لم تكن منشورات الطالب الأول على الثانوية العامة المكتوبة بطريقة «الفرانكو» على صفحته بمواقع التواصل الاجتماعى هى الحالة الأولى لرصد ظاهرة تراجع مستوى اللغة العربية عند طلاب جيل الألفية.. بل امتدت لسنوات الثانوية العامة من شكوى أساتذة الجامعات من مستوى الكتابة المتدنى لطلاب الصفوف الأولى بالجامعات –وتحديدًا كليات القمة– والتى حصد الطلاب بها أعلى المجاميع خلال مرحلة الثانوية العامة.
وبين أخطاء إملائية وضعف مستوى الطلاب.. عاد الجدل حول تراجع مستوى الطلاب فى اللغة العربية والإملاء والحساب ومواد الهوية إلى الواجهة، على الرغم من صدور نتائج دراسة «إصلاح التعليم فى مصر»، الصادرة من منظمة يونيسيف والتى تم إعلانها مايو الماضى بحضور الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الحكومة، أن نسبة الطلاب الذين يعانون من ضعف فى القراءة والكتابة انخفضت من ٤٥.٥٪ خلال المرحلة الأولى من البرنامج عام ٢٠٢٥، ووصلت إلى ٣٢.٤٪ خلال المرحلة الثانية، ثم إلى ١٣.٩٪ خلال المرحلة الثالثة عام ٢٠٢٦.
واستند التقييم إلى عملية ميدانية واسعة ومنهجية بحثية قوية شملت جميع محافظات الجمهورية، بمشاركة ١١.٤٨٧ معلمًا و٢.٤٨٤ مدير مدرسة، إلى جانب تنفيذ زيارات ميدانية موسعة لرصد واقع العملية التعليمية على الأرض.
وأظهرت الدراسة تحسنًا واضحًا فى عدد من المؤشرات الرئيسية، أبرزها أن البرنامج القومى لتنمية مهارات اللغة العربية شمل اختبار ١.٣٨ مليون طالب فى ٢٧ محافظة على ثلاث مراحل، إلى جانب تدريب ٣٠ ألف معلم، بهدف رفع كفاءة تدريس اللغة العربية وتحسين نواتج التعلم.
ويعيد هذا الجدل إلى الذاكرة سياسات تطوير التعليم التى بدأت عام ٢٠١٨ خلال تولى الدكتور طارق شوقى وزارة التربية والتعليم، وقتها، والتى تضمنت إلغاء الامتحانات فى مرحلة رياض الأطفال وحتى الصف الثالث الابتدائى، قبل أن تتجه الوزارة فى عهد محمد عبداللطيف، وزير التربية والتعليم، إلى إعادة أدوات التقييم بصورة دورية وفرض اختبارات شهرية، إلى جانب التأكيد على تدريس مواد الهوية واللغة العربية فى المدارس الدولية ووضع حد أدنى للنجاح يبلغ ٧٠٪.
وكشف التقييم الوطنى للصف الرابع الابتدائى لعام ٢٠٢١، الصادر عن وزارة التربية والتعليم، عن فجوة ملحوظة فى مستويات التحصيل لدى التلاميذ فى مادتى اللغة العربية والرياضيات، وذلك بعد تطبيق التقييم على عينة ممثلة بلغت ١٢ ألفًا و٣١٤ تلميذًا وتلميذة من مختلف أنحاء الجمهورية، بالتزامن مع انتقالهم إلى الصف الخامس الابتدائى، وأظهرت النتائج أن ٤٧.٣٠٪ من التلاميذ فى اللغة العربية لم يصلوا إلى المستوى الذى يؤهلهم للنجاح وفق معايير التقييم، مقابل ٤٨.٩٠٪ فى الرياضيات، بينما لم تتجاوز نسبة من حققوا المستوى المتقدم ٣.٥٠٪ فى اللغة العربية و٣.٧٠٪ فى الرياضيات كما سجلت النتائج وصول ٣٠.٢٠٪ من التلاميذ فى اللغة العربية إلى مستوى «كفء»، و١٩٪ إلى مستوى «مبتدئ»، فيما بلغت النسب فى الرياضيات ٢٩.٢٠٪ لمستوى «كفء» و١٨.٢٠٪ لمستوى «مبتدئ».
وأكد التقرير أن النسب تعكس حاجة قطاع كبير من التلاميذ إلى مزيد من الخبرات والجهود التعليمية للوصول إلى مستويات التعلم المستهدفة وعلى مستوى العينة، بلغ متوسط تحقيق نواتج التعلم ٣٢.٠٣٪ فى اللغة العربية و٣٢.٩٪ فى الرياضيات، بما يكشف عن تحديات مبكرة فى اكتساب المهارات الأساسية، قبل الانتقال إلى المراحل التعليمية الأعلى، كما شملت الدراسة ٢٢ محافظة، بما يسمح برصد الفروق الجغرافية والتعليمية فى مستويات الأداء.
بينما كشف التقييم الوطنى للصف الرابع الابتدائى لعام ٢٠٢٣ عن وجود فجوة ملحوظة فى مستويات التحصيل لدى التلاميذ فى مادتى اللغة العربية والرياضيات، رغم دراسة الطلاب لنحو ٨٥٪ من منهج الصف الرابع الابتدائى. وأظهرت نتائج التقييم أن ٤٥.٣٪ من التلاميذ جاء أداؤهم فى اللغة العربية أقل من مستوى الصف المستهدف، بينما بلغت النسبة فى الرياضيات ٥٠.٧٪، بما يعنى أن نحو نصف التلاميذ المشاركين لم يحققوا الحد الأدنى من نواتج التعلم المستهدفة فى المادتين.
وأجرى التقييم مقارنة بنتائج التقييم الوطنى لعام ٢٠٢١، حيث أظهرت البيانات تحسنًا محدودًا فى مستويات الأداء، دون حدوث تغيرات جوهرية فى التوزيع العام لمستويات التحصيل، كما رصد التقرير فروقًا فى الأداء بين الفئات المختلفة؛ إذ تفوقت الإناث على الذكور فى عدد من مؤشرات التعلم، بينما سجل تلاميذ الحضر مستويات أداء أعلى من نظرائهم فى الريف.
وعلى المستوى الجغرافى، أظهرت النتائج تفاوتًا واضحًا بين المحافظات والقطاعات، مع تسجيل محافظات الوجه البحرى نسبًا أعلى من التلاميذ فى المستويات المتقدمة، مقابل انخفاض الأداء فى عدد من محافظات الوجه القبلى. وأوصى التقرير بتطوير أساليب التدريس والتقويم، وتحسين البيئة المدرسية، ودعم تدريب المعلمين، ومعالجة الفجوات التعليمية لضمان تحسن مستدام فى مستويات تعلم التلاميذ.
وفى السياق ذاته كشف التقييم الوطنى للغة العربية والرياضيات لطلاب الصف السابع، دراسة خط الأساس لعام ٢٠٢٤، عن استمرار تحديات ملحوظة فى مستويات التحصيل، حيث تركزت النسبة الأكبر من الطلاب عند مستوى «مبتدئ»، بواقع ٥٥.٦٪ فى اللغة العربية و٥١.٦٪ فى الرياضيات، بينما لم تتجاوز نسبة الطلاب فى مستوى «متقدم» ٨٪ فى اللغة العربية و٦.٤٪ فى الرياضيات.
وأظهرت النتائج تفاوتًا واضحًا بين الفئات المختلفة؛ إذ تفوقت الإناث على الذكور فى مستويات الأداء الأعلى باللغة العربية، بينما ظهر تفوق للذكور فى بعض مؤشرات الرياضيات. كما سجل طلاب المدارس الخاصة أداءً أفضل من نظرائهم فى المدارس الرسمية، فى حين تفوق طلاب مدارس الحضر على طلاب مدارس الريف فى اللغة العربية والرياضيات، بما يعكس أثر البيئة التعليمية فى مستويات التحصيل.
وعلى مستوى المحافظات، برزت بورسعيد والغربية وكفر الشيخ ضمن المحافظات ذات الأداء المتميز نسبيًا، بينما احتاجت أسوان وبنى سويف والسويس إلى مزيد من الدعم، وفق مؤشرات الدراسة، وأوصى التقييم بتطوير أساليب تدريس اللغة العربية والرياضيات، وتعزيز تدريب المعلمين، وتحسين البنية التحتية والمصادر التعليمية، خاصة فى مدارس الريف، إلى جانب إجراء التقييم الوطنى للصف السابع بصورة دورية كل ثلاث سنوات، لتوفير بيانات موثوقة تساعد صانعى القرار على متابعة تطور مستويات التعلم.
من جانبه قال الدكتور حازم راشد، مدير مركز تطوير المناهج بوزارة التربية والتعليم والتعليم الفنى السابق، إن تراجع مستوى الطالب المصرى وظهور أعداد ليست قليلة من الخريجين بمستويات متدنية علميًا ولغويًا، يتطلب إعادة النظر فى منظومة الامتحانات بدءًا من المراحل التعليمية الأساسية وحتى امتحانات الثانوية العامة وما يعادلها من التعليم الفنى.
وأضاف راشد، لـ«المصرى اليوم»، أن علاج هذه الأزمة يجب أن يبدأ بضبط منظومة التقييم والامتحانات، بحيث تقيس بالفعل ما يمتلكه الطالب من مهارات ومعارف وقدرات، وليس مجرد قدرته على الحفظ والاسترجاع، مشددًا على ضرورة إعادة النظر فى المناهج الدراسية ومنح المهارات اللغوية والعلمية مساحة أكبر داخل العملية التعليمية.
وطالب مدير مركز تطوير المناهج السابق بوضع اختبارات قدرات للطلاب المتقدمين للجامعات والمعاهد، بحيث لا يعتمد القبول الجامعى على مجموع الثانوية العامة وحده، وإنما يشمل تقييمًا حقيقيًا لقدرات الطالب ومدى ملاءمته للتخصص الذى يرغب فى الالتحاق به.
وأكد أن وزارة التربية والتعليم والتعليم الفنى ووزارة التعليم العالى والبحث العلمى مطالبتان بالعمل على تطوير المناهج ونظم التقييم، بما يركز على تنمية المهارات الأساسية لدى الطلاب، وفى مقدمتها مهارات القراءة والكتابة والتفكير والتحليل، بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على الحفظ.
وأشار راشد إلى أن مسؤولية تراجع المستوى العلمى واللغوى للطلاب مسؤولية مشتركة تتحملها جميع أطراف العملية التعليمية، وفى مقدمتها المدرسة والأسرة، إلى جانب منظومة التعليم والمناهج والامتحانات، موضحًا أن مواجهة المشكلة تتطلب تكامل الجهود وعدم تحميل طرف واحد المسؤولية.
وفيما يتعلق بتراجع مستوى اللغة العربية، أوضح أن أحد الأسباب المهمة يتمثل فى اعتماد تدريس بعض المواد، منها العلوم والرياضيات وغيرهما، على اللغات الأجنبية، وهو ما انعكس على مساحة الاهتمام باللغة العربية داخل العملية التعليمية، وأدى فى بعض الحالات إلى تراجع الممارسة اليومية للغة الأم لدى الطلاب.
وشدد مدير مركز تطوير المناهج السابق على أن معالجة أزمة ضعف مستوى الطلاب تستلزم إصلاحًا متكاملًا يبدأ من حل مشكلات امتحانات الثانوية العامة، ويمتد إلى إعادة النظر فى سياسات القبول الجامعى، مع إعطاء اختبارات القدرات دورًا حقيقيًا فى تحديد مدى استعداد الطالب للدراسة الجامعية والتخصص الذى يختاره، مؤكدًا على ضرورة إعادة تقييم المناهج الدراسية مرة أخرى، وإعطاء اللغة العربية ثقلًا واهتمامًا أكبر، باعتبارها من المهارات الأساسية التى يحتاج إليها الطالب فى جميع مراحل التعليم، وليس باعتبارها مادة دراسية منفصلة عن باقى التخصصات.
وبينما يرى خبراء أن سنوات غياب التقييم المنتظم أسهمت فى تراكم ضعف بعض الطلاب فى اللغة العربية والحساب والإملاء، يؤكد خبراء أن الأزمة أعمق من الامتحان نفسه، وتحتاج إلى إصلاح المناهج وطرق التدريس وتأهيل المعلمين وإعادة الاعتبار لمواد الهوية داخل المدرسة.
أكد الدكتور مصطفى بيومى، عميد كلية دار العلوم جامعة المنيا، أن الحديث عن ضعف بعض الطلاب فى مهارات اللغة العربية، سواء فى القراءة أو الكتابة أو التعبير، يجب ألا يتوقف عند تشخيص المشكلة أو رصد الأخطاء، وإنما ينبغى أن يقود إلى سؤال أكثر أهمية حول كيفية إعادة بناء علاقة الأجيال الجديدة بلغتهم، باعتبارها هوية وثقافة وأداة لصناعة المستقبل.
وقال «بيومى»، لـ«المصرى اليوم»، إن البداية الحقيقية لمواجهة ضعف اللغة العربية تتمثل فى تغيير طريقة تعامل الطلاب معها، بحيث لا ينظرون إليها باعتبارها مجرد مقرر دراسى ينتهى أثره بانتهاء الامتحان، وإنما باعتبارها جزءًا أصيلًا من تكوين الشخصية والهوية والثقافة.
وأضاف أن اللغة العربية يجب أن تكون حاضرة فى الحياة اليومية للطلاب، فى القراءة والكتابة والتواصل والتعبير عن الأفكار والمشاعر، مع ضرورة تدريب الأطفال منذ المراحل التعليمية الأولى على الاعتزاز بلغتهم واستخدامها بصورة صحيحة، وأن يدرك الطالب أن جودة لغته جزء أساسى من جودة تعليمه وثقافته وشخصيته.
وأوضح أن اللغة العربية ليست مجرد مادة دراسية يحصل فيها الطالب على درجة، وإنما هى الأداة التى يفكر بها ويعبر من خلالها عن نفسه ويتواصل بها مع الآخرين، فضلًا عن كونها الوسيلة التى يتصل من خلالها بتراثه وحضارته، مشيرًا إلى أن إتقانها يمثل ركيزة أساسية فى بناء شخصية الطالب وقدرته على الفهم والتحليل والتعبير فى مختلف مجالات المعرفة.
وشدد بيومى على أن مواجهة ضعف الطلاب فى اللغة العربية تتطلب تطوير طرق تعليمها، وعدم الاكتفاء بالمناهج التقليدية التى قد تجعل الطالب يتعامل معها باعتبارها مجموعة من القواعد التى يجب حفظها من أجل الامتحان، مؤكدًا أهمية تحويل تعلم العربية إلى ممارسة يومية ترتبط بحياة الطالب واهتماماته ووسائل التواصل التى يستخدمها.
وأشار إلى أن الدولة تولى اللغة العربية اهتمامًا كبيرًا، انطلاقًا من مكانتها الدستورية، وما تبذله من جهود للحفاظ عليها وتطوير أساليب تعليمها، خاصة فى ظل التحولات المعرفية والتكنولوجية المتسارعة التى يشهدها العالم.
وأكد عميد كلية دار العلوم جامعة المنيا أهمية الدور الذى تضطلع به كليات دار العلوم باعتبارها مؤسسات أكاديمية حملت تاريخيًا رسالة الحفاظ على اللغة العربية وعلومها، وأسهمت فى إعداد أجيال من الباحثين والمفكرين والمعلمين.
وقال إن الاهتمام بقطاع دار العلوم، الذى يضم كليات دار العلوم بجامعات القاهرة والمنيا والفيوم وأسوان، يمثل فى جوهره اهتمامًا بمؤسسات وطنية تتحمل مسؤولية كبيرة فى خدمة اللغة العربية والحفاظ على الهوية، مع تطوير أدوات تعليمها والبحث فيها بما يتناسب مع متطلبات العصر.
وأضاف أن ما تشهده كليات دار العلوم خلال السنوات الأخيرة من تطوير للبرامج التعليمية، وتوظيف للتكنولوجيا، وانفتاح على تطبيقات الذكاء الاصطناعى والتحول الرقمى، يؤكد أن هذه المؤسسات لا تقف عند حدود التراث، وإنما تعمل على الجمع بين أصالة المعرفة ومتطلبات العصر الحديث.
وأكد بيومى أن مستقبل اللغة العربية لا يصنعه القلق المستمر عليها، وإنما العمل الجاد من أجل تطوير تعليمها والارتقاء بمهارات الطلاب وإعداد معلم وباحث قادر على التعامل مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى، مع الحفاظ فى الوقت نفسه على سلامة اللغة العربية وهويتها وثرائها.
ولفت إلى أن الاستثمار فى اللغة العربية هو فى حقيقته استثمار فى الإنسان المصرى، وفى وعيه وهويته وقدرته على الفهم والتفكير وصناعة المستقبل، مشددًا على أن حماية العربية لا تعنى عزلها عن التطور، وإنما منحها الأدوات التى تمكنها من الحضور بقوة فى التعليم والمعرفة والتكنولوجيا والعصر الرقمى.
من جانبه، أوضح الدكتور عبدالراضى محمد رضوان، أستاذ الفلسفة الإسلامية وعميد كلية دار العلوم السابق بجامعة القاهرة، أن تراجع مستوى الطلاب فى اللغة العربية وانتشار الأخطاء الإملائية يمثلان قضية تتجاوز مجرد الكتابة أو أسلوب التعبير، لتصل إلى جوهر الهوية المصرية والعربية، محذرًا من أن ضعف التمكن من اللغة العربية يهدد قدرة الأجيال الجديدة على فهم تراثها الحضارى والدينى والثقافى والبناء عليه فى مسيرة الإبداع والتطوير.
وقال «رضوان»، فى تصريح صحفى، إن اللغة العربية تعد أحد أهم مكونات الهوية إلى جانب الدين والتراث الحضارى، مستشهدًا بمقولة الفيلسوف الألمانى مارتن هايدجر: «لغتى هويتى»، موضحًا أن الوعى الإنسانى يتشكل من خلال اللغة، فمن خلالها نقرأ ونفهم ونتأمل ونتدبر، وبالتالى فإن ضعف القدرة على استخدام اللغة ينعكس على قدرة الإنسان على استيعاب تراثه الحضارى وإنتاج معرفة وإبداع جديد.
وأضاف أن المشكلة لا تتوقف عند حدود الطالب الذى يخطئ فى الكتابة، وإنما تمتد إلى مختلف المهن والتخصصات، متسائلًا: كيف يمكن لطبيب أو مهندس أو محامٍ أو قاضٍ لا يستطيع كتابة مذكرة أو وثيقة أو وصفة طبية بصورة سليمة باللغة العربية أن يتعامل بكفاءة مع إرثه الثقافى والحضارى والنصوص التى أسهمت فى تشكيل وعيه؟
وأشار عميد كلية دار العلوم السابق إلى أن ضعف اللغة العربية يؤثر كذلك فى علاقة الأجيال الجديدة بتراثها الدينى، موضحًا أن فهم النصوص الدينية يرتبط بصورة وثيقة بالتمكن من اللغة العربية، وبالتالى فإن ضعف اللغة يؤدى إلى صعوبة فهم جانب مهم من التراث الذى يشكل وعى المجتمع.
وعن أسباب تراجع مستوى اللغة العربية، أوضح أن نظام التعليم الذى يعتمد بصورة واسعة على اللغات الأجنبية يمثل أحد العوامل المؤثرة فى قدرة الطلاب على إتقان لغتهم الأم، لافتًا إلى أن الطالب أصبح يتلقى معظم العلوم بلغة أجنبية، فى الوقت الذى لا يحصل فيه على القدر الكافى من التدريب على أصول اللغة العربية وقواعدها وأساليب التعبير بها.
وأضاف أن وسائل التواصل الاجتماعى زادت من تعقيد المشكلة، بعدما أصبح الطلاب يتعاملون مع أنماط لغوية متعددة، من بينها العامية و«الفرانكو» وغيرها من الصيغ المستحدثة التى لا تستند إلى قواعد اللغة العربية، فأصبح الطالب، بحسب تعبيره، بين تأثير التعليم الأجنبى من ناحية، واللغة العامية والمستحدثة من ناحية أخرى.
وأكد رضوان أن الاعتقاد بأن اللغة العربية «صعبة» يمثل أحد أكبر العوائق أمام تعلمها، مشددًا على أن صعوبة اللغة ليست حقيقة، وإنما نتيجة لطريقة تقديمها وتعليمها. واستدل على ذلك بأن كبار العلماء والأطباء والفلاسفة والمهندسين فى الحضارة الإسلامية تمكنوا من التأليف والإبداع باللغة العربية، ومن بينهم ابن سينا فى الطب، وابن رشد فى الفلسفة والمنطق، وابن الهيثم فى العلوم.
وتابع أن الحضارة العربية أنتجت مؤلفات علمية وفلسفية وطبية ظلت مؤثرة فى العالم لقرون، وهو ما يؤكد أن اللغة العربية ليست عاجزة عن استيعاب العلوم الحديثة، وإنما تحتاج إلى اهتمام حقيقى وإعادة الاعتبار إلى مكانتها فى منظومة التعليم والمجتمع.
وانتقد عميد دار العلوم السابق بجامعة القاهرة عدم وجود اشتراطات مماثلة لإجادة اللغة العربية فى بعض مسارات الدراسة والتوظيف، مقارنة بالاشتراطات المفروضة لإثبات إجادة اللغات الأجنبية، متسائلًا عن سبب عدم وجود مستوى محدد فى اللغة العربية يُطلب من خريجى الكليات المختلفة اجتيازه، خاصة فى التخصصات التى تعتمد على التواصل والكتابة وإعداد الوثائق.
وشدد على أن مواجهة الأزمة يجب أن تبدأ من مرحلة التعليم الابتدائى، من خلال الاهتمام بتدريس اللغة العربية، ورفع كفاءة معلميها، وإعادة الاعتبار إلى صورتهم ومكانتهم المجتمعية، فضلًا عن تطوير المناهج بحيث تقدم اللغة للطلاب باعتبارها مهارة وإبداعًا وأداة للتفكير والتعبير، وليس مجرد مجموعة من القواعد الجافة التى يتم حفظها دون فهم.
وأشار إلى ضرورة تغيير الصورة النمطية التى رسختها بعض الأعمال الفنية والإعلامية عن مدرس اللغة العربية، مؤكدًا أن المعلم يجب أن يحظى بمكانة تليق بدوره فى بناء شخصية الطالب وتعليمه اللغة والقيم والقدرة على التعبير.
وفيما يتعلق بتراجع مستويات بعض طلاب الكليات الطبية، وارتفاع نسب النجاح فى الثانوية العامة، رأى رضوان أن جزءًا من المشكلة يرتبط بظاهرة الغش فى امتحانات الثانوية العامة، موضحًا أن حصول بعض الطلاب على مجاميع مرتفعة بوسائل غير مشروعة لا يعكس بالضرورة امتلاكهم القدرات العلمية واللغوية اللازمة لمواصلة الدراسة فى تخصصات مثل الطب وطب الأسنان والصيدلة.
وأكد أن الطالب الذى ينتقل إلى التعليم الجامعى بمستوى لا يتناسب مع متطلبات الدراسة الجامعية المتخصصة، يواجه صعوبة فى التعامل مع الكم الكبير من العلوم والمصطلحات والمراجع، خاصة إذا كان يعانى فى الأساس ضعفًا فى اللغة والقدرات التحليلية والإبداعية.
واختتم بالتأكيد على أن أزمة اللغة العربية تحتاج إلى معالجة شاملة تبدأ من المدرسة ولا تنتهى بالجامعة، وتشمل المناهج والمعلم وطرق التدريس والإعلام، مع إعادة النظر فى مكانة اللغة العربية داخل منظومة التعليم، باعتبارها أداة للمعرفة والتفكير وجزءًا أصيلًا من الهوية، وليست مجرد مادة دراسية أو وسيلة للكتابة.
المصدر:
المصري اليوم