آخر الأخبار

دراسة في جامعة بريطانية عن تجربة «المصري اليوم».. «حوكمة الذكاء الاصطناعي» تتحول لـ«درعٍ دفاعية» تحمى غرفة الأخبار (ملف خاص)

شارك

فى قلب المشهد الإعلامى العربى، تبرز صحيفة «المصرى اليوم» كواحدة من التجارب الصحفية التى استطاعت أن تصنع لنفسها حضورًا ممتدًا يتجاوز حدود التغطية الإخبارية إلى الإسهام فى تشكيل الوعى العام لدى شرائح واسعة من القراء فى مصر وخارجها، بما يعكس قدرتها على التفاعل مع متغيرات الواقع وتنوع اهتماماته.

ومع التحولات الرقمية المتسارعة، برزت «المصرى اليوم» كإحدى المؤسسات الإعلامية التى بادرت إلى استكشاف هذا التحول وتوظيف أدواته، بما يفتح آفاقًا جديدة لإعادة قراءة دور الإعلام فى العصر الرقمى.

ولم تتوقف أهمية الصحيفة عند هذا الحد، بل امتدت لتصبح محل اهتمام الباحثين والدارسين فى مجالات الإعلام والدراسات المعاصرة نظرًا لما تمثله من نموذج يعكس تفاعل المؤسسة الصحفية مع التحولات التكنولوجية، لاسيما فيما يتعلق بحوكمة الذكاء الاصطناعى.

وسلطت دراسة بعنوان «التحول نحو المنصات الرقمية وعلاقات القوة وحوكمة الذكاء الاصطناعى فى غرف الأخبار: رؤى من الجنوب العالمى» أجراها الباحثان داليا الشيخ ودانيال جاكسون، بقسم الاتصال والصحافة، جامعة بورنموث، بالمملكة المتحدة، الضوء على كيفية قيام جريدة «المصرى اليوم»، وهى إحدى المؤسسات الإخبارية الرائدة فى مصر، بدمج الذكاء الاصطناعى فى العمليات التحريرية والتقنية فى ظل تبعية بنيوية.

اكتسبت سمعة قوية فى الصحافة الاستقصائية.. ولاتزال واحدة من أبرز العلامات الإخبارية فى مصر

وأصبح الذكاء الاصطناعى مدمجًا بشكل متزايد فى إنتاج الأخبار على مستوى العالم، مما دفع إلى تنامى الأبحاث التى تدرس تداعياته على الصحافة.

وفى سياقات الجنوب العالمى، غالبًا ما استند هذا النوع من الدراسات إلى نقدٍ أوسع للاقتصاد السياسى لعمليات تحويل البيانات إلى رقمية (datafication) وقوة المنصات الرقمية، حيث ركز على قضايا عدم المساواة، والاعتماد على المنصات، والقيود البنيوية.

كما أبرز كيف أن تبنى التكنولوجيا غالبًا ما يحدث داخل أنظمة غير متكافئة من القوة يهيمن عليها فاعلون من الشمال العالمى.

ويضع تيار بارز من الأبحاث الذكاء الاصطناعى ضمن إطار نقدى أوسع للرأسمالية «المنصاتية» والاستعمار الرقمى للبيانات، مع التأكيد على أن النظم التكنولوجية مدمجة داخل بنى تحتية عابرة للحدود تهيمن عليها مجموعة محدودة من فاعلى الشمال العالمى.

ومن هذا المنظور، فإن تبنى الذكاء الاصطناعى فى الصحافة لا ينفصل عن تاريخ أطول من التبعية الرقمية، حيث تشكل عمليات استخراج البيانات، والتحكم فى البنية التحتية، ومعايير البرمجيات، خارج نطاق المؤسسات الصحفية ذاتها.

وتبرز الدراسات المتعلقة بالصحافة فى أفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب آسيا أن هذا النمط من تبنى التكنولوجيا يعزز علاقات القوة غير المتكافئة بين المؤسسات الإخبارية ومزودى التكنولوجيا. وغالبًا ما تضطر المؤسسات الصحفية إلى تكييف أساليب العمل والممارسات التحريرية لتتناسب مع الأدوات المتاحة، مع تحمل التكاليف والمخاطر المرتبطة بتقنيات تدار خارجيًا.

ويعد الاستمرار فى الإشراف البشرى موضوعًا محوريًا؛ إذ تظهر العديد من الدراسات أن الذكاء الاصطناعى فى الصحافة يطبق غالبًا ضمن ترتيبات هجينة بين الإنسان والآلة، حيث تدعم الأنظمة الآلية العمل الصحفى دون أن تحل محل عملية اتخاذ القرار التحريرى.

وأشارت الدراسة إلى أن الصحفيين المنخرطين فى صحافة البيانات أو التحقق أو الصحافة الحاسوبية غالبًا ما ينظرون إلى الذكاء الاصطناعى بوصفه أداة دعم تحليلية مفيدة، فى حين يربطه آخرون بتراجع المهارات المهنية، والمراقبة، وعدم الاستقرار الوظيفى.

وتعتمد هذه الدراسة على تصميم دراسة حالة نوعية مفردة لفحص كيفية إدماج الذكاء الاصطناعى وحوكمته والتفاوض حوله داخل مؤسسة إعلامية واحدة. ويتيح هذا النهج تحليلًا معمقًا للممارسات التنظيمية وعمليات اتخاذ القرار فى سياقها الواقعى، خاصة فى الحالات التى يتطور فيها تبنى التكنولوجيا ضمن ظروف من القيود المؤسسية والاقتصادية.

وتم اختيار صحيفة «المصرى اليوم» لأنها تجمع بين الأهمية التاريخية داخل المشهد الصحفى المصرى وما شهدته مؤخرًا من تجارب تنظيمية على مستوى المؤسسة فى مجال الذكاء الاصطناعى.

تأسست الصحيفة عام 2004، واكتسبت سمعة قوية فى مجال الصحافة الاستقصائية المتعلقة بالقضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، خاصة خلال فترة حكم الرئيس الراحل مبارك. كما مثلت منصة تدريبية لعدد من الصحفيين وقيادات غرف الأخبار، حيث انتقل العديد من العاملين السابقين فيها لاحقًا لتأسيس أو الانضمام إلى مؤسسات إعلامية رقمية كبرى مثل «مصراوى» و«الوطن».

فى وقت جمع البيانات اللازمة للدراسة، كانت صحيفة «المصرى اليوم» لاتزال تعد واحدة من أبرز العلامات الإخبارية فى مصر، إذ تمتلك ما يقارب من 19 مليون متابع على منصة فيسبوك، وهو ما يعكس استمرار حضورها وأهميتها داخل منظومة الأخبار الرقمية فى البلاد. وفى عام 2024، شاركت المؤسسة فى برنامج « FT Strategies–Google News Initiative AI Launchpad» («فاينانشيال تايمز ستراتيجيز- جوجل نيوز»)، وهو برنامج دولى يهدف إلى دعم المؤسسات الصحفية فى تجاربها مع الذكاء الاصطناعى على المستويين التحريرى والتقنى. وقد جعلت هذه المشاركة «المصرى اليوم» من أولى المؤسسات الصحفية المصرية التى تنخرط رسميًا فى استخدام الذكاء الاصطناعى على مستوى تنظيمى، مما يجعلها حالة مناسبة لدراسة كيفية حوكمة هذا الاستخدام وتقييده وتكييفه داخل غرفة الأخبار. وتم النظر فى منافذ إخبارية مصرية أخرى، ولكن تم استبعادها لأن استخدام الذكاء الاصطناعى كان إما مقتصرًا على وظائف معزولة بدلًا من أن يكون جزءًا من حوكمة شاملة للمؤسسة، أو لم يكن قد تم تطبيقه بعد خلال فترة جمع البيانات. ونتيجة لذلك، لم تتمكن هذه المنافذ من تقديم رؤية مماثلة حول ممارسات حوكمة الذكاء الاصطناعى اليومية فى المؤسسات.

غرفة أخبارها تعتمد «أنظمة آلية»

قبل ظهور الـ«AI» التوليدي

فى صحيفة «المصرى اليوم»، وقبل ظهور الذكاء الاصطناعى التوليدى، كانت غرفة الأخبار قد اعتمدت بالفعل على أنظمة آلية لتحليل الجمهور، وتوصية المحتوى، ومراقبة حركة الزيارات، والتحقق من صحة المعلومات.

وقد أسهمت هذه الأنظمة فى ترسيخ اتخاذ القرار الخوارزمى، وجعلت الصحفيين أكثر اعتيادًا على العمل ضمن بيئة تحكمها منصات رقمية. وكما أوضح أحد الزملاء للقائمين على الدراسة: «كان لدينا ذكاء اصطناعى من قبل، لكن ليس بالنوع الذى يتحدث عنه الناس فى الوقت الحالى.. هذه الأنظمة تحلل سلوك القراء وتساعدنا على فهم الجمهور».

وتزايد الانخراط الرسمى فى استخدام الذكاء الاصطناعى التوليدى خلال عام ٢٠٢٤ من خلال المشاركة فى برنامج «FT Strategies–Google News Initiative AI Launchpad»، وقد نظر الزملاء فى «المصرى اليوم» إلى هذه المرحلة باعتبارها امتدادًا للممارسات القائمة بالفعل. ووصفت المبادرة بشكل متكرر بأنها مساحة للتعلم والاختبار ضمن حدود وقيود قائمة، وليس كإطار للتطبيق واسع النطاق.

وقد أوضح أحد الزملاء: «كانت وسيلة للتعلّم، لا للتسرع.. أردنا فهم ما الذى يمكن أن يقدمه الذكاء الاصطناعى للصحافة، وكيف نستخدمه بمسؤولية، لا أن ندخل إليه بشكل أعمى». وقد أسهم هذا التوجه نحو التعلم فى تشكيل القرارات التنظيمية المتعلقة بالاستخدام المقبول للذكاء الاصطناعى. كما جرى النظر إلى التعلم باعتباره آلية لضمان «الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعى»، فى سياق يمكن أن تؤدى فيه الأخطاء أو التحيز أو سوء الاستخدام إلى الإضرار المباشر بالمصداقية الصحفية. ويعكس هذا التركيز على المسؤولية نمطًا من الفاعلية التنظيمية يُمارس من خلال الحذر والانتقائية أكثر مما يُمارس من خلال الاستقلالية الكاملة.

لذلك جرى تبنى الذكاء الاصطناعى عبر نقاط دخول قائمة على المنصات أتاحت قدرًا محدودًا من التجريب، مع تعزيز الاعتماد على مزودى التكنولوجيا فى الشمال العالمى. وقد تجلت الفاعلية التنظيمية ليس من خلال السيطرة على التكنولوجيا، بل من خلال القرارات المتعلقة بكيفية السماح للذكاء الاصطناعى بالدخول إلى عمليات غرفة الأخبار، ومتى يسمح بذلك، وإلى أى مدى.

حوكمة الذكاء الاصطناعى التوليدى

داخل غرفة الأخبار

على المستوى التنظيمى، يدار استخدام الذكاء الاصطناعى من خلال قواعد صريحة، وتأطير أخلاقى، وعقوبات مؤسسية. وميز المشاركون بشكل متسق بين الذكاء الاصطناعى التحليلى والذكاء الاصطناعى التوليدى، مع اعتبار الأخير فئة مختلفة نوعيًا بسبب قدرته على توليد اللغة والسرد والمعنى. وأوضح أحد الزملاء هذا التمييز بوضوح: «يساعدنا الذكاء الاصطناعى التحليلى على فهم البيانات. أما الذكاء الاصطناعى التوليدى فينتج نصوصًا.. ذلك الفرق بالغ الأهمية، لأن النص هو الصحافة». ووصف أحد الزملاء الموقف التنظيمى تجاه الأدوات التوليدية بأنها «مساعد شخصى يحتاج إلى إشراف، وليس بديلًا عن الصحفى». ونظرًا لأن الذكاء الاصطناعى التوليدى يتقاطع بشكل مباشر مع «السلطة التحريرية»، اتخذت الحوكمة التنظيمية شكل قواعد رسمية وعقوبات.

وإلى جانب التحكم الداخلى، تشكلت الحوكمة أيضًا من خلال مقاومة واعية لما يُعرف بـ«غسل الذكاء الاصطناعى». ووصف الزملاء «غسل الذكاء الاصطناعى» بأنه ممارسة متزايدة تقوم فيها المؤسسات الإعلامية بالمبالغة فى استخدام الذكاء الاصطناعى لتبدو أكثر ابتكارًا. ورفض الزملاء هذه الاستراتيجية، واعتبروها تهديدًا للمصداقية والنزاهة المهنية. وقال أحد الزملاء: «تستخدم بعض المؤسسات الذكاء الاصطناعى فقط لجذب الرعاة أو المعلنين.. لكن إذا لم يكن ذلك قائمًا على صحافة حقيقية، فإنه يدمر الثقة». وتم تأطير هذا الرفض كجزء من المسؤولية الاجتماعية للمؤسسة.

الذكاء الاصطناعى كبنية تحتية تنظيمية

يُستخدم الذكاء الاصطناعى فى جريدة «المصرى اليوم» بشكل متفاوت، وهو مُدمج داخل وظائف تنظيمية محددة بدلًا من أن يكون منتشرًا عبر غرفة الأخبار ككل.

وأشار الزملاء إلى أن الذكاء الاصطناعى يظهر بوضوح أكبر على المستوى المؤسسى فى أقسام مثل صحافة البيانات، والتحقق من المعلومات، وإدارة البنية التحتية للموقع الإلكترونى، وتطوير روبوت الدردشة الخاص بغرفة الأخبار. وعبر هذه المواقع، يتم إضفاء الطابع المؤسسى على الذكاء الاصطناعى من خلال إجراءات عملية محددة وأدوات ومشاريع وقرارات تحريرية. وعلى سبيل المثال، فى قسم صحافة البيانات وتدقيق المعلومات، يُستخدم الذكاء الاصطناعى كأداة دعم تحليلية وليس كصانع قرار آلى.

وأحد ردود الفعل على هذا الاعتماد على التكنولوجيا الغربية كان تطوير برمجيات ذكاء اصطناعى خاصة بـ«المصرى اليوم» ومُصممة لغرض محدد. ويعد «اسأل المصرى اليوم» روبوت الدردشة الذى صُمم كأداة بحث دلالى وتفاعل، وليس كمولد محتوى. ووصف الزملاء هذا الروبوت بأنه أحد أقدم أنظمة الذكاء الاصطناعى باللغة العربية المعتمدة فى غرفة الأخبار فى المنطقة، والمصممة لتوفير وصول حوارى إلى أرشيف الأخبار. وبالإضافة إلى الإجابة عن الأسئلة، يقترح النظام أسئلة المتابعة لتشجيع تفاعل أعمق مع القصص المنشورة. وأكد الزملاء فى «المصرى اليوم» أن الموضوعات الحساسة تم تحديدها بعناية. وأوضح آخر: «وضعنا ما نسميه حواجز حماية. النظام لن يجيب عن سؤال (كيف تصنع قنبلة؟). بل يقول ببساطة: لا يمكننى الإجابة عن هذا السؤال»، مضيفًا: «كما أنه (الروبوت) يرفض الأسئلة السياسية الموجهة أو الخاطئة». وقد طُرحت هذه الحدود باعتبارها «قرارات تحريرية وليست قرارات تقنية».

وعلى الرغم من تكلفته، طُرح روبوت الدردشة من «المصرى اليوم» باعتباره استثمارًا استراتيجيًا فى المصداقية وثقة الجمهور. وربط الزملاء قرار الاستمرار فى تشغيل روبوت الدردشة بسمعة المؤسسة وثقة الجمهور على المدى الطويل، وليس بالأرباح قصيرة الأجل.

وإلى جانب العمل التحريرى الظاهر للواجهة، أشار الزملاء أيضًا إلى أن الذكاء الاصطناعى يلعب دورًا محوريًا فى إدارة البنية التحتية للموقع الإلكترونى. وتعمل هذه الأنظمة بشكل غير مرئى فى الخلفية، حيث تشكل استدامة غرفة الأخبار بدلًا من التأثير على المخرجات التحريرية.

وإجمالًا، أشارت الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعى فى «المصرى اليوم» يعمل كبنية تحتية تنظيمية وليس كتكنولوجيا مستقلة بحد ذاتها. وتكمن أهميته فى كيفية إعادة تشكيله لروتينات غرفة الأخبار، وإعادة توزيع العمل، وإضفاء الطابع المؤسسى على الحوكمة التحريرية، مع تعميق اعتماد المؤسسة على البنى التحتية القائمة على المنصات.

ورأت الدراسة أنه بينما ينصب التركيز بشكل أساسى على النهج التنظيمى لدمج الذكاء الاصطناعى فى غرف الأخبار، كان صحفيو «المصرى اليوم» يناقشون بشكل متكرر استخدامهم الفردى لأدوات الذكاء الاصطناعى فى مهام مثل الترجمة، والتلخيص، والبحث، وتحسين محركات البحث (SEO). ومع ذلك، كانت هذه الممارسات تتشكل باستمرار من خلال القواعد التنظيمية، والتوقعات الأخلاقية، والروتين المهنى، وليس باعتبارها تعبيرًا عن الاستقلالية الفردية. لذلك، يمكن فهم استخدام الذكاء الاصطناعى الفردى فى غرفة أخبار «المصرى اليوم» على أنه مشروط تنظيميًا، ويعمل ضمن حدود مؤسسية محددة بوضوح. وفى هذا السياق قال أحد الزملاء: «يساعد الذكاء الاصطناعى فى زيادة السرعة، لكنه لا يتخذ القرارات.. نحن لا ننشر أى شىء دون مراجعة بشرية».

وشكلت المخاوف بشأن الاستدامة واستخلاص القيمة موضوعًا متكررًا فى جميع المقابلات التى أجريت خلال الدراسة. وربط الزملاء الذكاء الاصطناعى بتاريخ طويل من التبعية للمنصات فى الصحافة المصرية، واصفين إياه بتكثيف علاقات القوة القائمة لا خروجًا عنها. وأجرى الزملاء المحررون مقارنات واضحة بين الذكاء الاصطناعى وتجارب سابقة مع منصات التواصل الاجتماعى.

وحذر الزملاء المشاركون من أن الديناميكية نفسها تتكرر فى الوقت الحالى من خلال الذكاء الاصطناعى: «نتوقع شيئًا مشابهًا مع الذكاء الاصطناعى، بل ربما أسوأ.. فالشركات نفسها التى درّبتنا على الاعتماد على فيسبوك تدربنا فى الوقت الحالى على تغذية أنظمة الذكاء الاصطناعى الخاصة بها»، واصفين هذا النوع من التبعية باستخدام «استعارة نوع جديد من العبودية»، التى تعكس تصورات الاستغلال، وفقدان السيطرة، وانعدام البدائل العملية.

وتطرقت الدراسة إلى إشارة الزملاء إلى أن الذكاء الاصطناعى التوليدى يهدد بتعميق أوجه عدم التكافؤ القائمة من خلال استهلاك المحتوى الصحفى دون إعادة توجيه الجمهور إلى المؤسسات الإخبارية. وردًا على ذلك، بدأت غرفة الأخبار فى استكشاف آليات بنيوية لاستعادة قدر محدود من السيطرة، وأوضح أحد الزملاء أن كل قطعة من المحتوى تكلف مالًا لإنتاجها، وعندما يستهلك الذكاء الاصطناعى هذا المحتوى دون أى عائد مالى، فإنه يهدد الاستدامة؛ إذ تقوم روبوتات الذكاء الاصطناعى بقراءة «آلاف من قصصنا، ما يعنى مزيدًا من البيانات التى تغادر خوادمنا، ومزيدًا من استهلاك النطاق الترددى، ومزيدًا من التكلفة. وحتى إننا نحتاج إلى تفعيل التوسع التلقائى (auto-scaling) لمنع تعطل الموقع (الإلكترونى)».

وأظهرت نتائج الدراسة أن تبنى الذكاء الاصطناعى فى غرفة الأخبار يتشكل بدرجة أقل من خلال طموحات التحول، وبدرجة أكبر من خلال الحاجة إلى الاحتواء والإشراف والسيطرة المؤسسية، وهنا يدخل الذكاء الاصطناعى إلى غرفة الأخبار كشرط يجب إدارته بعناية فى ظل الحساسية السياسية، والسلطة التحريرية، والهشاشة الاقتصادية.

وفى هذا السياق، لا يقوم الصحفيون والموظفون التقنيون بمجرد استخدام الذكاء الاصطناعى، بل يعملون فعليًا على تصنيفه، والتمييز بين التطبيقات التحليلية والتوليدية، وتحديد الحدود، وفرض الإشراف، وإضفاء الطابع المؤسسى على المساءلة. وفى الوقت نفسه، ينخرط الصحفيون فى التعلم الذاتى والتعلم القائم على الزملاء، ويكيفون أدوات الذكاء الاصطناعى مع الأعراف المهنية القائمة مع الحفاظ على الحكم البشرى كعنصر مركزى. ويدمج الذكاء الاصطناعى من خلال الحوكمة وصنع القواعد بدلًا من الأتمتة أو تفويض السلطة التحريرية.

وفى حالة «المصرى اليوم»، لم يقتصر برنامج «FT Strategies–Google News Initiative AI Launchpad» على إدخال الذكاء الاصطناعى التوليدى فحسب؛ بل أسهم فى صياغة عقوبات لسوء الاستخدام، وتصنيف المهام المسموح بها مقابل غير المسموح بها، وتنظيم الإشراف التحريرى. وتدفع هذه النتائج الأدبيات إلى ما هو أبعد من فكرة التبعية للمنصات باعتبارها شرطًا هيكليًا على المستوى الكلى، وتظهر كيف يتم تفعيل هذه التبعية على المستوى الجزئى للحياة التنظيمية اليومية.

وفى مؤسسة «المصرى اليوم»، يتم التفاوض على الاستدامة على مستوى بنية الخوادم، وبروتوكولات الوصول إلى البيانات، والضوابط. ويراقب الفريق التقنى «زواحف الذكاء الاصطناعى» كجزء من صيانة البنية التحتية. كما يستكشفون آليات للحد من وصول الذكاء الاصطناعى أو تنظيمه؛ وينظرون إلى الأرشيف والمحتوى كأصول تتطلب حماية فعالة من الاستخراج.

وطرحت الدراسة مفهوم «حوكمة الذكاء الاصطناعى الدفاعية» لوصف كيفية إدارة الذكاء الاصطناعى داخل غرفة أخبار تعانى من قيود الموارد وتعتمد على منصات خارجية. وهنا تصف «حوكمة الذكاء الاصطناعى الدفاعية» نمطًا تنظيميًا لاعتماد الذكاء الاصطناعى، تقوم فيه المؤسسات بدمج تقنيات الذكاء الاصطناعى مع إعطاء الأولوية للحماية بدلًا من التحول. وفى مثل هذه السياقات، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعى بوصفه تقنية يجب إدارتها بحذر، بدلًا من تبنيها بشكل غير نقدى. ويقدم مفهوم حوكمة الذكاء الاصطناعى الدفاعية منظورًا موحدًا يوضح كيف تقوم غرف الأخبار التى تخضع لقيود هيكلية بدمج الذكاء الاصطناعى بينما تسعى بنشاط لحماية السلطة المهنية والجدوى المؤسسية.

وتُظهر هذه النتائج آثارًا عملية مهمة؛ أولًا، تبرز أن استخدام الذكاء الاصطناعى المسؤول فى الصحافة هو فى جوهره عملية تنظيمية، فالقواعد الواضحة، والحدود الأخلاقية المشتركة، والرقابة المؤسسية تقلل المخاطر وتساعد فى الحفاظ على اتساق استخدام الذكاء الاصطناعى. وثانيًا، تذكرنا النتائج بأن «معالجة استخلاص القيمة المدفوع بالذكاء الاصطناعى» تتطلب مناهج جماعية وتنظيمية، حيث لا يمكن لأى غرفة أخبار بمفردها-خاصة فى البيئات ذات الموارد المحدودة- التفاوض على وصول عادل أو مكافأة من الجهات الفاعلة العالمية فى مجال الذكاء الاصطناعى.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا