آخر الأخبار

«الفاترينة لم تكن فارغة!».. باحثة تكشف أخطر سيناريو بعد سرقة قلادة الملكة نازلي في فيينا (تفاصيل)

شارك

«ماذا لو لم تكن الفاترينة فارغة؟».. سؤال تطرحه الباحثة في علوم الآثار شيماء فاروق، عقب سرقة قلادة الملكة نازلي من متحف الفنون التطبيقية «MAK» في العاصمة النمساوية فيينا، في واقعة أعادت إلى الواجهة مخاطر تأمين القطع التاريخية، وفتحت بابًا أمام سيناريو أكثر خطورة من السرقة نفسها، وهو استبدال القطعة الأصلية بنسخة مقلدة.

وقالت شيماء فاروق، في تصريحات خاصة لـ«المصري اليوم»، إن وجود قطعة داخل فاترينة العرض لا يعني بالضرورة أن الأصل ما زال موجودًا، مشددة على ضرورة الانتقال من تأمين مكان عرض الأثر إلى تأمين «هوية الأثر» نفسه.

وأضافت: «أنا لا أتحدث عن واقعة بعينها ولا أتهم أحدًا بهذا الأمر، ولكن من الناحية الأمنية يجب وضع جميع السيناريوهات المحتملة على الطاولة، ومن بينها استبدال الأصل بقطعة مقلدة».

وتابعت: «الأخطر أن وجود قطعة داخل الفاترينة قد يعطي انطباعًا بأن كل شيء على ما يرام، بينما الحقيقة قد تكون مختلفة، ولذلك نحتاج إلى آليات علمية وتقنية تسمح لنا بالتأكد بصورة مستمرة من أن القطعة الموجودة أمامنا هي القطعة الأصلية».

سرقة قلادة الملكة نازلي

وكانت الشرطة النمساوية أعلنت سرقة قلادة من الألماس تعود إلى الملكة نازلي من متحف الفنون التطبيقية في فيينا، بعدما حطم شخصان مجهولان فاترينة العرض خلال ساعات العمل، واستوليا على القلادة وفرا من المكان.

ونشرت الشرطة صورًا لمشتبه بهما كانا يرتديان ملابس داكنة داخل المتحف، فيما لم تعلن حتى الآن تفاصيل إضافية بشأن التحقيقات.

وكانت القلادة معروضة ضمن معرض يضم أكثر من 300 قطعة من مجوهرات دار «فان كليف أند آربلز»، التي صممت القلادة في باريس عام 1939 خصيصًا للملكة نازلي، بمناسبة زفاف ابنتها الأميرة فوزية على ولي عهد إيران آنذاك محمد رضا بهلوي، الذي أصبح شاه إيران لاحقًا.

والقلادة مصنوعة من البلاتين، ومصممة على هيئة صدرية عريضة بأسلوب «آرت ديكو»، ومرصعة بمئات قطع الألماس، يصل عددها وفق المعلومات المنشورة إلى نحو 673 حجرًا، بوزن إجمالي يتجاوز 200 قيراط.

من مصر إلى أمريكا.. ثم 4.3 مليون دولار

غادرت القلادة مصر مع الملكة نازلي بعد سفرها إلى الولايات المتحدة وتجريدها من ألقابها الملكية، قبل أن تظهر في مزاد «سوثبيز» بنيويورك عام 1975، حيث بيعت بنحو 140 ألف دولار.

وعادت القلادة إلى الظهور في مزاد عام 2015، وبيعت بنحو 4.3 مليون دولار، قبل أن تعود إلى دار «فان كليف أند آربلز» التي صممتها.

وترى شيماء فاروق أن القيمة الحقيقية للقلادة تتجاوز سعرها في سوق المجوهرات، قائلة: «نحن لا نتحدث عن ذهب وألماس فقط، وإنما عن قطعة تحمل تاريخًا وهوية وسياقًا مرتبطًا بتاريخ مصر والأسرة المالكة».

وأضافت: «سواء كنا نتحدث عن أثر فرعوني عمره آلاف السنين أو قطعة مرتبطة بالتاريخ الملكي المصري الحديث، فإن القيمة لا تختصر في المادة الخام أو السعر الذي يمكن أن تصل إليه في المزاد».

محاولة سرقة سابقة في باريس

ولم تكن واقعة فيينا أول تهديد تتعرض له القلادة، إذ سبق أن كانت هدفًا لمحاولة سرقة في باريس عام 2021، أثناء عرضها ضمن معرض لدار «فان كليف أند آربلز» في متحف التاريخ الطبيعي.

وبحسب ما أعلنته السلطات الفرنسية وقتها، رصدت الشرطة ثلاثة أشخاص داخل المعرض وهم يراقبون إجراءات الحراسة، قبل توقيفهم، فيما أشارت التحقيقات إلى أنهم كانوا يتدربون على كسر صندوق العرض الزجاجي تمهيدًا للاستيلاء على القلادة والفرار باستخدام دراجات نارية.

وتقول فاروق إن هذه الواقعة تكشف أن القطع ذات القيمة الاستثنائية قد تكون محل اهتمام إجرامي على مدى سنوات.

وأضافت: «هذا يؤكد أن تأمين القطع لا يمكن أن يكون ثابتًا، وإنما يجب أن تتم مراجعة مستوى الخطورة وإجراءات الحماية بصورة مستمرة».

«بصمة رقمية» لكل قطعة

وترى الباحثة أن التكنولوجيا يمكن أن تلعب دورًا أكبر في حماية القطع التاريخية، من خلال إنشاء ملف رقمي متكامل لكل قطعة يتضمن صورًا علمية دقيقة، ومسحًا ثلاثي الأبعاد، والأبعاد والوزن والخصائص الفنية والمادية، إلى جانب توثيق الخدوش والعلامات والتفاصيل المميزة.

وقالت: «نحن نحتاج إلى أن تصبح لكل قطعة بصمة، مثلما للإنسان بصمة، بحيث نستطيع التعرف عليها حتى إذا ظهرت بعد سنوات في مزاد أو مجموعة خاصة أو مؤسسة خارجية».

وأوضحت أن السجل الرقمي يمكن ربطه بكود تعريفي مؤمّن، مع تحديثه عند كل عملية نقل أو ترميم أو عرض، وإجراء مطابقة دورية بين القطعة الموجودة فعليًا والبيانات المسجلة عنها.

وتابعت: «إذا ظهرت القطعة بعد سنوات، يجب أن تكون لدينا القدرة على القول بثقة: هذه هي القطعة نفسها التي كانت موجودة لدينا، وليست مجرد قطعة تشبهها».

خطر الاستبدال يبدأ قبل الفاترينة

وأكدت شيماء فاروق أن احتمالية استبدال القطعة لا يجب أن تكون محل تفكير فقط بعد وصولها إلى فاترينة العرض، وإنما يجب أن تمتد إجراءات التأمين إلى كامل دورة حياة القطعة، منذ لحظة العثور عليها في الحفائر أو ضبطها واستلامها من الجهات المختصة، وحتى نقلها وإيداعها بالمتحف وعرضها وترميمها وصيانتها.

وقالت: «من الضروري أن ندرك أن القطعة تمر بعدة مراحل وأيدٍ مختلفة قبل أن تصل إلى فاترينة العرض، ولذلك يجب ألا تكون الحماية مرتبطة بالمتحف فقط، وإنما تبدأ من اللحظة الأولى التي يتم فيها اكتشاف القطعة أو ضبطها وتسجيلها».

وأضافت: «كل انتقال للقطعة يمثل نقطة يجب أن تكون مؤمنة وموثقة، لأننا لا نريد أن نعرف بعد سنوات أن هناك قطعة موجودة بالفعل، لكن السؤال يكون: هل هي القطعة الأصلية التي عُثر عليها أو تم ضبطها في البداية؟».

وشددت فاروق على ضرورة بدء التأمين الرقمي للقطعة منذ لحظة تسجيلها الأولى، من خلال إنشاء ملف رقمي مؤمّن يتضمن صورًا عالية الدقة، ومسحًا ثلاثي الأبعاد، والقياسات والأبعاد والوزن، والخصائص المادية والفنية، وأي علامات أو خدوش أو سمات مميزة للقطعة، إلى جانب منحها كودًا تعريفيًا مؤمّنًا.

وأوضحت أن هذا الملف يجب أن يصاحب القطعة طوال دورة حياتها، مع تسجيل كل عملية استلام أو نقل أو تخزين أو ترميم أو عرض أو جرد، بحيث يصبح بالإمكان مراجعة التاريخ الكامل للقطعة ومطابقة حالتها الفعلية مع سجلها الرقمي في كل مرحلة.

وتابعت: «التأمين الرقمي لا يعني مجرد تصوير القطعة، وإنما إنشاء هوية رقمية لها، بحيث تكون هناك مطابقة مستمرة بين القطعة الموجودة على أرض الواقع وبين البيانات المسجلة عنها».

وأضافت: «نحن بحاجة إلى أن نعرف أين كانت القطعة، ومن استلمها، ومتى تم نقلها، وما الإجراءات التي تمت عليها، وأن تكون كل خطوة موثقة رقميًا. بهذه الطريقة لا نحمي القطعة من السرقة فقط، وإنما نقلل أيضًا من احتمالات الاستبدال أو التلاعب بها في أي مرحلة من مراحل دورة حياتها».

وأكدت فاروق أن «الفاترينة ليست بداية الحماية»، قائلة: «القطعة الأثرية يجب أن تكون مؤمنة منذ لحظة اكتشافها أو ضبطها، وليس منذ لحظة وضعها خلف الزجاج؛ لأن حماية الأثر الحقيقية تبدأ من حماية هويته وسجل تاريخه قبل حماية مكان وجوده».

من الفاترينة إلى دورة حياة الأثر

وترى فاروق أن مفهوم تأمين القطع التاريخية يجب أن يشمل دورة حياتها الكاملة داخل المؤسسة، وليس لحظة وجودها أمام الجمهور فقط.

وقالت: «هناك سلسلة كاملة يجب تأمينها، تبدأ من الاستلام والتخزين، مرورًا بالترميم والنقل والعرض والصيانة والجرد، وحتى التعامل مع القطعة داخل المعامل».

وأضافت: «أحيانًا قد تكون نقطة الخطر في مرحلة تسبق العرض أو تليه، ولذلك يجب أن تشمل منظومة الحماية دورة حياة القطعة بالكامل».

إسورة أمنموبي.. عندما يتحول الأثر إلى معدن

واستشهدت فاروق بواقعة سرقة إسورة الملك أمنموبي، التي انتهت بصهرها، باعتبارها نموذجًا لما يمكن أن يحدث عندما تخرج قطعة أثرية من مسارها الشرعي.

وقالت: «إذا تم العثور على القطعة المسروقة يمكن استعادتها، لكن إذا تم صهرها أو تفكيكها فإننا لا نخسر قطعة مادية فقط، وإنما نخسر جزءًا من تاريخ لا يمكن إعادة إنتاجه».

وأضافت: «الإسورة تعطينا درسًا مؤلمًا للغاية؛ لأننا قد نستطيع استعادة قطعة مسروقة، لكن لا يمكننا استعادة أثر تم تدميره أو صهره».

وتابعت: «الكاميرات والحراسة وأجهزة الإنذار كلها مهمة، لكنها تحمي المكان، بينما نحتاج أيضًا إلى وسيلة تحمي هوية القطعة نفسها».

إذا ظهرت القطعة بعد سنوات.. كيف نثبت أنها الأصل؟

وترى الباحثة أن التوثيق الرقمي لا يمثل وسيلة للوقاية من السرقة فقط، وإنما يمكن أن يتحول إلى أداة لاسترداد القطع التي خرجت من مسارها الشرعي.

وقالت: «إذا ظهرت القطعة بعد سنوات في مزاد أو مجموعة خاصة أو مؤسسة خارجية، يجب أن تكون لدينا القدرة على مقارنتها ببياناتها السابقة. نريد أن نصل إلى مرحلة نستطيع فيها القول بثقة: هذه هي القطعة نفسها التي كانت موجودة لدينا، وليست مجرد قطعة تشبهها».

وأضافت: «كلما كان التوثيق السابق أكثر دقة، أصبح إثبات هوية القطعة وملكيتها واستردادها أكثر قوة».

«لا تنتظروا السرقة حتى تبدأوا في التوثيق»

وتختتم شيماء فاروق حديثها بالتأكيد على أن الحراسة والكاميرات وأجهزة الإنذار تظل عناصر أساسية، لكنها لا تمثل وحدها منظومة متكاملة لحماية التراث.

وقالت لـ«المصري اليوم»: «الكاميرا مهمة، والحراسة مهمة، وأنظمة الإنذار مهمة، لكنها تحمي المكان. نحن نحتاج أيضًا إلى منظومة تحمي هوية القطعة نفسها».

وأضافت: «لا تنتظروا سرقة الأثر حتى تبدأوا في توثيقه؛ لأن أفضل وقت لإنشاء ملف كامل للقطعة هو قبل أن نحتاج إليه».

وتختتم برسالة واضحة: «السؤال لم يعد فقط: أين الأثر؟ السؤال الأهم: هل ما أمامنا هو الأثر نفسه؟».

ففي عالم يمكن فيه تقليد الشكل، وصهر المعدن، وتغيير ملامح القطعة، تصبح «بصمة الأثر» الرقمية خط دفاع إضافيًا عن الحقيقة؛ فالأثر قد يُسرق أو يُهرَّب أو يُخفى، لكن توثيق هويته بصورة علمية دقيقة يجعل محو وجوده من التاريخ أكثر صعوبة.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا