قامت «المصرى اليوم» بجولة حصرية لمشروعات زراعة المانجروف على امتداد سواحل البحر الأحمر كخط دفاع طبيعى صامت، لا تكتفى بمقاومة التآكل وحماية الشواطئ، وإنما تؤدى أدوارًا اقتصادية وبيئية تتجاوز بكثير قيمتها كأشجار تنمو فى المياه المالحة. فهذه النظم البيئية تمثل قيمة اقتصادية وبيئية طبيعية للأسماك والقشريات، وتدعم المصايد القريبة، وتوفر بيئة مهمة للعديد من الكائنات البحرية والبرية.
وفى ظل التغيرات المناخية وتصاعد الاهتمام العالمى بالاقتصاد الأخضر و«الكربون الأزرق»، تكتسب زراعة المانجروف فى مصر أهمية مضاعفة، باعتبارها إحدى الحلول القائمة على الطبيعة التى يمكن أن تجمع بين حماية البيئة وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.
واعتمدت «المصرى اليوم» على مصداقية الخبراء المتخصصين فى زراعة المانجروف، خاصة أن زراعته تتطلب تطبيقات علمية تربط بين خبراء الأشجار والبيئة والاقتصاد الأخضر، خاصة أن هذا النوع من الغابات يمتلك قدرة كبيرة على تخزين الكربون، إلى جانب دوره فى حماية السواحل وتحسين التنوع البيولوجى ودعم سبل معيشة المجتمعات المحلية، مع التأكيد على ضرورة الإجابة على أهم الأسئلة وهى: هل تتعامل مصر مع المانجروف باعتباره مجرد مورد بيئى يجب الحفاظ عليه، أم يمكن تحويله إلى مشروع اقتصادى متكامل يفتح أبوابًا جديدة أمام السياحة البيئية، ومصايد الأسماك، وتربية النحل، وفرص العمل؟ ووجود خطة طموحة للتوسع فى زراعته والبحث فى الإمكانات الاقتصادية للمانجروف، وحجم العائد المتوقع من التوسع فيه، والتحديات التى تواجه تحويله إلى أحد مكونات الاقتصاد الأخضر المصرى.
أكد الدكتور سيد خليفة نقيب الزراعيين ومدير مكتب «أكساد» فى القاهرة إنه يجرى حالياً تنفيذ مشروع بين منظمة المركز العربى لدراسات المناطق الجافة والأراضى القاحلة «أكساد» بالتعاون مع مركز بحوث الصحراء أهمية التوسع فى مشروعات استعادة المانجروف على البحر الأحمر حتى تكون نموذجاً اقتصادياً جديداً يجمع بين حماية البيئة وتحقيق عائد اقتصادى طويل الأجل، مشيراً إلى أنه يمكن أن تتحول مشروعات المانجروف إلى قطاع اقتصادى حقيقى «متخصص»، يرصد المساحات الحالية، والمناطق القابلة للاستعادة، ومخزون الكربون، والقيمة السمكية، والإمكانات السياحية، ودرجة أهمية كل موقع فى حماية السواحل.
وأكد «خليفة»، لـ«المصرى اليوم» إن زراعة المانجروف بالنسبة لمصر ليست مجرد شجرة تتحمل الملوحة، وإنما بنية تحتية طبيعية يمكن أن تؤدى وظائف اقتصادية وبيئية متعددة فى وقت واحد، مشيراً إلى إن التوسع المدروس فى زراعته واستعادته يمكن أن يصبح أحد مكونات استراتيجية مصر للاقتصاد الأزرق، وحماية السواحل، ومواجهة تغير المناخ، وتنمية المجتمعات الساحلية.
وطالب نقيب الزراعيين بإنشاء قاعدة بيانات اقتصادية موحدة تربط بين بيانات المانجروف وبيانات المصايد والسياحة والمناخ والاستثمارات الساحلية، مشدداً على أهمية تطوير نماذج لشراكة القطاع الخاص مع الجهات الحكومية فى مشروعات الاستعادة والسياحة البيئية والكربون الأزرق.
ونبه «خليفة» إلى أهمية وضع ضوابط تمنع تحويل القيمة الاقتصادية للمانجروف إلى سبب لتدميره، مشدداً على أن الاستثمار فى المانجروف يكتسب أهمية متزايدة لخمسة أسباب رئيسية منها زيادة الاهتمام العالمى بالاقتصاد الأزرق وتمويل مشروعات المناخ وحماية الاستثمارات والمنشآت الساحلية ودعم الثروة السمكية والأمن الغذائى وتنامى الطلب العالمى على السياحة البيئية والطبيعية.
وشدد نقيب الزراعيين ومدير مكتب «أكساد» بالقاهرة على أن الهدف ليس تحويل مناطق المانجروف إلى مزارع تقليدية، وإنما البحث عن نماذج إنتاجية تحقق عائداً اقتصادياً دون الإضرار بالنظام البيئى، خاصة أنه يجمع بين مجموعة من الأنشطة التى تمثل جوهر مفهوم الاقتصاد الأزرق، مشيراً إلى أهمية إدراج المانجروف ضمن خطط التخطيط الساحلى، بدل التعامل معه باعتباره ملفاً بيئياً منفصلاً عن ملفات الاستثمار والتنمية.
ولفت «خليفة» إلى أن ملف الكربون الأزرق أحد أكثر المجالات الواعدة اقتصادياً بالنسبة لمشروعات المانجروف لقدرته على تخزين كميات من الكربون فى التربة والرواسب، وهو ما يجعله جزءاً من الحلول الطبيعية لمواجهة تغير المناخ، موضحاً أن زراعته على سواحل البحر الأحمر هى رأس مال طبيعى يمكن أن يولد مجموعة من المنافع الاقتصادية فى الوقت نفسه للدولة المصرية.
وقال نقيب «الزراعيين»، ومدير مكتب «أكساد» بالقاهرة إن مشروعات زراعة غابات المانجروف توفر بيئة للثروة السمكية، وتدعم السياحة البيئية، وتساهم فى حماية السواحل، وتوفر فرص عمل للمجتمعات المحلية، وتمنح مصر فرصة للدخول بصورة أكبر فى اقتصاد الكربون الأزرق، كأحد أهم النظم البيئية الساحلية.
وأضاف «خليفة» أن مشروعات استزراع واستعادة المانجروف تكتسب أهمية خاصة بالنسبة لمصر، فى ظل امتلاكها ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر، ووجود استثمارات سياحية وبنية أساسية وموانئ ومنشآت اقتصادية بالقرب من المناطق الساحلية. مشيراً إلى أن غابات المانجروف تعتبر من أهم البيئات الساحلية التى توفر مناطق للتكاثر والحضانة والتغذية للعديد من أنواع الأسماك والكائنات البحرية.
وأوضح نقيب الزراعيين، إن الجذور الكثيفة للمانجروف توفر بيئة مناسبة لصغار الأسماك والقشريات، بما يزيد من فرص بقائها ونموها قبل انتقالها إلى المناطق البحرية المفتوحة، مشيراً إلى إن حماية المانجروف لا تعنى فقط الحفاظ على شجرة أو منطقة نباتية، وإنما يمكن أن تعنى حماية جزء من الاستثمارات الموجودة على الساحل وتقليل تكلفة بعض أعمال الحماية الهندسية.
وأشار «خليفة» إلى أن الاستثمار فى استعادة المانجروف يمكن أن يتحول بصورة غير مباشرة إلى استثمار فى الثروة السمكية، من خلال دعم المخزون الطبيعى للكائنات البحرية ورفع قدرة النظام البيئى على إنتاج الأسماك، موضحاً أن القيمة الاقتصادية للمانجروف لا تقتصر على قطاع الصيد، إذ يمكن أن تتحول هذه المناطق إلى أحد عناصر السياحة البيئية فى البحر الأحمر.
ولفت نقيب الزراعيين إلى أن التوسع فى زراعة أشجار المانجروف ينعكس على كافة الأنشطة السياحية والبيئية ومنها رحلات القوارب، ومشاهدة الطيور والحياة البرية والرحلات العلمية والتعليمية، والمسارات البيئية، ودمج مناطق المانجروف ضمن برامج السياحة البحرية والغوص فى هذه الرحلات.
وأكد «خليفة» أن السياحة والترفيه يمكن أن تمثلا أحد أعلى الاستخدامات الاقتصادية المحتملة لهذا النظام البيئى، بشرط إدارة النشاط السياحى بصورة لا تؤدى إلى تدهور المناطق الطبيعية، موضحاً أن أهم الخدمات الاقتصادية التى تقدمها المانجروف قدرتها على المساهمة فى تثبيت الرواسب وحماية المناطق الساحلية من تأثير الأمواج والتيارات والتآكل بما ينعكس على زيادة الاستثمارات السياحية والمنشآت والبنية الأساسية والطرق والموانئ والمرافق الخدمية.
ولفت نقيب الزراعيين إلى وجود إمكانات مستقبلية لزيادة مساحات التشجير وفق سيناريوهات مناخية مختلفة، بهدف خلق فرص عمل للمجتمعات المحلية على أن لا تكون مشروعات التوسع فى المانجروف مجرد عمليات تشجير، وإنما مشروعات تنمية متكاملة للمجتمعات الساحلية.
وأكد «خليفة» إن إنشاء مشاتل لإنتاج الشتلات، وأعمال الزراعة والرعاية، والمراقبة البيئية، والسياحة البيئية، والصيد المستدام، والصناعات والمنتجات المرتبطة بالمجتمعات المحلية، يمكن أن يوفر سلسلة من فرص العمل والدخل، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من مفهوم زراعة أشجار المانجروف إلى إنشاء سلسلة قيمة اقتصادية للمانجروف.
وأضاف نقيب الزراعيين إن هذه السلسلة تبدأ من إنتاج الشتلات والزراعة والاستعادة، ولا تنتهى عند حماية البيئة، وإنما تمتد إلى السياحة البيئية والصيد المستدام والمشروعات المجتمعية والكربون الأزرق، موضحاً أن بعض المبادرات القائمة بالفعل فى مصر تتجه إلى هذا النموذج.
وأوضح «خليفة» أن مشروعات زراعة المانجروف التابعة تستهدف استعادة مناطق متدهورة على ساحل البحر الأحمر، إلى جانب دعم مشروعات اقتصادية يقودها المجتمع المحلى، مؤكداً على أن التوسع فى المانجروف ليس رفاهية بيئية، وإنما استثمار استراتيجى فى مستقبل الاقتصاد المصرى.
رئيس «زراعة الشيوخ» يطالب بخريطة للتوسع فى غابات المانجروف
طالب الدكتور محسن البطران، رئيس لجنة الزراعة والرى بمجلس الشيوخ، الخبير فى الاقتصاد الزراعى، بالتعامل مع مشروعات زراعة «المانجروف» باعتباره أصلًا اقتصاديًا طبيعيًا يجب حساب عوائده وتكاليف حمايته واستعادته ضمن الحسابات الاقتصادية للمشروعات الساحلية، مؤكدًا أهمية إعداد خريطة اقتصادية للمانجروف فى مصر تتضمن تحديد المناطق الأكثر ملاءمة للزراعة، وتقدير القيمة الاقتصادية لكل مساحة منزرعة بهذه الغابات، وحساب مساهمته فى دعم المصايد وحماية السواحل وتخزين الكربون والسياحة، إلى جانب تحديد فرص الاستثمار المتاحة للقطاع الخاص.
وقال رئيس «زراعة الشيوخ»، لـ«المصرى اليوم»، إن التوسع فى زراعة واستزراع أشجار المانجروف على السواحل المصرية يجب أن يتحول من مجرد مشروع بيئى إلى أحد مكونات استراتيجية الاقتصاد الأزرق والتنمية المستدامة فى مصر، لما تمثله هذه الأشجار من قيمة اقتصادية وبيئية وسياحية وسمكية متكاملة.
وأكد «البطران» أن زراعة المانجروف على سواحل البحر الأحمر تمثل نموذجًا لـ«الاستثمار فى الطبيعة»، موضحًا أن زراعته لا تحقق عائدا واحدا، ولكنها تضيف قيمة مضافة لرؤية الدولة المصرية وتحقق مجموعة من المنافع، بداية من حماية الشواطئ والسواحل، مرورا بدعم الثروة السمكية والتنوع البيولوجى، وصولا إلى السياحة البيئية وتخزين الكربون والاستفادة من أسواق الكربون مستقبلًا.
وأضاف رئيس «زراعة الشيوخ» أن الدراسات الدولية تؤكد أن غابات المانجروف توفر بيئة طبيعية للأسماك والقشريات والرخويات، وتدعم المجتمعات الساحلية التى تعتمد على الصيد والأنشطة المرتبطة به، موضحًا أن المانجروف يساهم فى تثبيت السواحل والحد من التآكل، وترشيح الرواسب وتحسين جودة المياه.
وأوضح «البطران» أن إحدى أهم المزايا الاقتصادية للمانجروف تتمثل فى قدرته على العمل كحاجز طبيعى لحماية الشواطئ من الأمواج والعواصف وارتفاع منسوب سطح البحر، وهو ما يعنى تقليل تكلفة إنشاء وصيانة بعض المنشآت الهندسية التقليدية لحماية السواحل، خاصة أن تكلفة إستعادة المانجروف للحماية من الأمواج قد تكون أقل من تكلفة إنشاء الحواجز البحرية المغمورة بنحو ٦ مرات.
وأشار رئيس «زراعة الشيوخ» أن هذه المعادلة الاقتصادية تكتسب أهمية خاصة بالنسبة لمصر، فى ظل طول سواحلها على البحرين المتوسط والأحمر، والحاجة إلى حلول مستدامة للتعامل مع آثار التغيرات المناخية وارتفاع مستوى سطح البحر، موضحًا أن الاستثمار فى المانجروف هو فى الوقت نفسه استثمار فى الثروة السمكية.
ولفت «البطران» إلى أن غابات المانجروف تمثل مناطق للتغذية والتكاثر والحضانة لكثير من الكائنات البحرية، موضحًا أن القيمة الاقتصادية لا تقتصر على المنتجات التى يمكن الحصول عليها بصورة مباشرة من المناطق الساحلية، وإنما تشمل ما يطلق عليه اقتصاديًا الخدمات البيئية أى المنافع التى يحصل عليها الاقتصاد والمجتمع من وجود النظام البيئى نفسه.
وأشار رئيس لجنة الزراعة والرى بمجلس الشيوخ إلى أن زراعات المانجروف تفتح أمام مصر مجالًا مهمًا فى ملف الكربون الأزرق، نظرًا لقدرة هذه النظم البيئية على امتصاص وتخزين كميات كبيرة من الكربون، خصوصًا فى التربة المشبعة بالمياه.
وأوضح «البطران» أن القيمة الاقتصادية المستقبلية لزراعة المانجروف لن ترتبط فقط بالأخشاب أو الأسماك أو السياحة، وإنما يمكن أن تمتد إلى المشروعات المناخية وأسواق الكربون، بشرط وجود منظومة دقيقة لقياس وتوثيق كميات الكربون المخزنة والتحقق منها وفق المعايير الدولية.
وأكد أن سواحل البحر الأحمر المصرية تمثل مجالا واعدا للتوسع المدروس فى مشروعات المانجروف، خصوصًا فى المناطق التى تتوافر فيها الظروف البيئية الملائمة، لافتًا إلى أن المانجروف يمثل مخزنا مهما للكربون الأزرق، وأن ديناميكيات نموه ترتبط بعوامل مثل درجة الحرارة والملوحة ودرجة حرارة سطح البحر والأمطار.
ولفت «البطران» إلى أن مشروعات المانجروف يمكن أن تتحول إلى منتج جديد للسياحة البيئية المصرية، خاصة فى مناطق البحر الأحمر التى تتمتع بمقومات سياحية عالمية، موضحًا أن إنشاء مسارات وممرات للمشاهدة، ومناطق للتعرف على الطيور والحياة البحرية، ورحلات بالقوارب داخل مناطق المانجروف، يخلق أنشطة اقتصادية جديدة للمجتمعات المحلية، ويزيد من القيمة المضافة للمقاصد السياحية.
وأشار إلى أن السياحة القائمة على الطبيعة يمكن أن توفر مصدر دخل مستدامًا للمجتمعات المحلية فى مناطق المانجروف، إلى جانب الأنشطة المرتبطة بالصيد والمنتجات المحلية.
المصدر:
المصري اليوم