آخر الأخبار

تقرير أسواق المال: تحسن السيولة يدعم الجنيه ومخاطر الدين قائمة

شارك

دخل الاقتصاد المصرى شهر أغسطس ٢٠٢٦ فى وضع يتسم بمفارقة واضحة؛ فمن ناحية، أظهرت مؤشرات القطاع الخارجى تحسنًا ملحوظًا بدعم من زيادة السيولة بالعملة الأجنبية وارتفاع صافى الأصول الأجنبية والاحتياطيات الدولية، بينما لا تزال مستويات الدين الخارجى وأعباء خدمته تضغط على ظروف التمويل، فى وقت عادت فيه الضغوط التضخمية إلى الارتفاع وتباطأ نمو الاقتصاد والسيولة المحلية.

وبحسب العدد الـ٣٢ من تقرير «نظرة على أسواق المال» الصادر عن المركز المصرى للدراسات الاقتصادية، فإن تحسن مؤشرات القطاع الخارجى خلال الشهر الماضى لا يعكس تغيرًا هيكليًا فى الاقتصاد، وإنما يرتبط بدرجة كبيرة بتحسن مؤقت فى أوضاع السيولة الأجنبية، ما يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للتأثر بالصدمات الخارجية والتطورات الإقليمية.

أظهر التقرير استمرار الضغوط على ظروف التمويل الخارجى لمصر، فى ظل ارتفاع مستويات الدين الخارجى والالتزامات المرتبطة بخدمته، بما يعكس احتياجات تمويلية مرتفعة والتزامات كبيرة لإعادة السداد.

وفى الوقت نفسه، ظل عائد السندات الحكومية المصرية لأجل ١٠ سنوات عند مستويات مرتفعة، بما يشير إلى استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض وتشدد ظروف التمويل، رغم تراجع عقود مبادلة مخاطر الائتمان «CDS» لأجل ٥ سنوات بصورة طفيفة، وهو ما يعكس تحسنًا محدودًا فى النظرة إلى مخاطر الدين السيادى وارتفاعًا نسبيًا فى ثقة المستثمرين.

ويعرض التقرير تصنيفات ائتمانية لمصر عند B مع نظرة مستقرة من «S&P Global» و«Fitch Ratings»، بينما جاءت «Moody’s» عند Caa1 مع نظرة إيجابية.

على صعيد الاقتصاد المحلى، رصد التقرير عودة الضغوط التضخمية خلال الشهر الماضى، بعد فترة من التراجع التدريجى، بالتزامن مع تباطؤ طفيف فى معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى.

ووفقًا للتحليل الوارد بالتقرير، يعكس ارتفاع التضخم تجدد ضغوط الأسعار، بينما يشير تباطؤ النمو إلى بعض التراجع فى وتيرة النشاط الاقتصادى. كما أظهرت بيانات نمو المعروض النقدى «M1» تباطؤًا محدودًا، بما يعكس قدرًا من التشدد فى أوضاع السيولة المحلية.

ورغم هذه التطورات، أبقى البنك المركزى على أسعار الفائدة دون تغيير، متبنيًا نهج «الانتظار والترقب» بهدف تحقيق توازن بين مخاطر التضخم ودعم النشاط الاقتصادى، مع متابعة تطورات الأسعار والأوضاع الخارجية.

فى المقابل، سجل القطاع الخارجى عددًا من المؤشرات الإيجابية، إذ واصل صافى الأصول الأجنبية لدى الجهاز المصرفى الارتفاع، بالتوازى مع زيادة صافى الاحتياطيات الدولية، ما ساهم فى تحسن وضع السيولة بالعملة الأجنبية.

كما أظهر الجنيه المصرى استقرارًا نسبيًا أمام العملات الأجنبية خلال الفترة الأخيرة، مع تحركات محدودة فى سعر الصرف، فى حين ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج بصورة واضحة خلال الفصول الأخيرة وفقًا للبيانات المعروضة فى التقرير.

لكن التقرير يحذر من قراءة هذه التطورات باعتبارها تحولًا دائمًا فى وضع الاقتصاد الخارجى، موضحًا أن التحسن الحالى لا يستند إلى تغيرات هيكلية، وإنما يعكس تحسنًا فى ظروف السيولة، ولذلك يظل الاقتصاد عرضة بدرجة كبيرة للتوترات الإقليمية والصدمات الخارجية، بالتزامن مع استمرار أعباء الدين الخارجى المرتفعة.

وتأتى هذه التطورات المحلية فى وقت تتسم فيه الأسواق العالمية بحالة من التباين. فقد سجلت أسواق السلع أداءً مختلطًا خلال الشهر الماضى، مع تراجع أسعار الطاقة والسلع الصناعية مقابل ارتفاع عدد من السلع الزراعية، بما يعكس اختلافات فى ديناميكيات العرض والطلب.

كما ظلت اتجاهات التضخم العالمية متباينة، فيما اتبعت البنوك المركزية الكبرى نهجًا حذرًا فى السياسة النقدية، مع استئناف التشديد النقدى فى منطقة اليورو، بينما أبقت بنوك مركزية أخرى أسعار الفائدة دون تغيير. وسجل الدولار الأمريكى ضعفًا محدودًا، وهو ما انعكس على أداء عدد من عملات الأسواق الناشئة.

أما الأسواق الناشئة، فقد شهدت تراجعًا أو استقرارًا فى معدلات التضخم لدى معظم الاقتصادات التى يتناولها التقرير، مع استمرار الحذر النقدى، بينما اتجهت معظم العملات إلى التحسن أمام الدولار باستثناء الليرة التركية والريال البرازيلى اللذين واصلا التراجع.

وفى الوقت نفسه، حافظت أسواق الأسهم الناشئة على أداء إيجابى نسبيًا، مدعومة بتحسن ثقة المستثمرين والأساسيات المحلية.

وتكشف الصورة الإجمالية التى يرسمها التقرير أن الاقتصاد المصرى يستفيد حاليًا من تحسن نسبى فى السيولة الأجنبية واستقرار سوق الصرف، لكن هذا التحسن لا يلغى الضغوط الأساسية المرتبطة بارتفاع الدين الخارجى وتكلفة خدمته، ولا الضغوط التضخمية التى عادت للظهور.

وبينما يواصل البنك المركزى سياسة حذرة فى التعامل مع الفائدة، يظل استمرار تحسن القطاع الخارجى مرهونًا بقدرته على التحول من تحسن مؤقت فى السيولة إلى تحسن أكثر استدامة فى المؤشرات الاقتصادية.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا