آخر الأخبار

زيارة شي جين بينج لمصر.. من المشروعات إلى توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا

شارك

نشرت الهيئة العامة للاستعلامات ، على موقعها الإلكتروني، تقريرا خاصا بعنوان "مصر والصين.. شراكة استراتيجية نحو المستقبل"، الذى أعده مركز الدراسات الإعلامية والسياسية ويتناول زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، وأبعادها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، في ضوء التطورات المتسارعة التي تشهدها العلاقات المصرية–الصينية.

ويرصد التقرير نتائج الزيارة التي شهدت توقيع أكثر من 20 وثيقة تعاون في عدد من المجالات، إلى جانب مجموعة من الإعلانات والاتفاقيات والتفاهمات التي تعكس اتساع نطاق الشراكة بين البلدين ودخولها مجالات أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا والتصنيع والتكامل الاقتصادي، والتي أصبحت في قلب الرؤية المصرية للعلاقة مع الصين.

وتتمثل دلالة الزيارة وتوقيتها في:

* تكتسب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في سبتمبر 2026 دلالة تاريخية وسياسية خاصة، إذ تتزامن مع مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتتمتع مصر بمكانة مميزة في الذاكرة الدبلوماسية الصينية، لكونها أول دولة عربية وأفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية وتقيم معها علاقات دبلوماسية عام 1956.


ولم تبق هذه العلاقة في إطارها التاريخي والرمزي، بل تطورت تدريجيًا حتى ارتقت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، لتتحول خلال العقد التالي إلى علاقة متعددة الأبعاد تشمل السياسة والتجارة والاستثمار والبنية التحتية والصناعة والتكنولوجيا والتنسيق في القضايا الدولية. ومن ثم، حملت الذكرى السبعون معنى يتجاوز الاحتفاء بالماضي، لتشكل مناسبة لمراجعة مسار العلاقة وتحديد اتجاهاتها المستقبلية.


* تزداد أهمية الزيارة لكونها الأولى للرئيس شي إلى مصر منذ يناير 2016، بعد نحو 10 سنوات شهدت خلالها العلاقات تحولًا نوعيًا واضحًا. وفي المقابل، حافظت القاهرة على مستوى مرتفع من التواصل السياسي مع بكين؛ إذ زار الرئيس السيسي الصين ثماني مرات منذ 2014.


ويكشف ذلك عن استمرارية الرهان المصري على تطوير العلاقة مع الصين، بينما منحت عودة الرئيس الصيني إلى القاهرة ثقلًا سياسيًا إضافيًا للمرحلة الجديدة. وكانت بكين قد وصفت العلاقات مع القاهرة قبل الزيارة بأنها في "أفضل حالاتها في التاريخ"، وهو توصيف استخدمه الرئيس شي نفسه، بما يعكس تقييمًا صينيًا بأن العلاقة وصلت إلى مستوى يسمح بالانتقال من توسيع التعاون القائم إلى إعادة صياغة أولوياته المستقبلية.


تطور وتيرة التحركات الخارجية للرئيس شي منذ 2013، بما يساعد على وضع زيارته إلى مصر في سبتمبر 2026، ضمن السياق الأوسع للنشاط الدبلوماسي الصيني، ومن هذه الزاوية، لا تتمثل الدلالة الأساسية للفاصل الزمني بين زيارتي 2016 و2026 في طول المدة بحد ذاته، إنما في حجم التحولات التي شهدتها العلاقة خلالها.

ففي حين ارتبطت زيارة 2016 بصورة كبيرة بمشروعات البنية الأساسية والطاقة والتمويل والتنمية الصناعية، جاءت زيارة 2026 في وقت أصبحت فيه أجندة التعاون أكثر ارتباطًا بتوطين الصناعة، ونقل التكنولوجيا، والاقتصاد الرقمي، والطاقة الجديدة، وسلاسل الإمداد، والاستثمار الصناعي المتقدم.

توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا أولوية لمصر والصين

* أكد الرئيس السيسي أن توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا يمثلان أولوية للبلدين، كما أظهر البيان المشترك اتجاهًا واضحًا نحو توسيع التعاون في القطاعات الصناعية والتكنولوجية؛ لذلك يمكن النظر إلى الزيارة باعتبارها نقطة انتقال من مرحلة بناء المشروعات إلى مرحلة بناء قدرات إنتاجية وتكنولوجية أكثر تكاملًا.

* كما اكتسب توقيت الزيارة أهميته من البيئة الإقليمية المضطربة التي أحاطت بها، فقد جاءت في ظل استمرار تداعيات الحرب في غزة، والتوترات المتصلة بالصراع مع إيران، واضطراب بيئة الأمن البحري والطاقة، وهي عوامل تمس المصالح المصرية والصينية بصورة مباشرة. بالنسبة إلى مصر، يمثل استقرار البحر الأحمر وحركة الملاحة عبر قناة السويس مصلحة اقتصادية وأمنية أساسية؛ وبالنسبة إلى الصين، يرتبط استقرار المنطقة بأمن تدفقات الطاقة وسلاسل التجارة التي تمر بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس.


لذا تبرز زيارة شي في هذا التوقيت اهتمام بكين بتوسيع التنسيق مع دولة تمتلك وزنًا سياسيًا وقدرة على التواصل مع أطراف متعددة في الأزمات الإقليمية.

القاهرة منصة مناسبة للتحركات الصينية بالإقليم

* تفسر هذه البيئة كذلك لماذا كانت القاهرة منصة مناسبة للتحرك الصيني، حيث تتمتع القاهرة بميزة سياسية تتمثل في قدرتها على الحفاظ على علاقات عمل مع أطراف إقليمية ودولية متباينة، إلى جانب دورها في الوساطة بشأن القضية الفلسطينية وعلاقاتها الوثيقة بدول الخليج والولايات المتحدة.


ومن منظور بكين، توفر هذه الميزة منصة دبلوماسية متوازنة يمكن من خلالها التعبير عن المواقف الصينية وتشجيع خفض التصعيد دون تحمل الأعباء السياسية والأمنية المرتبطة بالوساطة المباشرة في الصراعات الإقليمية. تزداد أهمية هذه الخاصية في وقت تسعى فيه الصين إلى حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية في المنطقة مع تجنب الانحياز الصريح إلى محور إقليمي على حساب آخر.


* يكتسب توقيت الزيارة بعدًا دوليًا إضافيًا بالنظر إلى أنها جاءت عقب مشاركة الرئيس شي في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، ومصر نفسها شريك حوار بالمنظمة منذ 2022، وتسعى إلى توسيع تعاونها معها في مجالات الاقتصاد والنقل واللوجستيات والطاقة والبنية التحتية ومكافحة الإرهاب.


• ويضع ذلك زيارة القاهرة ضمن تحرك صيني أوسع لتعزيز شبكات التعاون مع الدول النامية والأسواق الناشئة، وربط العلاقات الثنائية بأطر متعددة الأطراف مثل منظمة شنغهاي وتجمع بريكس ومنتديات التعاون الصيني العربي والصيني الأفريقي.

الشراكة المصرية - الصينية نموذج مهم للتعاون بين الدول النامية

في السياق ذاته، حملت الزيارة دلالة واضحة تتصل بتنامي دور الجنوب العالمي في الرؤية السياسية لكل من القاهرة وبكين، حيث أكد البيان المشترك ضرورة تعزيز صوت الدول النامية وزيادة مشاركتها في صنع القرار الاقتصادي والسياسي الدولي.

ووصف الشراكة المصرية - الصينية بأنها نموذج للتعاون بين الدول النامية يقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل والمنفعة المشتركة، بذلك لم تعد الزيارة مهتمة فقط بإدارة الملفات الثنائية، إنما أصبحت مرتبطة برؤية أوسع لطبيعة النظام الدولي ودور القوى الصاعدة داخله، وهي رؤية تمنح مصر والصين مساحة أكبر للتنسيق في المؤسسات متعددة الأطراف.

وصول العلاقات الثنائية إلى مرحلة ناضجة بعد 70 عامًا من التفاعل الدبلوماسي

في الوقت نفسه، ينبغي قراءة التقارب المصري - الصيني في إطار سياسة تنويع الشراكات وليس استبدال شريك دولي بآخر؛ فمصر تحافظ على علاقات أمنية واقتصادية عميقة مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج، لكنها تعمل في الوقت ذاته على توسيع علاقاتها مع الصين وقوى دولية أخرى بما يزيد من هامش الحركة أمام السياسة الخارجية المصرية. وقد وصفت تحليلات دولية هذا النهج بأنه سعي إلى "التوازن الاستراتيجي".

ما يفسر إمكانية تطوير التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والدفاعي مع بكين بالتوازي مع استمرار الشراكات التقليدية مع الغرب. وبالنسبة إلى الصين، توفر هذه السياسة المصرية فرصة لتعميق حضورها في دولة عربية وأفريقية محورية دون أن يكون ذلك مشروطًا بتحويل القاهرة إلى جزء من محور صيني مغلق.

ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لتوقيت الزيارة تكمن في تزامن ثلاثة تغيرات: وصول العلاقات الثنائية مرحلة ناضجة بعد سبعين عامًا من التفاعل الدبلوماسي؛ انتقال التعاون الاقتصادي تدريجيًا من البنية الأساسية إلى التصنيع والتكنولوجيا؛ وازدياد الحاجة إلى التنسيق المصري الصيني في بيئة إقليمية ودولية أكثر اضطرابًا وتعددًا في مراكز القوة.

بذلك يمكن النظر إلى زيارة 2026 باعتبارها محطة لإغلاق مرحلة سابقة من تطور الشراكة، وفي الوقت ذاته تدشين أجندة للعقد المقبل تقوم على توطين الصناعة والتكنولوجيا، وتوسيع المصالح الاقتصادية المتبادلة، وتعميق التنسيق السياسي مع الحفاظ على استقلالية خيارات كل طرف.


شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا