آخر الأخبار

حرب روايات.. كيف تحولت أدوات الإخوان الإعلامية من بث رسائل لصناعة الانطباعات؟

شارك

لم تعد المعركة الإعلامية لجماعة الإخوان الإرهابية ت قوم على امتلاك منبر واضح يمكن تحديده أو قناة واحدة يمكن تتبع خطابها، وإنما انتقلت إلى مساحة أكثر اتساعًا تقوم على تعدد المنصات وتداخل الأدوار وتشابك مصادر المحتوى، بما جعل تحديد مصدر الرسالة في بعض الأحيان أكثر صعوبة من الوصول إلى مضمونها نفسه.

فمع اتساع استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد المطلوب إنتاج خطاب سياسي مباشر يحمل هوية الجماعة، وإنما أصبحت الأولوية لصناعة روايات تتسلل إلى النقاش العام من بوابات مختلفة، ثم تتكرر بالصياغات ذاتها أو بمعانٍ متقاربة حتى تبدو وكأنها تعبر عن اتجاه عام ومستقل.

هذا التحول يعكس تغيرًا في طبيعة أدوات التأثير، فالقنوات الفضائية التي مثلت لسنوات إحدى أهم أدوات الخطاب الإخواني لم تعد وحدها قادرة على الوصول إلى الجمهور، بينما أتاحت المنصات الرقمية مساحة أكبر لإنتاج محتوى سريع ومتعدد الأشكال، يمكن أن يبدأ بمنشور قصير أو مقطع فيديو أو صورة، ثم ينتقل من حساب إلى آخر ومن منصة إلى أخرى. ومع كل عملية إعادة نشر، قد يتغير جزء من الصياغة أو يضاف تعليق جديد، لكن الفكرة الأساسية تظل حاضرة، لتتحول الرسالة تدريجيًا من محتوى منفرد إلى سردية متكاملة تتشكل من آلاف المنشورات والتعليقات والمقاطع.

وتزداد خطورة هذه الآلية عندما لا تعتمد الرسالة على معلومات مختلقة بالكامل، وإنما تنطلق من واقعة حقيقية ثم تعيد تفسيرها خارج سياقها، فقد تكون هناك أزمة محددة أو مشكلة في قطاع معين أو قرار أثار جدلًا، لكن المعالجة الدعائية لا تتوقف عند عرض الواقعة، وإنما تسعى إلى ربطها بسلسلة من الأحداث الأخرى لإنتاج انطباع أوسع بأن المشكلة ليست استثنائية وإنما دليل على أزمة شاملة، وبهذه الطريقة تتحول الواقعة من حدث محدود إلى جزء من رواية سياسية أكبر، ويصبح التركيز على التفاصيل التي تخدم هذه الرواية أهم من تقديم الصورة الكاملة.

وتلعب طبيعة المحتوى الرقمي دورًا مهمًا في تسريع هذه العملية، خاصة مع الاعتماد المتزايد على الفيديوهات القصيرة والصور والعناوين المثيرة، وهي مواد لا تمنح المتلقي في الغالب فرصة كافية للتوقف أمام المصدر أو السياق أو التاريخ، وقد يؤدي اقتطاع جزء من تصريح أو إعادة نشر مشهد قديم باعتباره حديثًا أو استخدام صورة من واقعة مختلفة إلى خلق دلالة جديدة تمامًا، خصوصًا إذا جاءت المادة مصحوبة بعنوان يوجه المتلقي مسبقًا إلى تفسير محدد.

ومع تطور أدوات إنتاج المحتوى، أصبح التحقق أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع سهولة تعديل الصور ومقاطع الفيديو وإنتاج مواد صوتية ومرئية تبدو للوهلة الأولى حقيقية، ولا يعني ذلك أن كل محتوى متداول يحمل طابعًا زائفًا، وإنما أن البيئة الرقمية نفسها أصبحت تسمح بانتقال المادة من سياقها الأصلي بسرعة شديدة، وهو ما يجعل معرفة المصدر الأول وتاريخ النشر والسياق الكامل عناصر لا غنى عنها قبل التعامل مع أي مادة باعتبارها حقيقة.

وفي الوقت نفسه، لم تعد الرسائل المناوئة للدولة تظهر بالضرورة من منصات تحمل هوية سياسية واضحة، وإنما يمكن أن تقدم من خلال مواقع أو كيانات تحمل مسميات إعلامية أو بحثية أو حقوقية، وهو ما يمنح المحتوى قدرًا من المظهر المهني قد يؤثر في طريقة تلقيه، وهنا لا تكفي معرفة أن الموقع قائم أو أن الكيان يحمل صفة قانونية، وإنما يصبح من الضروري النظر إلى طبيعة المحتوى الذي ينتجه، ومصادره، ومدى تنوعها، والجهات التي تقف وراء تمويله أو توزيعه، خاصة عندما يتحول إلى مصدر متكرر لمعلومات تتبنى رواية سياسية واحدة.

ولا يتوقف الأمر عند إنتاج الرسالة، فجزء أساسي من المعركة يتعلق بآليات دفعها إلى الواجهة، فالتفاعل المكثف وإعادة النشر المتكرر من عدد كبير من الحسابات يمكن أن يمنح موضوعًا معينًا حضورًا يفوق حجمه الطبيعي، ويخلق لدى المستخدم انطباعًا بأن هناك حالة غضب أو رفض واسعة، بينما قد يكون جزء من هذا الانتشار ناتجًا عن حملات منظمة أو تكرار آلي أو تنسيق بين حسابات متعددة. ومع تكرار المشهد، يصبح حجم التفاعل نفسه جزءًا من الرسالة، وكأن انتشار المحتوى دليل على صحته أو على اتساع التأييد له.

وتصبح هذه الأدوات أكثر تأثيرًا عندما تتزامن مع أحداث حقيقية تشغل اهتمام الجمهور، لأن الأزمات بطبيعتها تخلق حالة من التوتر والبحث عن المعلومات، وهي البيئة التي يمكن أن تنتشر فيها الروايات غير الموثقة بسرعة أكبر. وفي هذه اللحظات تحديدًا قد لا يحتاج صانع الدعاية إلى اختراع أزمة، وإنما يكفيه أن يستثمر حالة القلق الموجودة بالفعل، ويقدم تفسيرًا أحادي الجانب لها، ثم يعيد تكراره عبر مساحات مختلفة حتى يطغى على بقية التفسيرات.

والنتيجة الأخطر لهذه الممارسات لا تتمثل بالضرورة في تصديق الجمهور لرواية بعينها، وإنما في إرباك قدرته على التمييز بين الروايات المختلفة، فعندما يجد المواطن أمامه عشرات الأخبار المتناقضة، وبعضها صحيح وبعضها مضلل، قد يصل في النهاية إلى حالة من الشك العام يفقد معها الثقة في جميع المصادر، وهو ما يجعل معركة المعلومات تتحول تدريجيًا إلى معركة على الثقة نفسها، وفي هذه الحالة لا يصبح المطلوب إقناع الجمهور بأن رواية معينة صحيحة، وإنما دفعه إلى الاعتقاد بأن الحقيقة غير قابلة للوصول وأن جميع الأطراف تقدم روايات متحيزة.

ومن هنا، فإن التعامل مع هذا النوع من الخطاب لا يمكن أن يعتمد فقط على ملاحقة الشائعات بعد انتشارها، لأن سرعة المنصات الرقمية تجعل الاستجابة المتأخرة أقل قدرة على تغيير الانطباع الأول الذي يتكون لدى المستخدم، فالمواجهة الأكثر فاعلية تبدأ من توفير المعلومة الدقيقة في توقيتها، وتقديم البيانات بصورة واضحة، وسرعة تصحيح المعلومات غير الدقيقة، إلى جانب دعم أدوات التحقق وتعزيز قدرة الجمهور على فحص المحتوى قبل مشاركته.

وتظل الشفافية واحدة من أهم أدوات تضييق المساحة التي تتحرك فيها الروايات المضللة، لأن غياب المعلومة أو تأخرها يترك فراغًا سرعان ما تملؤه التفسيرات والشائعات، وكلما كانت البيانات الرسمية واضحة ومدعومة بالأرقام وقابلة للتحقق، أصبح من الصعب على أي طرف احتكار تفسير الحدث أو تقديم رواية بديلة باعتبارها الحقيقة الوحيدة.

وفي النهاية، فإن تغير الأدوات الإعلامية لجماعة الإخوان الإرهابية لا يعني تغير الهدف الأساسي من استخدامها، وإنما يعكس محاولة للتكيف مع بيئة إعلامية جديدة أصبحت فيها القدرة على صناعة الانطباع لا تقل أهمية عن القدرة على نشر الخبر. ولذلك لم تعد المواجهة الحقيقية تدور فقط حول كشف الشائعة، وإنما حول بناء قدرة مجتمعية على اكتشاف طريقة صناعة الرواية نفسها، ومعرفة الفرق بين الواقعة وتفسيرها، وبين كثافة الانتشار وحقيقة التأييد، وبين النقد المشروع ومحاولات توجيه الإدراك العام.

ففي عصر تتسابق فيه المعلومات إلى الجمهور قبل أن تصل إليها عملية التحقق، أصبحت حماية الوعي تبدأ من سؤال بسيط لكنه حاسم من أين جاءت هذه الرواية، ولماذا تقدم بهذه الطريقة، ومن المستفيد من أن تصبح هي الرواية السائدة؟


شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا