عندما خطت الكلمات الأولى لروايتها الأيقونية فرانكشتاين قبل أكثر من قرنين، لم تكن تعلم الفتاة ماري شيلي أنها لم تصنع نصا أدبيا فحسب، بل منحت الشاشة الفضية شريان حياة لا يفنى، وفي ذكرى ميلاد الروائية البريطانية ماري شيلى، أحد أبرز مؤسسي أدب الخيال العلمي ، نفتح الستار على الوحش التاريخى الذي صال وجال في صالات العرض السينمائية على مر السنين، مستعرضين كيف استغلت هوليود وصناع السينما الوحش الذي صنعته مارى شيلى، ليتحول من مجرد مسخ مرعب إلى أيقونة ثقافية حفرت اسمها بحروف من نور في تاريخ السينما من البدايات الصامتة وحتى العصر الحديث.
المنعطف الأكبر والأكثر أهمية في تاريخ الشخصية حدث عام 1931، عندما أنتجت شركة يونيفرسال فيلم الرعب الشهير Frankenstein من إخراج جيمس ويل وبطولة بوريس كارلوف، هذا الفيلم الذي منح الوحش صورته الذهنية الراسخة في عقول البشر حتى يومنا هذا، وقد قدم كارلوف أداء مذهلا جمع فيه بين الرعب الشديد والبراءة الطفولية الضعيفة، ليدخل الفيلم التاريخ ويؤسس لعصر أفلام الرعب الكلاسيكية.
بعد النجاح الساحق لكلاسيكيات الثلاثينيات، أدركت هوليود أنها أمام دجاجة تبيض ذهبا، وفي الأربعينيات والخمسينيات، بدأت السينما في تقديم ما يعرف بأفلام المواجهات المشتركة، حيث ظهر وحش فرانكشتاين في مواجهة عمالقة الرعب الآخرين مثل الكونت دراكولا والرجل الذئب في أفلام شهيرة مثل Frankenstein Meets the Wolf Man عام 1943، وهنا تحول الوحش في هذه المرحلة من كائن يحمل أبعادا فلسفية مأساوية إلى آلة تدميرية تخدم حبكة الإثارة والرعب التجاري.
عانت الشخصية لسنوات من التكرار والابتذال حتى قرر المخرج كينيث براناه عام 1994 العودة إلى الأصل الأدبي بدقة شديدة، قدم فيلم Mary Shelley's Frankenstein وقام بدور العالم كينيث براناه نفسه، بينما جسد النجم العالمي روبرت دي نيرو دور الوحش، تميز هذا العمل بإبراز الجانب الإنساني والفلسفي الفادح للوحش، فهو كائن ذكي، يتحدث بطلاقة، ويعاني من ألم الرفض والوحدة الفظيعة التي فرضها عليه صانعه، ليعيد للرواية هيبتها وعمقها النفسي المفقود.
لم تكتف السينما بوضع فرانكشتاين في إطار الرعب فقط، بل امتدت لتشمل الكوميديا والرسوم المتحركة، وتعد تحفة المخرج ميل بروكس Young Frankenstein عام 1974 محاكاة ساخرة وذكية للكلاسيكيات القديمة ونالت إشادة نقدية واسعة، وفي العصر الحديث، أطلت الشخصية بشكل عائلي ومحبب للأطفال من خلال سلسلة أفلام الرسوم المتحركة الشهيرة Hotel Transylvania، حيث ظهر الوحش فرانك كصديق وفي ومرح، بعيدا تماما عن أجواء الدمار المعتادة.
تأتي ذكرى ميلاد ماري شيلي لتذكرنا بأن الإبداع الحقيقي لا تحده السنوات، لقد صنعت هذه المرأة بعبقريتها رمزا سينمائيا تجاوز حدود الأدب ليعيش آلاف الساعات من العروض البصرية، وما زالت شركات الإنتاج العالمية حتى يومنا هذا تعيد صياغة أسطورة فرانكشتاين بأساليب تكنولوجية وبصرية معاصرة، مما يثبت أن الوحش الذي ولد من كابوس فتاة في ليلة عاصفة، كتب لنفسه الخلود الأبدي فوق شاشات السينما.
المصدر:
اليوم السابع
مصدر الصورة