واصل مسار «وصلة» فعالياته بعقد ندوة بعنوان «المسرح الراقص بين الشعبي والنخبوي»، أدارتها الكاتبة والناقدة رشا عبد المنعم، بمشاركة المخرج ومصمم الاستعراضات وليد عوني، ومصممة الاستعراضات الدكتورة رجوى حامد، وسط حضور لافت من المسرحيين والمهتمين بفنون الأداء الحركي، ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري برئاسة الفنان محمد رياض، وذلك بالمجلس الأعلى للثقافة بأرض أوبرا القاهرة.
رشا عبد المنعم: القضية ليست في الفن بل في طريقة وصوله للجمهور
واستهلت الكاتبة والناقدة رشا عبد المنعم الندوة بطرح تساؤل حول العلاقة بين النخبوية والفنون الأدائية، مؤكدة أن المشكلة لا ترتبط بالشكل الفني نفسه، وإنما بالطريقة التي يُقدَّم بها للجمهور. واستشهدت بتجارب نجحت في نقل الفنون إلى الناس خارج المسارح التقليدية، مشيرة إلى أن التحدي الحقيقي هو إيجاد الوسيلة التي تجعل المتلقي أكثر قربًا من العمل الفني، لتطرح سؤال الندوة الرئيسي: هل ترتبط النخبوية بشكل المسرح الراقص أم بطريقة تقديمه؟
وليد عوني: كل فن جديد يُتهم بالنخبوية حتى يجد طريقه إلى الجمهور
وأكد المخرج ومصمم الاستعراضات وليد عوني أن الرقص الحديث واجه منذ نشأته في أوروبا اتهامات بالنخبوية، وهو أمر تعرضت له كل الحركات الفنية الجديدة. واستعرض تجربته مع تأسيس فرقة الرقص المسرحي الحديث في مصر، موضحًا أن البداية قوبلت برفض واسع، قبل أن تتغير النظرة تدريجيًا بعد ارتباط العروض بالهوية والثقافة المصرية.
وأشار إلى أن نقطة التحول جاءت عندما استلهم شخصيات ورموزًا مصرية مثل تحية كاريوكا ونجيب محفوظ وشادي عبد السلام، مؤكدًا أن الاقتراب من المجتمع وتراثه منح الرقص الحديث قدرة أكبر على التواصل مع الجمهور، دون التخلي عن لغته الفنية أو طابعه التجريبي.
وأضاف أن الرقص الحديث يعتمد على الرمز والصورة والحركة أكثر من السرد المباشر، وأن الفنان ليس مطالبًا بتقديم تفسير واحد للعمل، بل يترك للجمهور مساحة لاكتشاف معانيه الخاصة، معتبرًا أن تعدد التأويلات يمثل أحد عناصر ثراء العمل الفني.
كما شدد على أن الفنون الشعبية والفلكلور تمثلان مصدرًا مهمًا للإلهام، مستشهدًا بتجربة الفنان محمود رضا في تطوير الحركة الراقصة المصرية، مؤكدًا أن التراث لا يُستنسخ وإنما يُعاد تقديمه برؤية معاصرة تواكب الزمن.
وأوضح أيضًا أن خلفيته كفنان تشكيلي أثرت في رؤيته للمسرح والسينوغرافيا، وأنه يتعامل مع العرض بوصفه لوحة بصرية تترك للمتلقي حرية القراءة والتأويل، مؤكدًا أن نجاح العرض بالنسبة له لا يقاس بمدى تطابق فهم الجمهور مع رؤية المبدع، وإنما بقدرته على إثارة الأسئلة وخلق تفسيرات متعددة.
رجوى حامد: الرقص الحديث قادر على مخاطبة الجميع إذا اقترب من الإنسان
وأكدت الدكتورة رجوى حامد أن الرقص الحديث يمتلك مرونة كبيرة تؤهله للوصول إلى مختلف فئات الجمهور، معتبرة أنه أكثر قربًا للناس مما يعتقد البعض، وأن رؤية المخرج وطريقة تقديم العمل هما اللتان تحددان مدى جماهيريته.
وأوضحت أن الحركة كلما اقتربت من التعبير الإنساني البسيط ازدادت قدرتها على التواصل مع المتلقي، مشيرة إلى أن بعض المخرجين يتعمدون الغموض، بينما يفضل آخرون الوضوح، وكلا الاتجاهين مشروع، لكنه يرتبط بالاختيار الجمالي لصانع العرض.
وأضافت أن نجاح المسرح الراقص يتطلب وجود فكرة واضحة وقضية إنسانية تشكل أساس البناء الحركي، مؤكدة أن الجمهور لا يعادي هذا الفن، وإنما يحتاج إلى أعمال تلامس اهتماماته وتخاطبه بلغة بصرية قريبة منه.
واختتمت حديثها بالإشارة إلى إحدى تجاربها الإبداعية التي تناولت فكرة الشك والصراع الداخلي للإنسان، مؤكدة أن تعدد قراءات الجمهور للعرض منح التجربة قيمة إضافية، لأن الهدف لم يكن تقديم معنى واحد، وإنما فتح المجال أمام التأويل والمشاركة في إنتاج الدلالة.
المصدر:
الشروق