموسة على أرض الواقع.
وهل تعتقد أن الدول العربية ستدعمك فى مسعاك؟
- أثق بذلك، فكلما استعدنا المصداقية المتبادلة، تجددت الثقة والحماس للعمل العربى المشترك. وأرى أن العمل العربى المشترك قائم بالفعل، لكنه يحتاج إلى إعادة تكييف. لذا، فإن هدفى عند طرح أى مقترحات هو احترام رغبات الدول العربية والمدى الذى قد تذهب إليه إذا ما كانت طموحاتها تتجاوز حدود مطامحى الشخصية. وعملياً، أرى أن العالم العربى بأسره يستفيد من أى إنجاز جماعى، كما يتضرر من أى ضعف أو تهديد يمسّ أى كيان عربى؛ وحينما يصبح للصوت العربى صدى سياسى واقتصادى واجتماعى فاعل حتى فى إعادة تشكيل النظام الدولى، فإن ذلك ينعكس على مصلحة الجميع.
هل هناك مبادرات عملية للانتقال من مرحلة القول إلى الفعل، أو مشاريع قيد التشكيل سيتم الإعلان عنها قريباً؟
- بالتأكيد، هناك أفكار سأطرحها كخارطة طريق للتعامل مع مختلف القضايا، وسأكثف مشاوراتى مع الدول الأعضاء لتحويل هذه الأفكار إلى مشاريع وبرامج عمل مشتركة.
وهل تقتصر هذه الأفكار على الجانب السياسى فقط؟
- العالم العربى تعرّض لأوضاع غير مسبوقة، إذن مطلوب مشروع عالم عربى متجدد؛ مشروع يواجه ويتعامل مع التحديات وينتهز الفرص المتاحة، وهذا المشروع يجب أن يرتكز على ثلاثة عناصر أساسية: التعامل مع الأحداث، التطوير المستمر، والتنمية المستدامة.
ألا تخشى من فكرة اللامبالاة السياسية العربية التى سبق أن حذرت منها فى مقالات كثيرة ووصفتها بأنها كمن يسمح للسرطان بالنمو؟
- سأدعو دائماً إلى التفاعل العربى.
وهل تشعر بالتفاؤل إزاء هذا الأمر؟
- فى الحقيقة أرى أن هناك فرصاً للبناء إذا أقمنا أو إذا شرعنا فى البناء كدول مستقلة وكمجموعات إقليمية ثم كمجموعة عربية، ولكن لو لم نفعل فستكون المخاطر كبيرة. ومن السابق لأوانه الحديث عن تفاؤل أو تشاؤم؛ فأنا أؤمن بضرورة الحركة، وبأنه لا أحد يمتلك الحل المثالى، وأن توسيع المشاركة يعزز الفكر. وقبل ذلك، أؤمن بأهمية المبادرة والفعل؛ فلو رُفضت كل اقتراحاتى واستُبدلت بغيرها فسأرحب بذلك، فالعبرة ليست بقبول الاقتراح أو رفضه، بل بخلق حالة من الحوار والحراك.
أتقصد أنك تسعى إلى خلق حالة من المكاشفة؟
- أسعى لخلق حالة من الاشتباك مع القضايا، فالأمر لا يتعلق بتوجيه الاتهامات أو السعى نحو مثالية تتجاوز الحدود المنطقية.
ولكن ألا تجعل التناقضات العربية- العربية مهمة الأمين العام أكثر صعوبة؟
- التناقضات موجودة فى العالم بأسره بين أقطاب عديدة، لا فى عالمنا العربى فحسب؛ فانظر - على سبيل المثال- إلى العلاقات بين إدارة ترامب وأوروبا، إذ تبرز اليوم تناقضات عديدة لم تكن موجودة قبل عشر سنوات. إذن، نعم هناك تناقضات عربية، لكن الأهم ألا تكون ذات طابع استراتيجى؛ فهنا يكمن الخطر، أما الاختلافات التكتيكية فهى واردة.
ولكن أعتقد أن هناك توافقاً عربياً على ضرورة احترام سيادة الدولة الوطنية، وأمنها، وهويتها، بوصفها هدفاً استراتيجياً مشتركاً. كما أن الدول العربية على قناعة بأن توسيع ساحة الحوار والتعاون العربى يعزز موقفها فى المنافسة مع القوى الدولية، وأن اللجوء إلى الدبلوماسية يظل خياراً مقدماً على العمل العسكرى كخطوة أولى فى أغلب الأحيان.
وإذا نظرنا إلى المعيار الرئيسى فى تلك الخلافات، وهو الحل السلمى للنزاعات وفقاً للقانون، سنجد أنها قواعد استراتيجية لا خلاف عليها. ويمكن أن أضيف إليها مشتركات أخرى كالأمن الغذائى والمائي؛ وهى قضايا ستظل حاضرة فى المنطقة، وقد نختلف على ترتيب أولوياتها أو حول بعض القضايا السياسية، لكن ما دامت الأهداف الاستراتيجية محددة ومستقرة، يمكننا التعامل مع الجوانب التكتيكية. وحتى لو وُجد تنافس عربى حول تحقيق المكاسب، فلا مشكلة فى ذلك طالما أن الهدف الاستراتيجى صالح.
فى ظل حالة عدم اليقين والفوضى التى تخيم على العلاقات الدولية، كيف تقرأ الجامعة العربية هذا المشهد فى وقتٍ يشهد ربما تشكل نظام دولى جديد بديل للنظام القديم المعطل؟
- النظام الدولى القديم كان يستند إلى ركيزة «القانون الدولى» التى كانت أشبه بـ «عمود فقرى» لهذا النظام ولكنها باتت معطلة الآن، مما أدخل المجتمع الدولى فى حالة اضطراب، وألقى بظلال من الشك على مصداقية المنظمات الإقليمية، بما فيها الجامعة العربية. وفى ظل إعادة تشكيل منطقتنا، يجب أن يكون ردنا نابعاً من طرح أفكار لا تهدف للعودة إلى الماضى، بل تجعلنا شركاء فى صياغة المستقبل؛ بحيث نكون فاعلين فى مسارات دولية متعددة لا تابعين لتيارٍ بعينه.
أدرك تماماً أن العالم العربى لا يمكنه الانعزال عن المحيط الخارجى، وموقعنا الاستراتيجى، وأقول ببساطة إن من أهم مزايا العالم العربى موقعه استراتيجيا؛ ورغم أن التعريف يعود لحقبة الاستعمار الأوروبى ومبنى عليه، لكن عملياً ما يسمى الشرق الأوسط، ونحن الجزء الرئيسى منه، يمنحنا مزايا جيوسياسية كبرى تجعلنا فى قلب التحولات العالمية وموضع استهداف للكثيرين. لذلك، لا ينبغى أن نترك الآخرين يحددون مسارنا، أو أن يرسموا مسيرتنا، بل علينا أن نرسمها بأنفسنا.
هل يسبق الاقتصاد السياسة فى ولايتك فى ظل التعقيدات المحيطة؟ وكيف يمكن للجامعة أن تمنح الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والشباب مساحة أكبر فى العمل العربى المشترك؟ وكيف تنظر فى هذا السياق إلى دعوتك السابقة لتبنى نهج التغيير التدريجى لتحقيق تطلعات الشباب والحد من اتساع دائرة الظلم وعدم المساواة؟
- ليس لدى رفاهية وضع الاقتصاد قبل السياسة ولا السياسة قبل الاقتصاد؛ لأن هذا الفصل لم يعد واقعياً. السياسة تحتاج إلى قاعدة اقتصادية تمنحها القدرة والاستقلال، والاقتصاد يحتاج إلى بيئة مستقرة حتى ينمو. وقد قلت منذ البداية إن الأمن الاقتصادى أصبح جزءاً من الأمن القومى؛ فالغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد والاستثمار لم تعد ملفات تنموية منفصلة عن الأمن والاستقرار.
وفى العالم العربى لدينا إمكانات بشرية ومالية وطاقة وأسواق وموقع جغرافى استثنائى، لكن الاستفادة المتبادلة من هذه الإمكانات لا تزال أقل مما ينبغى. لذلك أرى أن التكامل الاقتصادى ليس بديلاً عن السياسة، بل وسيلة لبناء مصالح عربية مشتركة أكثر رسوخاً. وكلما تشابكت الاستثمارات والأسواق وسلاسل الإنتاج، أصبحت قاعدة العمل المشترك أقوى.
وأنا مهتم بالانتقال من العناوين الكبرى إلى المصالح القابلة للقياس: زيادة التجارة والاستثمار، وربط رأس المال العربى بالفرص العربية، وتعزيز أمن الغذاء والطاقة والمياه، وفى كل ذلك يهمنى أن يكون للعالم العربى نسبة أعظم فى الاستفادة والإسهام بشكل أكبر من سلاسل الإنتاج لما يتجاوز المواد الخام أو العمالة غير المكلفة وتهيئة بيئة تسمح بالابتكار والعمل والإنتاج. هذه هى المساحات التى يمكن أن يشعر المواطن بأثر العمل العربى المشترك من خلالها.
والشباب ليسوا بنداً اجتماعياً على جدول الأعمال؛ هم الذين سيحددون شكل العالم العربى فى العقود المقبلة. الاستثمار فى تعليمهم ومهاراتهم وإتاحة فرصة حقيقية للتقدم والمشاركة مسألة اقتصادية واجتماعية وأمنية فى الوقت نفسه. البطالة والحرمان واتساع الفجوات ليست أرقاماً صامتة؛ إذا تراكمت تتحول إلى ضغوط على المجتمع والدولة.
وماذا عن التغيير التدريجى؟
- أما ما كتبته سابقاً عن التغيير التدريجى، فكان فى إطار حاجة المجتمعات والمؤسسات إلى الاستجابة المستمرة للتحولات الديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية. لكل دولة عربية خصوصيتها وخياراتها الوطنية والسيادية، وليس من دورى أن أقدم نموذجاً سياسياً داخلياً للدول الأعضاء. لكن المبدأ العام الذى أؤمن به هو أن المؤسسات الناجحة هى التى تتطور قبل أن تضطر إلى التغير تحت ضغط الأزمة. ولعل هذا الحديث فرصة لأنقح حتى ما ذكرته لأننى أدعو إلى غير التدريجى والمستدام، وأميل أكثر الآن إلى استخدام تعبير «التطوير». والتدرج لا يعنى تأجيل التغيير، وإنما إدارته بصورة تحمى المؤسسات وتوسع الفرص. القوة العربية ليست فقط قدرة سياسية أو عسكرية؛ هى أيضاً اقتصاد أكثر تكاملاً ورأس مال بشرى قادر على المنافسة.لا أعتقد أن الاقتصاد يسبق السياسة، ولكن لا أعتقد أيضا أنه من الممكن أن تقيم علاقة سياسية سوية دون اقتصاد؛ ولكى يكون القرار السيادى فى يدك كدول مستقلة ثم كمجموعات، لابد أن تبقى قادراً على النهوض ولابد أن يكون لديك أكثر من خيار؛ بالطبع لا يمكن أن ننعزل عن العالم، وبما أننا لا نستطيع أن ننعزل عن العالم كون أغلبنا دولاً متوسطة، إذًا منطقياً أن أتأثر بالغير، ومنطقياً من جانبى أن أضمن دائماً وأنا أتحدث مع دولة كبرى أن هناك خياراً مع دولة أخرى، وحينما أتحدث مع دولة إقليمية لابد أن يكون هناك خيار آخر والذى ليس بالضرورة أن يكون ضد الخيار الأول.
وأكرر؛ المعادلة المنطقية للدول المتوسطة أن تكون لها خيارات متعددة لتختار من بينها، وأن يكون القانون الدولى والعدالة عموداً فقرياً أساسياً، وذلك لأننا لا نريد أن نحارب الجميع، وبالتالى لا بد من وجود مرجعية للاستناد إليها فى بناء العالم العربى وصياغة تفاعلاته مع المنطقة ومع العالم.
تنتمى إلى جيل من الدبلوماسيين المصريين الذين ارتبط تاريخهم بالصراع العربى الإسرائيلى وآمنوا بقرارات الشرعية الدولية، وقد تعهدت فى أول مؤتمر صحفى بأن موقف الجامعة من جرائم إسرائيل فى فلسطين والأراضى العربية لن يقف عند حدود البيانات.. كيف يمكن ترجمة هذا الموقف عملياً؟ وما الذى تستطيع الجامعة القيام به لدعم مسارات المحاسبة والمساءلة القانونية الدولية؟
- نحن نعيش لحظة تتعرض فيها قواعد القانون الدولى لاختبارات قاسية، والمسألة بالنسبة لى تتجاوز فلسطين رغم مركزيتها. السؤال هو: هل نريد نظاماً دولياً تحكمه قواعد متفق عليها، أم عالماً يصبح فيه امتلاك القوة هو الذى يحدد ما هو مشروع وما هو غير مشروع؟ بالنسبة للدول الصغيرة والمتوسطة، ومنها غالبية دولنا، فإن القانون الدولى ليس ترفاً أخلاقياً؛ هو خط دفاع عن السيادة واستقلال القرار الوطنى.
المشكلة ليست غياب القواعد والمؤسسات، بل الانتقائية فى تطبيقها. لا يمكن أن نتحدث عن حرمة الاستيلاء على أراضى الغير بالقوة فى مكان، ثم نقبل الاحتلال والاستيطان والضم فى مكان آخر؛ أو عن حماية المدنيين كقاعدة عامة ثم نتعامل معها كاستثناء عندما يتعلق الأمر بالشعب الفلسطينى. استمرار ازدواجية المعايير يضر بحقوق الفلسطينيين، لكنه يضرب أيضاً مصداقية النظام الدولى نفسه.
ولهذا قلت إن موقف الأمانة العامة للجامعة لن يقف عند حدود البيانات، إنما الجامعة ليست محكمة ولا سلطة ادعاء، ولن ندعى اختصاصاً لا نملكه. والمقصود هنا تقديم أكبر قدر من التحركات والدفع السياسى الجماعى لدعم مواقف وقرارات الأعضاء، فلا أدعى أن للجامعة سلطة على الأعضاء، إلا أن لها دورا إيجابيا فى دعم مواقف أعضائها من خلال تشكيل سياستها، وكذلك الدفع بها فى محافل قانونية ودولية. نستطيع أن ندعم التحركات الفلسطينية والعربية أمام المؤسسات القضائية الدولية، وأن نساند احترام ما يصدر عنها، وأن نعمل على توثيق الانتهاكات وحشد المواقف فى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وأن نشجع الدول على استخدام ما لديها من أدوات سياسية واقتصادية وقانونية فى إطار القانون الدولى.
والمساءلة مسار طويل النفس. المهم ألا تتحول الانتهاكات الجسيمة مع مرور الوقت إلى أمر واقع يُطلب من الضحية أن تتعايش معه. وقد قلت بوضوح إن «الإبادة لا تسقط بالتقادم»؛ والمقصود أن الزمن أو اختلال ميزان القوة لا يمحو المسؤولية ولا يحول غير المشروع إلى مشروع.
وفى تقديرى، أن السلام الذى يقوم على تجاهل الحقوق أو الإفلات المتكرر من المحاسبة يظل هشاً. ونحن عندما ندافع عن تطبيق القانون على فلسطين، ندافع أيضاً عن نظام دولى تحتاج إليه كل دولة لا تريد أن يصبح حقها رهناً بقوة الآخرين.
عندما كنت مسؤولاً عن قناة الاتصال بين مصر وياسر عرفات وقت أوسلو، حذرته من التوقيع على اتفاق باريس الاقتصادى حتى لا تصبح السلطة الفلسطينية رهينة فى قفص إسرائيلى.. بعد مرور السنوات، كيف تنظر اليوم إلى مسار أوسلو؟ وما خطؤه الأساسى؟ وهل ما زال حل الدولتين ومبادرة السلام العربية يمثلان إطاراً صالحاً للتسوية والسلام، أم أن الوقائع على الأرض تجاوزتهما؟
- دعنى أولاً أفرق بين التفاوض وبين شروط التفاوض. لا أعتقد أن الخطأ فى أوسلو كان فى اختيار المسار السياسى؛ ففى نهاية المطاف لا توجد تسوية من دون تفاوض وحلول سياسية. المشكلة كانت فى إنشاء ترتيبات انتقالية شديدة الأهمية بينما ظلت القضايا الجوهرية مؤجلة، فى ظل اختلال كبير فى موازين القوة لصالح إسرائيل ومن دون ضمانات كافية تمنع الطرف الأقوى من تغيير الواقع خلال الفترة الانتقالية، هذا بالنسبة لاتفاق أوسلو عامةً.
أى قراءة اقتصادية جيدة لابد أن تنتهى للتوصل لتعاون اقتصادى ملموس بين دول المشرق وفلسطين وإسرائيل فى حالة وجود سلام وإنهاء الاحتلال، إنما تحفظى على اتفاق باريس الاقتصادى جاء لأنه جعل إسرائيل تسيطر اقتصادياً على مختلف مداخل ومخارج الاقتصاد الفلسطينى.
والدرس الأوسع من أوسلو ليس فى مضمونه إنما يجب الاحتياط دائماً من أن يصبح الترتيب المؤقت أمراً دائماً، وأن إدارة الصراع لا يجوز أن تتحول إلى بديل عن حله. أى مرحلة انتقالية تحتاج إلى وجهة نهائية واضحة، وإطار زمنى، وضمانات للتنفيذ؛ وإلا فإن الوقائع على الأرض قد تتغير إلى درجة تجعل التسوية نفسها أكثر صعوبة.
أما حل الدولتين فقد أصبح بلا شك أكثر صعوبة بسبب الاستيطان ومصادرة الأراضى ومحاولات الضم، لكن صعوبة الحل لا تجعل البدائل أكثر عدالة أو واقعية. الموقف العربى مازال واضحاً: إنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. المشكلة ليست أننا لا نعرف شكل الحل، بل فى غياب الإرادة السياسية من الجانب الآخر لتنفيذه، فدولة إسرائيل تواصل احتلالها بما يعنى استمرار الصراع.
ومبادرة السلام العربية ليست من الماضى، ولا ينبغى اختزالها فى التطبيع. منذ 2002 طرحت معادلة متكاملة: إنهاء الاحتلال، وقيام الدولة الفلسطينية، وحل عادل لقضية اللاجئين، وفى المقابل علاقات طبيعية فى إطار سلام شامل.
إلى جانب القضية الفلسطينية، تستمر أزمات وصراعات خطيرة فى عدد من الدول العربية؛ فالحرب فى السودان تهدد حياة الملايين ووحدة الدولة، وليبيا لا تزال تبحث عن تسوية سياسية تنهى الانقسام، فيما يواجه لبنان تحديات تتعلق بسيادته واستقراره، إلى جانب استمرار تعقيدات الأوضاع فى اليمن وسوريا. ماذا تستطيع الجامعة أن تفعل فى هذه الأزمات؟ وهل لديك تصور لجعلها أكثر حضوراً وتأثيراً؟
- هذه الأزمات تختلف فى أسبابها وأطرافها ومساراتها، ولذلك لا أؤمن بوصفة واحدة تطبق عليها جميعاً. لكن هناك مبدأ جامعا: الحفاظ على الدولة الوطنية ووحدة أراضيها وسيادتها ومؤسساتها، ومنع تحول الأزمات الداخلية إلى ساحات مفتوحة لتنافس القوى الخارجية. عندما تضعف الدولة لا يبقى الفراغ داخل حدودها، بل تنتقل تداعياته إلى جوارها وإلى الأمن العربى فى مجموعه.
ودور الجامعة ليس أن تفرض حلاً من الخارج أو أن تنشئ فى كل أزمة مساراً جديداً يحمل اسمها. أحياناً تكون القيمة فى المبادرة، وأحياناً فى التيسير أو جمع الأطراف أو تنسيق المسارات القائمة. المهم ليس أن نقول إن الجامعة موجودة، وإنما أن يكون لوجودها أثر فى تقريب التسوية.
فى السودان، الأولوية هى وقف إطلاق النار والاستجابة للكارثة الإنسانية والحفاظ على وحدة الدولة وتهيئة الظروف لعملية سياسية بملكية وقيادة سودانية، مع تنسيق الجهود العربية والأفريقية والدولية، مع الحفاظ على وحدة السودان ودولتها الوطنية بمؤسساتها. وفى ليبيا، ينبغى أن يكون للدور العربى حضور فاعل فى إطار تكاملى مع الأمم المتحدة، من خلال تيسير الحوار الليبي- الليبى ودعم توحيد المؤسسات والمصالحة والانتخابات، إلى جانب دعم اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 وتثبيت الاستقرار.
وفى لبنان، غنى عن القول إننا ندعم الدولة ومؤسساتها وبسط سلطتها على كامل أراضيها، ونتمسك بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب والالتزام بالقرار 1701. وفى سوريا، الأولوية هى وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها ودعم التعافى وإعادة البناء. أما اليمن فلا بديل عن تسوية سياسية شاملة تحافظ على وحدته ومؤسساته، وألا يتحول إلى امتداد لصراعات إقليمية أو إلى مصدر دائم لتهديد الملاحة فى البحر الأحمر وباب المندب.
ولا أقيس نجاح الجامعة بأن تكون صاحبة كل مبادرة. إذا كان الدور الأنسب هو القيادة فعلينا أن نقود، وإذا كان التيسير أو التنسيق مع الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقى أكثر فائدة فعلينا أن نفعل ذلك. النجاح هو أن تنتهى الأزمة وأن تبقى الدولة. فلا نريد حلولاً تنهى القتال اليوم وتزرع أزمة غدًا.
المصدر:
المصري اليوم