حين نذكر اسم الفنان الكبير محمد فوزي ، فإن أول ما يخطر بالبال هو البهجة والابتسامة والألحان الخفيفة التي طبعت وجدان الأجيال، غير أن خلف قناع الخفة والعبقرية الموسيقية تكمن حكايات درامية ومآسٍ إنسانية وأسرار خفية لم يُسلط الضوء عليها بالشكل الكافي، فمن معركة التمرد على الأب وحوالة الجنيه الواحد السرية، مروراً برحلة المرض المبهم، وصولاً إلى اللحظات الأخيرة التي تنبأ فيها برحيله، نكشف في هذا التقرير تفاصيل مذهلة عن كواليس حياة إمبراطور النغم والسينما المصرية.
بدأت القصة حين ورث محمد فوزي عذوبة الصوت عن والده، وقرر السفر إلى القاهرة لدراسة الفن متحدياً رفض والده القاطع الذي قاطع طريقه تماماً، وكان السر الأكبر في صموده خلال تلك الأيام الصعبة هو حوالة شهرية سرية بقيمة جنيه واحد كانت ترسلها له والدته في الخفاء ودون علم والده.
تجرع فوزي مرارة الفقر في بداياته الفنية وبدأ رحلته الشاقة بالعمل في فرقة بديعة مصابني براتب زهيد بلغ سبعة جنيهات شهرياً، وهناك نسج صداقات عمره مع كبار النجوم مثل تحية كاريوكا وإسماعيل يس ومحمد عبد المطلب.
وفي عام 1943 تزوج محمد فوزي زوجته الأولى هداية عبد المحسن، وبلغ قمة تألقه الفني خلال تلك الزيجة مقدماً ستة وعشرين فيلما سينمائياً بالإضافة إلى ألحانه الخالدة، وأنجب منها أبناءه الثلاثة سمير ونبيل ومنير، ويظل السر الأكبر في انهيار هذا البيت هو مفاجأته لزوجته برغبته في الزواج من الفنانة مديحة يسري، مما أثار الأزمات بينهما لتنتهى بالطلاق، ويتوج قصة حبه بمديحة يسرى بالزواج وينجبا ابنتهما الأولى وفاء التي توفيت مباشرة بعد ولادتها.
وعندما داهم المرض الخطير جسد محمد فوزي، عاش رحلة مرض مريرة مع مرض غامض، وبمساعدة شقيقته هدى سلطان وزوجها فريد شوقي، سافر إلى لندن ومنها إلى ألمانيا، لكن الأطباء فشلوا في تشخيص حالته واكتفوا بمنحه مسكنات قوية.
التهم المرض أكثر من خمسين كيلو جراماً من وزنه وأصبح مفلساً تماماً، ليدخل الفنان فريد الأطرش متكفلاً بجميع مصاريف علاجه، وما إن علمت كوكب الشرق أم كلثوم بالأمر حتى توسطت ونجحت في انتزاع قرار لعلاجه على نفقة الدولة ولكن بعد فوات الأوان.
الحقيقة الطبية الصادمة التي عانى منها فوزي تمثلت في إصابته بمرض سرطان العظام الغامض الذي انتقل بشراسة إلى النخاع الشوكي وعجز الأطباء عن تفسيره طويلاً، وفي أيامه الأخيرة، عاد إلى مصر غارقاً في الغيبوبة والمسكنات، وفي يوم العشرين من أكتوبر 1966، أفاق من الغيبوبة وطلب من زوجته كريمة رؤية أولاده، وأملاها وصيته بدقة بالغة حين قال لها إنه سيموت اليوم، لكنهم يجب أن يدفنوه غداً بعد صلاة الجمعة ويخرجوا جنازته من ميدان التحرير.
المصدر:
اليوم السابع