بين وثائق المجموعة صفحة من جواز سفر محمد أمين الخانجى تحمل بياناته الشخصية؛ وهى محفوظة فى السجل الرقمى رقم 959: بيانات محمد أمين أفندى فى جواز سفره. لا تبدو الوثيقة، للوهلة الأولى، أكثر من ورقة إدارية: اسم، وأوصاف، وأختام، وإثبات لهوية رجل يتحرك داخل الدولة العثمانية حينذاك، لكنها، فى سياق السيرة العائلية، تمثل اللحظة التى كان فيها «الخانجى» لايزال فردًا مهاجرًا قبل أن يصبح اسمًا معروفًا فى سوق الكتاب المصرية.
وتكمل هذه الصورة وثيقة أخرى تتعلق بتحصيل رسوم على شحنات أرسلها محمد أمين عبدالعزيز الخانجى من إسطنبول إلى مصر، محفوظة فى السجل رقم 1077: إيصال رسوم الشحنات الواردة من إسطنبول. صحيح أنها ورقة مالية، لكنها تخفى وراء أرقامها شبكة كاملة: كتب تتحرك من عاصمة الخلافة العثمانية إلى القاهرة، وصناديق تمر عبر الموانئ والجمارك، ورجل يبنى تجارته فى مصر بينما يحتفظ بعلاقات عمل تمتد إلى مدن المشرق.
بهاتين الوثيقتين يبدأ تاريخ العائلة فى مصر، لا بقرار احتفالى بتأسيس دار نشر، بل بحركة متواصلة عبر الحدود، حيث كان محمد أمين الخانجى ابن عالم لم تعرف المنطقة فيه الحدود السياسية اللاحقة بصورتها الراهنة؛ حلب وإسطنبول والقاهرة وبيروت والقدس وبغداد محطات داخل سوق ثقافية واحدة، وكانت الرسالة البريدية أو إيصال الشحن بمثابة الخيط الذى يربط هذه المدن بعضها ببعض.
لا يقدم الأرشيف صورة المؤسس من خلال أوراقه وحدها، وإنما من خلال الطريقة التى أعادت بها الأسرة رواية حياته، ففى السجلين رقمى 785 و786: تكملة سيرة محمد أمين الخانجى بقلم «ابن الخطيب» تظهر صفحات أُعدت لتستكمل ترجمته وتبرز أعماله وأثره، وتشير بيانات الأرشيف إلى ارتباطها بابنه نجيب الخانجى.
ولا ندرى بالتحديد من هو ابن الخطيب، وإن كنا نرجح أن يكون هو الأديب والكاتب والصحفى والناشر والداعية الإسلامى السورى محب الدين الخطيب (1886- 1969م)، وذلك استنادًا على حديث السيد أمين الخانجى عن ظروف النشر والطباعة قديمًا فى تصريحاته لجريدة «المصرى اليوم»، فى عددها رقم 1859، الصادر بتاريخ 16 يوليو 2009، إذ قال: «على سبيل المثال، هناك كتاب البداية والنهاية الذى قامت بطبعه وتحقيقه 3 دور نشر متعاونة، وهى الخانجى، والمكتبة السلفية لصاحبها محب الدين الخطيب، ومطبعة السعادة لصاحبها على إسماعيل، ولكى يتمكنوا من طبع الكتاب حصلوا على دعم الملك عبدالعزيز آل سعود، ملك الحجاز (السعودية)، وكان ذلك سنة 1902».
لكن أيًا كان من هو ابن الخطيب، فإن هذه الصفحات تكشف عن انتقال المؤسس محمد أمين الخانجى من عالم الحياة اليومية إلى عالم الذاكرة، فلم يعد محمد أمين مجرد الأب الذى يخرج فى الرحلات، أو صاحب المكتبة الذى ينتظر وصول الطرود، بل أصبح سيرة يتعين تدوينها وحفظها للأبناء والقراء، وهذه لحظة شديدة الدلالة فى تاريخ الأسر الثقافية: حين يدرك الجيل التالى أن ما ورثه ليس متجرًا وبضاعة فقط، وإنما قصة تحتاج إلى من يرويها.
وقد أجمعت شهادات عدد من علماء عصره على أن مكتبته كانت أقرب إلى مجلس ثقافى مفتوح، فوصفها الورّاق العراقى قاسم محمد الرجب (1919- 1974م) صاحب «مكتبة المثنى» ببغداد، بأنها مقصد لطلاب العلم القادمين من أقطار مختلفة، ووصف محمد أمين الخانجى نفسه بأنه «أكبر خبير فى الكتب الخطية»، واعتبره «الوراق الوحيد بالعالم العربى فى تلك الأيام»، (ص 39)، بينما رأى محمد زاهد الكوثرى (1879- 1952م)، الذى تعرف عليه الوراق قاسم الرجب نفسه فى مكتبة الخانجى بالقاهرة، أن متجر الخانجى كان «مجمع الفضلاء وندوة العلماء، كما كان فرعه بالأستانة (إسطنبول) ملتقى الباحثين ومجتمع المنقبين، يزوره الأمير والوزير، والعالم الكبير والصغير، يتجاذبون فيه أطراف الحديث فى أنفع الكتب فى العلوم، ويتعارف فيه أهل الفضل بعضهم على بعض»، كما ينقل لنا إبراهيم الدويرى فى دراسته المنشورة بموقع «الجزيرة» 8 أغسطس 2022، تحت عنوان «الخانجى الكتبى الذى أنقذ تراث الأمة»، والتى اعتمد فيها على مذكرات وشهادات محمود محمد شاكر، وعبدالسلام هارون، وقاسم الرجب، والكوثرى.
وليس هذا بغريب على الخانجى، إذ نشر ما يقرب من «378» كتابًا ورسالة، منها على سبيل المثال لا الحصر، تاريخ بغداد للخطيب البغدادى، وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبى نعيم الصبهانى، ومعجم البلدان لياقوت الحموى، واللزوميات لأبى العلاء المعرى.
إذا كان جواز المؤسس محمد أمين الخانجى يحكى سيرة الهجرة، فإن شهادة ابنه سامى تحكى سيرة الاستقرار، حيث يحتفظ الأرشيف بالسجل رقم 886: شهادة إتمام الدراسة الثانوية لمحمد سامى أمين بن محمد أمين الخانجى، والصادرة عن وزارة المعارف العمومية فى السلطنة المصرية.
بين جواز الأب وشهادة الابن تتجسد عملية التحول التى عاشتها الأسرة، فالأب جاء من حلب وراكم خبرته عبر الرحلات والأسواق والمجالس العلمية؛ أما الابن فدخل مؤسسات التعليم الحديثة فى مصر، وحصل على وثيقة رسمية تحمل اسمه واسم أبيه معًا، إذن لقد صارت القاهرة، بالنسبة إلى الجيل الثانى، وطنًا تعليميًا وإداريًا، لا مجرد مركز للتجارة.
ويحتفظ الأرشيف كذلك بجوازات سفر سامى أمين الخانجى، ومنها السجل رقم 921: جواز سفر سامى أمين الخانجى، وفى السجل رقم 990: بطاقة موظف سامى أمين الخانجى تظهر بيانات تتعلق بميلاده فى 27 مارس 1904، وتعيينه فى 22 سبتمبر 1940، وراتبه 16 جنيهًا إسترلينيًا.
لا تروى هذه الأوراق حكاية درامية بمفهومها التقليدى، لكنها ترسم بدقة صعود جيل جديد يجمع بين إرث الوراقة وعالم الدولة الحديثة: مدارس وشهادات وبطاقات موظفين وجوازات سفر، وكأن العائلة كانت تنقل مكتبتها من زمن التاجر الفرد، الذى تعتمد المؤسسة على خبرته وذاكرته الشخصية، إلى زمن الإدارة المكتوبة والسجلات والموظفين.
كان محمد أمين الخانجى كثير السفر، خرج إلى فلسطين وسوريا والعراق باحثًا عن المخطوطات وأصحاب المكتبات الخاصة، وخلال هذه الرحلات تبادل الرسائل مع ابنيه سامى ونجيب فى القاهرة؛ وهى مراسلات وصفها الباحثان جاريت ديفيدسون ورنا ميقاتى-فى البحث المشار إليه سابقًا- بأنها من أكثر أجزاء الأرشيف حميمية وأهمية، لأنها تكشف فى الوقت نفسه تفاصيل الرحلة وطريقة إدارة العمل داخل الأسرة.
لم يكن الأب يكتب مذكرات رحالة يتأمل المدن فحسب، بل كان يرسل تعليمات إلى الأبناء: ما الذى وصل؟ من سدد حسابه؟ أى الصناديق ينبغى فتحها؟ وما الكتب التى يجب الاحتفاظ بها أو إرسالها إلى عميل بعينه؟ فى المقابل كانت القاهرة تصل إليه فى هيئة رسائل تحمل أخبار المتجر والحسابات والأسرة.
بهذا المعنى، لم تكن المكتبة بناءً فى القاهرة، بل غرفة إدارة موزعة بين جسد الأب المسافر وأيدى الأبناء المقيمين، وكانت الرسالة هى الأداة التى تُبقى هذه الغرفة متماسكة، وتحول العلاقة العائلية نفسها إلى نظام للعمل، وقد وثّق بحث «نافذة على معاملات المخطوطات فى أوائل القرن العشرين» وجود هذه المراسلات، موضحًا أنها تسجل آلاف المخطوطات التى اشتراها الخانجى وأرسلها إلى مصر.
وتظهر الرحلة العراقية سنة 1930 بوضوح أكبر فى دفتر الخانجى، الذى سجل فيه تحركاته اليومية ومصروفاته على الطعام والإقامة والبريد والقهوة والتبغ، إلى جانب أسماء المخطوطات وأثمانها، وقد خضع الدفتر لدراسة أكاديمية حديثة بعنوان Muḥammad Amīn al-Khānjī and His Transactions with Members of the Kāshif al-Ghiṭā Family in Najaf، «محمد أمين الخانجى ومعاملاته مع أفراد عائلة كاشف الغطاء فى النجف»، وتحدد الدراسة موقعه فى أرشيف الجامعة الأمريكية: المجلد 15، الملف 5.
هنا يبدو الأب بعيدًا عن أسرته، لكنه فى الحقيقة لا يغادرها، فكل ورقة فى الدفتر تنتهى، بصورة أو بأخرى، عند متجر القاهرة الذى يديره الأبناء: صندوق سيصل، أو مبلغ سيُطالب به، أو كتاب سيُعرض على مشترٍ، كانت الرحلة فردية فى ظاهرها، لكنها مشروع عائلى متكامل.
وسط العقود والمطالبات المالية، تبرز رسالة مختلفة فى نبرتها؛ رسالة بعث بها شخص يدعى أحمد طلعت للاطمئنان على محمد أمين الخانجى بعد تعرضه لحادث، وترد فى السجل رقم 37: Letter Checking on Muhammad Amin Al-Khanji after Accident.
تكمن أهمية هذه الورقة فى أنها تعطل- ولو للحظة- لغة السوق، فالرجل الذى يظهر فى بقية الأوراق مشتريًا ومفاوضًا وناشرًا وصاحب حسابات، يظهر هنا إنسانًا أصابه مكروه، فتصل إليه رسالة تسأل عن صحته، وعلى صِغر هذه الوثيقة، فإنها تكشف جانبًا بالغ الدلالة فى تاريخ العائلة؛ إذ تُظهر أن العلاقات التى نسجتها حول المكتبة لم تكن تجارية فحسب، بل قامت أيضًا على الصداقة والمجاملة والواجب الاجتماعى والاهتمام الإنسانى، ومن هنا لم تتحول المكتبة إلى ملتقى للعلماء بسبب ما ضمته أرففها من كتب نادرة فقط، وإنما أيضًا بفضل ما بناه صاحبها وأبناؤه من روابط قائمة على الثقة والمودة والتقدير المتبادل.
بعد رحيل المؤسس، لم تنقطع الرسائل، إذ تولى سامى أمين ونجيب إدارة النشاط، وواصل الاثنان التعامل مع الناشرين والمكتبات فى أنحاء العالم العربى، وتكشف مجموعة المراسلات العراقية كيف أخذ اسم الفرد يتحول تدريجيًا إلى اسم مؤسسة.
ففى السجل رقم 469 من مراسلات الناشرين العراقيين نجد طلبًا رسميًا بعث به الأديب والكاتب العراقى قاسم الرجب الذى قام بطبع أمهات الكتب والمصادر العربية والإسلامية وأعاد طبعاتها الأولى، ويسرها للباحثين والدارسين بعد أن أصبحت نادرة، وكان خبيرًا واسع المعرفة بالمصادر الأجنبية العلمية منها والأدبية، وخبيرًا منقطع النظير بالمخطوطات النادرة والنسخ الغربية ومواضع وجودها، إلى نجيب الخانجى و«مؤسسة الخانجى»، يطلب فيه تجهيز مجموعة من الكتب، إلى جانب خطابات وفواتير تكشف استمرار التعامل بين المؤسسة وكلٍّ من مكتبة المثنى ودار القلم فى العراق.
لم يعد المخاطَب «محمد أمين أفندى»، الذى يعرف مكان كل مخطوط فى ذاكرته، بل «نجيب الخانجى ومؤسسة الخانجى»، الاسم العائلى نفسه صار ضمانة تجارية وثقافية، فالعميل البعيد فى بغداد لم يكن يراسل فردًا مجهولًا، وإنما يخاطب بيتًا عرفه عبر جيلين.
وفى السجل رقم 386: مراسلات الناشرين العراقيين- الصفحة الثانية، ترد مكاتبة مرسلة عبر وزارة المواصلات المصرية، تتضمن تحيات موجّهة إلى «عائلة الخانجى»، إلى جانب مراسلات أخرى تتعلق بتسوية الأرصدة المالية، ومتابعة شحنات الكتب، والاستفسار عن أسباب تأخر وصولها.
وربما تختصر عبارة «تحيات إلى عائلة الخانجى» طبيعة المؤسسة أكثر من أى عقد قانونى، فالمرسل لا يحيى مدير الدار وحده؛ إنه يحيى الأسرة كلها، كما لو أن المكتبة بيت معروف فى القاهرة، لأفراده وجوه وأسماء وذاكرة لدى مراسليهم فى بغداد.
وتتواصل خيوط هذه الشبكة فى السجل رقم 678 من مراسلات الناشرين العراقيين، الذى يضم خطابات موجّهة إلى نجيب الخانجى بشأن متابعة الصناديق المشحونة وإعداد قوائم الكتب المطلوبة، فيما يشير فهرس السجل إلى امتداد هذه المراسلات حتى عام 1962، بما يعكس استمرار الصلات التجارية والثقافية بين مكتبة الخانجى وشركائها فى العراق عبر عقود متعاقبة.
وتكشف هذه الأوراق أن استمرار المكتبة لم يكن مجرد وفاء عاطفى للأب، بل قدرة على تحويل معرفته الشخصية إلى تقليد عائلى، حيث تعلّم الأبناء أسماء الكتب والعملاء والطرق والموانئ، ثم أضافوا إلى ذلك أدوات عصرهم: المراسلات الرسمية والقوائم المحاسبية وتنظيم الشحنات وإدارة الأرصدة.
تضاعفت القيمة التوثيقية لمراسلات الخانجى؛ إذ إن بعض المؤسسات التى تعاملت معها العائلة فقدت جانبًا كبيرًا من أرشيفها الأصلى، ومن أبرز الأمثلة مراسلات مكتبة المثنى العراقية، التى كان يديرها قاسم الرجب، فقد اكتسبت أهمية استثنائية بعدما ضاعت أوراق المكتبة وتعرّض مقرها للتدمير خلال الحروب والاضطرابات التى شهدها العراق بعد ذلك، طبقًا لبحث «نافذة على حركة تداول المخطوطات العربية فى أوائل القرن العشرين.. أرشيف الناشر وتاجر المخطوطات القاهرى محمد أمين الخانجى (ت. 1939)»، وهكذا تحولت نسخ الرسائل والفواتير وقوائم الكتب التى احتفظت بها عائلة الخانجى فى القاهرة إلى شاهد نادر على تاريخ مكتبة المثنى، وإلى جزء أساسى من ذاكرة النشر وتجارة الكتاب فى العراق.
إنه انقلاب مثير فى وظيفة الأرشيف، فالأسرة التى كانت تجمع المخطوطات القديمة وتنقذها من التشتت، انتهت إلى إنقاذ رسائل ناشرين معاصرين لها أيضًا، فلم تحفظ عائلة الخانجى الكتب التى مرت فى متجرها فقط؛ بل حفظت آثار المؤسسات والأشخاص الذين تعاملت معهم.
ومن خلال هذه الأوراق يمكن إعادة بناء تاريخ لا يظهر عادة فى مقدمات الكتب: كيف جرى الاتفاق على الطبعة، ومن تحمل نفقات الورق، وأى طريق سلكه الصندوق، ولماذا تأخر وصول النسخ، ومن احتج على رصيد قديم، ومن بعث سلامًا إلى الأسرة بعد انتهاء الحديث عن الحساب.
استمرت العائلة فى إدارة المكتبة، حتى تولّى الحفيد محمد أمين الخانجى مسؤوليتها عام 1973، وعندما اطّلع الباحثون على الأرشيف وبدأ النقاش حول الجهة التى ستتولى حفظه، أصرَّ الحفيد على أن تبقى المجموعة كاملة داخل مصر، وألا تتفرق وثائقها بين مؤسسات مختلفة، وبعد زيارته معامل الرقمنة ومكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وافق على إيداع الأرشيف لدى الجامعة، لتتولى حفظه وترميمه وفهرسته ورقمنته، ثم إتاحته للباحثين والمهتمين بتاريخ الكتاب والنشر فى العالم العربى.
فى هذه اللحظة يكتمل القوس السردى للعائلة: الجد الذى جاء من حلب إلى القاهرة حاملًا الكتب، والابن الذى خبأ أوراقه فى خزانة المتجر، والحفيد الذى أخرجها من الخزانة لكنه أصر على ألا تخرج من مصر.
وتوضح الجامعة الأمريكية بالقاهرة، فى تقريرها المعنون «رقمنة التراث» Digitizing Heritage، أن مجموعة الخانجى تضم نحو 5600 مادة أرشيفية، تشمل المراسلات والفواتير وطلبات الكتب وقوائم الأسعار والوثائق الشخصية، كما تكشف عمليات الحفظ والفهرسة والرقمنة عن مدى تداخل النشاط التجارى للمكتبة مع الحياة الثقافية والاجتماعية للعائلة، بحيث يصعب الفصل بين تاريخ المؤسسة وتاريخ البيت الذى نشأت فيه واستمرت من خلاله.
لا تروى وثائق الخانجى قصة ناشر كبير بالمعنى التقليدى، ولا تقدم بطولة فردية لرجل عثر على مخطوطات نادرة فقط، لكن ما ترويه، فى جوهرها، هو تاريخ بيت.
ففى هذا البيت كان الأب يسافر ويكتب، والأبناء ينتظرون الصناديق ويردون على العملاء، وكانت الشهادة المدرسية تجاور فاتورة المطبعة، وجواز السفر يستقر بالقرب من قائمة المخطوطات، ورسالة الاطمئنان بعد الحادث تُحفظ إلى جوار مطالبة بدَيْن قديم، إذ لم تفصل الأسرة بين حياتها الخاصة وحياة المكتبة، لأن المكتبة نفسها كانت شكل حياتها.
وحين خرجت الكتب من القاهرة إلى بغداد أو لندن أو برنستون، بقيت الرسائل فى الخزانة، وبعد عقود طويلة، عادت هذه الرسائل لتكشف أن الطريق الذى سلكته آلاف المخطوطات لم يكن مجهولًا تمامًا؛ بل كانت له أسماء وعناوين وأختام، وكانت خلفه عائلة تجلس فى متجر صغير بالقاهرة وتدير، من بين أكوام الورق، واحدة من أوسع شبكات الكتاب العربى فى القرن العشرين.
لقد انتقلت مخطوطات كثيرة من يد الخانجى إلى مكتبات بعيدة، لكن الأرشيف بقى ليقول إن الثقافة لا يصنعها المؤلفون وحدهم، بل يصنعها أيضًا أولئك الذين يطاردون النسخة النادرة، ويقارنون الأوراق، ويرتبون الطرود، ويرسلون الخطابات، ويورثون أبناءهم ذاكرة الكتب، وهكذا لم تكن عائلة الخانجى تعيش إلى جوار المكتبة؛ بل كانت هى نفسها المكتبة.
المصدر:
المصري اليوم