عبقريته نالت الخلود الأبدى ومنحت العالم مادة خام من المشاعر الإنسانية والصراعات الفلسفية، فتحولت رواياته إلى مرايا بصرية تعكس تفاصيل الروح المصرية والعربية على مر الزمان، أنه أديب نوبل العالمي الراحل نجيب محفوظ ، الذى يمر علينا اليوم ذكرى وفاته، هذا الكاتب الذي لم يكتف بهز عرش الأدب العالمي، بل أعاد صياغة وجدان السينما والدراما العربية، تاركاً ورائه كنزاً من الصفحات المضيئة لصانع الحكايات الأكبر، الذى حول عالم الحارة المصرية بشخصياتها الفريدة إلى لحم ودم يتنفس عبر الشاشات، وإرثا مرئياً لا يمحوه الزمان.
لم يكن نجيب محفوظ أبداً مجرد روائي، لكن كان سيناريست محترفا من الطراز الرفيع، حيث دخل استوديوهات السينما من باب كتابة السيناريو والحوار، وصاغ بنفسه نصوصا لأفلام تعد من عيون السينما المصرية دون أن تكون مأخوذة عن رواياته، من أبرز هذه الأعمال فيلم جعلوني مجرما وفيلم الفتوة وفيلم الناصر صلاح الدين، كان محفوظ يمتلك عينا سينمائية تلتقط الكادر، وتصوغ الحوار الدارج الذي ينساب على ألسنة الممثلين بسلاسة مذهلة.
حين قرر المخرجون نقل روايات محفوظ إلى الشاشة، ولدت سينما جديدة تماما سميت بسينما الواقعية، تحولت رواياته إلى علامات فارقة في تاريخ الفن السابع، فجسد الفنان يحيى شاهين شخصية السيد أحمد عبد الجواد في الثلاثية الشهيرة بين القصرين وقصر الشوق والسكريّة ليصبح الأب الصارم أيقونة اجتماعية. وتألقت الفنانة شادية في فيلم اللص والكلاب وفيلم زقاق المدق، بينما قدم الفنان نور الشريف واحدا من أعظم أدوار السينما في فيلم القاهرة ثلاثين من خلال شخصية محجوب عبد الدايم الهزلية والمأساوية.
لم تكن الحارة عند نجيب محفوظ مجرد مكان، بل كانت رمزا للكون بأكمله بصراعاته حول العدالة والقدر والقوة، تجلى هذا بوضوح في الملحمة الشهيرة الحرافيش التي نهلت منها السينما والدراما ممرات لا تنتهي من الأفلام الناجحة مثل التوت والنبوت وفيلم الحرافيش وفيلم المطارد، ورسمت هذه الأعمال صراع الفتوات والغرباء، وقدمت توليفة بصرية ممتعة جمعت بين الأكشن والإثارة والعمق الفلسفي الصوفي الذي تميز به الأديب الراحل.
مع تطور الشاشة الصغيرة، انتقل عالم نجيب محفوظ إلى البيوت العربية ليحقق نجاحا جماهيريا غير مسبوق، تحولت رواياته إلى مسلسلات درامية حفرت مكانتها في الذاكرة، وعلى رأسها مسلسل لن أعيش في جلباب أبي الذي تحول إلى ظاهرة اجتماعية متجددة تخطت الأجيال، كما أعادت الدراما تقديم الثلاثية ومسلسل حديث الصباح والمساء الذي اعتبره النقاد سيمفونية درامية بصرية استطاعت فك شفرة العلاقات الإنسانية المعقدة التي نسجها محفوظ بحرفية شديدة على الورق.
في النهاية لابد من التأكيد على إن الأفلام والمسلسلات التي حملت اسم نجيب محفوظ ما زالت تعرض وتشاهد بشغف وكأنها أنتجت بالأمس، فلقد صنع هذا الرجل بعبقريته جسرا متينا بين الكلمة المكتوبة والصورة المرئية، ليظل اسمه محفورا ليس فقط في المكتبات العالمية، بل وفي قلوب وعقول ملايين المشاهدين الذين يجدون أنفسهم وأحلامهم وصراعاتهم في كل كادر سينمائي صاغه أديب بالروح المصرية.
المصدر:
اليوم السابع
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة