في كثير من الجرائم المنظمة، يعتقد كل متهم أن التزام الصمت هو طوق النجاة، وأن الاتفاق المسبق بين المشاركين سيصمد أمام التحقيقات، لكن الواقع يكشف أن أكثر المخططات إحكامًا قد تنهار باعتراف واحد، حين يقرر أحد المتهمين رواية ما حدث، فتبدأ خيوط القضية في الانكشاف، ويسقط شركاء كانوا يظنون أنهم بعيدون عن دائرة الاتهام.
ولا تعتمد جهات التحقيق على الاعتراف وحده، لكنه كثيرًا ما يكون نقطة البداية التي تُبنى عليها باقي الأدلة، إذ تُراجع النيابة العامة كل ما يرد في الأقوال، وتقارنه بالمعاينات، وتقارير الطب الشرعي، والأدلة الجنائية، وتفريغ الهواتف، وكاميرات المراقبة، حتى تتأكد من صحته قبل اتخاذ أي إجراء.
ومن أبرز القضايا التي جسدت هذا المشهد قضية طالب الرحاب ، التي بدأت باختفاء الطالب، قبل أن تكشف التحقيقات عن جريمة قتل معقدة شارك فيها أكثر من متهم. وخلال التحقيقات، أدلى عدد من المتهمين باعترافات كشفت أدوار المشاركين، وكيفية استدراج المجني عليه، ودفن جثمانه داخل شقة بمدينة الرحاب، لتتطابق هذه الأقوال مع التحريات والأدلة الفنية، وتعيد رسم تفاصيل الجريمة كاملة.
وفي قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال، لم تتوقف التحقيقات عند أقوال المتهم الرئيسي، بل لعبت اعترافات المتهم الثاني حسين الغرابلي دورًا مهمًا في كشف مراحل التخطيط للجريمة، وكيف تم استئجار المزرعة، وحفر القبر، والإعداد المسبق لارتكاب الجريمة، وهي تفاصيل جاءت متوافقة مع ما توصلت إليه النيابة من أدلة فنية وتقارير الطب الشرعي.
كما أظهرت أوراق القضية أن الغرابلي روى للمحققين كيفية الاتفاق مع المتهم الأول، والدور الذي أُسند إليه في التنفيذ، والسبب الذي دفعه للمشاركة، وهو ما ساعد في تكوين الصورة الكاملة للجريمة، إلى جانب الأدلة الأخرى التي دعمت الاتهام.
ولا تقتصر هذه الصورة على القضايا التي شغلت الرأي العام، إذ تؤكد أحكام محاكم الجنايات أن كثيرًا من جرائم القتل والسرقة والخطف المنظمة يبدأ كشفها عندما ينهار أحد المشاركين تحت ضغط الأدلة، أو يقرر الاعتراف طمعًا في تخفيف مسؤوليته، أو بعد مواجهة بأقوال باقي المتهمين، إلا أن القانون لا يكتفي بهذه الأقوال، بل يشترط أن تؤيدها أدلة مادية مستقلة.
ويؤكد خبراء القانون أن اعتراف أحد المتهمين على شركائه لا يكفي وحده للإدانة، لكنه يصبح ذا قيمة كبيرة عندما تؤيده التحريات، وتقارير الطب الشرعي، والأدلة الرقمية، والمعاينات، وأقوال الشهود.
لذلك تحرص النيابة العامة على اختبار كل تفصيلة يذكرها المتهم، للتأكد من أنها تعكس الحقيقة، لا مجرد محاولة لإلقاء المسؤولية على الآخرين.
وتثبت هذه الوقائع أن أخطر ما يواجه التشكيلات الإجرامية ليس فقط الأدلة العلمية، بل انهيار الاتفاق بين أفرادها. فحين يتحدث أحدهم، تتحول الجريمة التي بُنيت على السرية إلى ملف مليء بالتفاصيل، ويصبح الاعتراف الأول بداية سقوط الجميع.
المصدر:
اليوم السابع