آخر الأخبار

مدير شؤون الخليج السابق فى «البنتاجون» ديفيد دى روش لـ المصرى اليوم: الخليج غير راضٍ عن واشنطن.. والمقاربة الأمريكية أشبه بعلاقة بين عميل ومزود خدمة (الحلقة 79)

شارك

تطلق «المصرى اليوم» الجزء الثانى من سلسلة «مستقبل الشرق الأوسط»، بعد 62 حلقة فى الجزء الأول، قدّمت رؤى وتحليلات معمّقة لواقع المنطقة، بعد منعطف السابع من أكتوبر 2023، والذى امتد إلى تصاعد التوترات وصولًا إلى الحرب على إيران والاعتداءات على دول الخليج.

ويسعى الجزء الثانى من السلسلة إلى طرح أسئلة تواكب التحولات المتلاحقة والمتسارعة، التى لم يتوقعها أكثر المتشائمين، والتى وضعت المنطقة فى أتون تصعيد عسكرى خطير غير مسبوق، يهدد مستقبل المنطقة ويضعها فى نفق مظلم، من خلال نخبة من الخبراء والمفكرين من مختلف دول العالم، بهدف تقديم رؤى أكثر عمقًا ووضوحًا.

تنطلق هذه الرؤى من تساؤل محورى حول كيفية الحفاظ على وحدة الصف العربى فى ظل المشروعات التى تستهدف المنطقة، وبناء معادلة جديدة للأمن فى الإقليم بعدما انهار كثير من الصيغ التى امتدت عبر عقود، مع التغير الحالى فى النظام الدولى وكسر القواعد العالمية الناظمة، وسيادة منطق القوة فى العلاقات الدولية، وإزاحة ما بنته البشرية من ترتيبات عقب الحرب العالمية الثانية.

عبر قراءة استشرافية لمستقبل الشرق الأوسط فى ظل التحولات المتسارعة التى تشهدها المنطقة، أكد مدير شؤون الخليج السابق فى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، ديفيد دى روش، أن المنطقة تمر بلحظة شديدة الصعوبة، مضيفا أن حالات عدم الاستقرار غالبا ما تنشأ عندما تكون هناك قوة فى صعود أو أخرى فى حالة أفول.

وفى حواره، لـ«المصرى اليوم»، قال إن الدولة الإيرانية ما لم تواجه انهيارًا كاملًا، وهو ما قد يتطلب تدميرًا واسعًا للبنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج، على غرار ما فعلته الولايات المتحدة فى صربيا خلال تدخلها لوقف مذبحة المسلمين فى كوسوفو، فمن المرجح أن تستمر الدولة الإيرانية، لكنها ستكون ضعيفة.

إنشاء «الناتو العربى» من وجهة نظر مدير شؤون الخليج السابق فى وزارة الدفاع الأمريكية، كان هدفًا طويل الأمد للولايات المتحدة والدول التى تتبنى التوجه نفسه، معترفا بصفته مسؤولا أمريكيا بـ«أننا لا نرغب فى نشر قواتنا فى الشرق الأوسط، لأن هذا الوجود مكلف».

وتابع أن دول الخليج ليست راضية تمامًا عن الولايات المتحدة، وهو ما يعد سوء فهم لطبيعة الضمانات الأمنية الأمريكية، التى تقوم على التدخل للدفاع عن هذه الدول إذا تعرضت لخطر الغزو أو الاستيلاء عليها من قبل قوة خارجية، وإلى نص الحوار..

كيف ترى الوضع الحالى فى الشرق الأوسط فى ظل الصراعات الدائرة وسيادة منطق القوة؟

- لطالما هيمنت سياسة القوة على الشرق الأوسط؛ ففى بعض الأحيان تكون مستترة، وفى أحيان أخرى تكون علنية، لكنها كانت موجودة دائمًا، وأعتقد أن محاولة المجادلة فى ذلك ليست سوى نوع من هزيمة الذات.

أرى أن الشرق الأوسط يمر بلحظة شديدة الصعوبة. فعادة ما تنشأ حالات عدم الاستقرار عندما تكون هناك قوة فى صعود أو أخرى فى حالة أفول. والمفارقة أن إيران تجمع بين الحالتين؛ إذ اعتمدت تاريخيًا، فى استراتيجيتها القائمة على الوكلاء، على تجنب الكوارث أو الهزائم العسكرية، وحتى الأضرار داخل أراضيها، من خلال إسقاط قوتها إلى الخارج عبر مسارين: الأول الصواريخ الباليستية، والثانى بناء شبكة من الوكلاء للقتال دفاعًا عن المصالح الإيرانية خارج حدودها.

لكن هذه الشبكة تعرضت لضربات قوية؛ فحزب الله اللبنانى يقاتل من أجل البقاء، وسوريا لم تعد حليفًا لإيران، بل أصبحت تقف فى مواجهة مصالحها، كما أن رئيس الوزراء العراقى الجديد يُظهر مؤشرات على رغبته فى كبح نفوذ الميليشيات المدعومة من إيران، والتى تتحمل الدولة العراقية تبعاتها. لذلك، فإن هناك احتمالًا لحدوث تغيير.

أما الحوثيون، فهم الطرف الوحيد الذى لايزال يحتفظ بقدر من القوة، لكنهم بعيدون جغرافيًا ويصعب إمدادهم، فضلًا عن تمتعهم بقدر كبير من الاستقلالية. وهذا يضع إيران فى موقف أكثر ضعفًا، لكنها عوضت ذلك بتوسيع دائرة استهدافها لجيرانها. ففى العامين الماضيين، أطلقت صواريخ باليستية على باكستان وأذربيجان وتركيا والعراق، ثم استهدفت جميع دول مجلس التعاون الخليجى، إضافة إلى الأردن وإسرائيل وقبرص.

وبذلك، أصبحت أفغانستان الدولة المجاورة الوحيدة التى لم تطلق إيران عليها صاروخًا باليستيًا خلال السنوات القليلة الماضية. وقد أحدثت هذه الهجمات تأثيرًا كبيرًا فى البنية التحتية المدنية، لا سيما فى دول مجلس التعاون الخليجى، وعندما تحقق هذه الوسيلة نتائج، فإنها ستُستخدم مرة أخرى.

كيف تتصور مستقبل الشرق الأوسط فى ضوء التطورات المتسارعة التى تشهدها المنطقة؟ وما السيناريوهات التى تتوقعها خلال السنوات المقبلة؟

- هناك عدة أمور ينبغى الإشارة إليها. أولًا، أن فكرة الاقتصادات الوطنية المندمجة فى النظام الدولى، والتى تعتمد على استيراد السلع فى الوقت المناسب لتلبية الاحتياجات، ستحتاج إلى إعادة نظر. وسيكون هناك توجه نحو تعزيز الاكتفاء الذاتى فى بعض القطاعات الأساسية، مثل الطاقة، والغذاء، والأسلحة، بعدما أدرك الجميع أن هذه الموارد يمكن أن تنقطع فى أوقات الحرب.

لطالما كان هذا النهج مكلفًا وأقل كفاءة، لكن هذا هو الدرس الذى يتعلمه الجميع الآن. وقد شهد العالم بالفعل اضطرابات متتالية فى سلاسل التوريد العالمية، بدأت مع فيروس «ووهان»، ثم الحرب فى أوكرانيا، وصولًا إلى التحركات الإيرانية ضد السفن المدنية المحايدة. وسيشكل ذلك تحولًا كبيرًا ستكون له تداعيات سلبية على اقتصادات المنطقة، ولن تكون آثاره إيجابية.

وأرى أيضًا أن من المحتمل أن تخرج إيران فى موقع أقوى، كما أن من المحتمل ألا يحدث ذلك. فالأمر يعتمد بدرجة كبيرة على مدى استعداد الولايات المتحدة للمواجهة، وعلى ما ستقدم عليه إسرائيل. وما يلفت الانتباه فى الجولة الحالية من الصراع أن إيران، رغم خطابها، لا تشن هجمات مباشرة ضد إسرائيل، بل تترك حزب الله اللبنانى وحركة حماس يواجهان مصيرهما، فى الوقت الذى توجه فيه هجماتها نحو جيرانها العرب.

لذلك، أعتقد أن أحد السيناريوهات المطروحة هو أن الدول العربية، ولاسيما دول مجلس التعاون الخليجى، التى كانت تنظر إلى إيران باعتبارها جارًا صعبًا، لكنها تظل جارًا فى النهاية، ستتعامل معها مستقبلًا باعتبارها قوة مهيمنة محتملة ينبغى التصدى لها. وأعتقد أن تغيير هذه النظرة لن يتحقق إلا مع حدوث تغيير فى النظام الإيرانى ومرور جيل كامل، حتى يُنظر إلى إيران بوصفها دولة يمكن التعامل معها بصورة إيجابية أو تعاونية.

لاتزال نتائج الجولة الأخيرة من الصراع محل جدل واسع بين المحللين. كيف تقيم مخرجات هذه الحرب؟ وما انعكاساتها على مستقبل الشرق الأوسط؟

- حتى الآن، لاتزال نتائج الجولة الحالية من القتال غير محسومة. وبسبب سياسة إيران فى احتجاز الصحفيين واستخدامهم كورقة ضغط، فإن السلطات تفرض سيطرة مشددة على تدفق المعلومات داخل البلاد، ما يجعل من الصعب تقييم فاعلية الضربات من الخارج. فكل موقع يتم استهدافه تصفه الدولة الإيرانية بأنه هدف مدنى، وأى أضرار تلحق به تؤكد أنه جرى إصلاحها على الفور.

وأرى أن هذا الطرح غير مرجح، فمن الواضح أن هناك أضرارًا وقعت بالفعل، لكن المشكلة تكمن فى أن النظام الحاكم فى إيران لا يبدو مهتمًا بما يلحق بالدولة الإيرانية من خسائر. وأعتقد أن مصالحه منفصلة عن مصالح الدولة، وأن المواطن الإيرانى العادى يدرك ذلك.

واطلعت مؤخرًا على استطلاع للرأى، ولا أستطيع الجزم بدقة نتائجه أو طريقة جمع بياناته، يشير إلى أن 9٪ فقط من الإيرانيين يدعمون النظام بصورته الحالية. لكن إذا كان هؤلاء الـ9٪ هم من يمتلكون السلاح، فهم من سيواصلون الحكم. وقد أثبت الحرس الثورى أنه جهاز شديد القمع فى الحفاظ على سيطرته على الدولة. ويمكن الاختلاف حول عدد الضحايا، لكنه بالتأكيد يبلغ ستة أرقام.

لذلك، أعتقد أنه ما لم تواجه الدولة الإيرانية انهيارًا كاملًا، وهو ما قد يتطلب تدميرًا واسعًا للبنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج، على غرار ما فعلته الولايات المتحدة فى صربيا خلال تدخلها لوقف مذبحة المسلمين فى كوسوفو، فمن المرجح أن تستمر الدولة الإيرانية، لكنها ستخرج فى حالة من الضعف الشديد.

فى عام 2016، طرحت مصر مبادرة لتأسيس قوة عربية مشتركة لمواجهة التهديدات والاعتداءات التى تتعرض لها الدول العربية.. كيف تنظر إلى هذه الفكرة اليوم؟ وهل تعتقد أن إنشاء «ناتو عربى» بات خيارًا واقعيًا وقابلًا للتنفيذ؟

- كان إنشاء «الناتو العربى» هدفًا طويل الأمد للولايات المتحدة والدول التى تتبنى التوجه نفسه، لأننا، بصراحة، لا نرغب فى نشر قواتنا فى الشرق الأوسط. فهذا الوجود مكلف، ويشكل تحديًا كبيرًا فيما يتعلق بإدارة انتشار القوات، إذ إن الجنود فى المنطقة لا يتمتعون عادة بحرية الحركة، كما أن جودة حياتهم هناك منخفضة، وهو ما ينعكس على تراجع معدلات إعادة التطوع. والحفاظ على هذه القدرات العسكرية يمثل عبئًا ماليًا، لكننا نستمر فيه لأن شركاءنا يصرون على وجودنا لضمان بقائهم دولًا ذات سيادة فى مواجهة جار ذى طموحات توسعية. فقد شهدنا غزو صدام حسين للكويت، والآن تعيد إيران، على سبيل المثال، طرح مزاعمها بشأن البحرين باعتبارها المحافظة التاسعة عشرة التابعة لها.

ومن هذا المنطلق، تبدو فكرة امتلاك القوات العربية، أو حتى القوات الأوروبية، القدرة على الدفاع عن نفسها، فكرة جذابة للغاية بالنسبة للولايات المتحدة. لكن العقبة الأساسية أمام «الناتو العربى» تتمثل فى أن هذه الفكرة جُرّبت من قبل من خلال حلف «سنتو» (CENTO) فى خمسينيات القرن الماضى، ولم تنضم إليه من الدول العربية سوى المملكة العراقية، إلى جانب إيران فى عهد الشاه، وتركيا، وباكستان. أما بقية الدول العربية فقد جرى إثناؤها عن الانضمام، ويعود ذلك، إلى حد كبير، إلى تدخل بريطانيا وفرنسا، باعتبارهما قوتين استعماريتين سابقتين.

ومنذ ذلك الحين، بقيت المشكلة الأساسية متمثلة فى التفاوت الكبير فى أحجام الدول العربية. فالمملكة العربية السعودية دولة كبيرة، ويعمل فى وزارة الداخلية السعودية عدد من الأفراد يفوق عدد سكان قطر. ولذلك ظل الافتراض، أو التخوف، قائمًا من أن أى هيكل قيادة عسكرية فعّال سيخدم المصالح السعودية بالدرجة الأولى. ومن وجهة النظر المصرية، أعتقد أن القلق يتمثل فى أن يُنظر إلى المصريين باعتبارهم قوة بشرية تُدفع لتحمل مخاطر قد لا تكون دول أخرى مستعدة لتحملها.

أُبرمت اتفاقيات أبراهام خارج إطار مبادرة السلام العربية، وتعرضت لانتقادات باعتبارها همّشت القضية الفلسطينية ورسخت التطبيع دون تحقيق مكاسب سياسية كافية. كيف ترى مستقبل هذه الاتفاقيات فى ظل المتغيرات الحالية؟

- فيما يتعلق باتفاقيات أبراهام والقضية الفلسطينية، فإن جميع الدول التى أقامت علاقات سلام مع إسرائيل، مثل مصر والأردن، اتخذت هذه الخطوة خارج إطار العملية التقليدية.

وأرى أن إدراك حركة حماس لاستمرار الدول العربية فى إعطاء الأولوية لمصالحها الوطنية على حساب القضية الفلسطينية قد يكون أحد العوامل التى دفعت قيادتها إلى تنفيذ هجمات السابع من أكتوبر، بهدف إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام، بعد أن تراجعت على جدول الأعمال.

لكن ما شهدناه منذ ذلك الحين هو أن الرأى العام فى العالم العربى أصيب بالصدمة من الرد الإسرائيلى على الهجمات الفلسطينية، وأصبح ينظر إلى الحملة العسكرية الإسرائيلية المستمرة باعتبارها أمرًا مروعًا وغير مقبول على الإطلاق. وفى هذا السياق، أصبحت أى خطوات إضافية نحو المصالحة مع إسرائيل خارج الحسابات، بل إنها غير واردة تمامًا.

لذلك، أعتقد أن أى تقارب جديد بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبالتالى أى اعتراف إضافى بإسرائيل من جانب دول عربية أخرى، أو أى توسع فى اتفاقيات أبراهام، أو فيما أصبح يُعرف لاحقًا بـ«إطار النقب»، سيظل مستبعدًا خلال الفترة المقبلة. وأرى أن الرأى العام فى مختلف الدول العربية يقف اليوم ضد إسرائيل، وأن هذا الصراع سيحتاج إلى أن يُحسم بطريقة أو بأخرى، تعقبه فترة طويلة من التهدئة قد تمتد لعدة سنوات.

كيف تقيم الاستراتيجية الأمريكية تجاه دول الخليج، فى ظل استمرار المخاوف من التهديدات الإيرانية والهجمات الصاروخية، وما قد يترتب عليها من تأثيرات فى استقرار المنطقة وجاذبيتها الاستثمارية؟

- إنه سؤال مثير للاهتمام. وأزعم أن الولايات المتحدة لا تمتلك فى الواقع مقاربة استراتيجية متكاملة تجاه دول الخليج. فما يجمعنا هو علاقة مع شركاء يطلبون منا أشياء محددة، سواء كانت صفقات تسليح أو نشر مزيد من القوات فى المنطقة، ونحن نوافق أو نرفض وفقًا للظروف. إنها أقرب إلى علاقة بين عميل ومزود خدمة، حيث يوجد طلب مستمر على أحدث التقنيات العسكرية، بينما تواجه الولايات المتحدة قيودًا تتعلق بالسياسة أو محدودية الإنتاج أو نقص المخزونات. ولذلك، فإننا لا نوفر لشركائنا فى الخليج كل ما يطلبونه، لكننا نزودهم بقدرات عسكرية كبيرة.

وأرى أن ما نحتاج إليه هو إصلاح جذرى وشامل، خاصة فى ظل الضعف الواضح للقواعد العسكرية الثابتة وغير المحصنة. وبدلًا من الاعتماد على هذه المنشآت، ينبغى إنشاء شبكة من المرافق شبه المطورة، تضم أماكن معيشة وحظائر محصنة، بما يسمح للطائرات بالانتقال إليها خلال فترات تصاعد التهديدات بالصواريخ الباليستية.

وأعتقد أن إحدى أهم الخطوات فى هذا الاتجاه تتمثل فى تطوير شبكة دفاع جوى متكاملة بصورة حقيقية. فهناك نظام أمريكى جديد قيد التطوير سيسمح بالفصل الجغرافى بين مستشعرات الدفاع الجوى، مثل الرادارات، ومنصات إطلاق الصواريخ، وهو ما سيجعل من الصعب للغاية على أى خصم محتمل، مثل إيران أو غيرها، تحديد مواقع رادارات الدفاع الجوى واستهدافها.

كما أرى أن هناك خطوات أخرى ضرورية، من بينها إنشاء المزيد من خطوط الأنابيب باتجاه البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وتطوير شبكات السكك الحديدية لنقل البضائع بين البحر الأحمر والبحر المتوسط والخليج، إضافة إلى نقل جزء كبير من مرافق التخزين إلى خارج نطاق الصواريخ الإيرانية قصيرة المدى. وقد بدأ تنفيذ ذلك بالفعل إلى حد ما، إذ نُقل معسكر «السيلية»، الذى كان يمثل منشأة رئيسية لتخزين معدات الجيش الأمريكى فى قطر، إلى بلاد الشام، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى كونه كان فى موقع مكشوف وضعيف.

يرى مراقبون أن دول الخليج تأثرت بالنهج الأمنى الأمريكى الذى يضع أمن إسرائيل فى صدارة أولوياته، رغم الوجود العسكرى الأمريكى الواسع فى المنطقة. ما الاستراتيجية الأنسب أمام دول الخليج للتعامل مع هذا الواقع؟ وهل أصبح تنويع الشراكات الدفاعية ومصادر التسليح ضرورة لتعزيز قدراتها الردعية؟

- أعتقد أن دول الخليج ليست راضية تمامًا عن الولايات المتحدة، وهذا يعكس، فى رأيى، سوء فهم لطبيعة الضمانات الأمنية الأمريكية، التى تقوم على التدخل للدفاع عن هذه الدول إذا تعرضت لخطر الغزو أو الاستيلاء عليها من قبل قوة خارجية.

إن وجود قاعدة أمريكية لا يمنح حصانة مطلقة من الهجمات، كما أنه لا يُلزم الولايات المتحدة بالرد على أى هجوم يقل عن مستوى «الغزو المباشر». فعلى سبيل المثال، تُعد تركيا عضوًا فى حلف الناتو وتتمتع بضمانات أمنية رفيعة المستوى، لكنها خلال سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى تعرضت لغارات متكررة من مسلحين أكراد، وحاولت دفع الولايات المتحدة والحلف إلى التدخل، إلا أن الرد كان أن هذه الهجمات لا ترقى إلى مستوى تفعيل الضمانات الأمنية.

وتمر الدول العربية بوضع مشابه إلى حد ما. وكانت آخر مرة ظهر فيها هذا الالتباس بشأن طبيعة الضمانات الأمنية الأمريكية خلال احتجاجات عامى 2011 و2012، عندما طلبت بعض الدول دعمًا أمريكيًا للتعامل مع الاضطرابات الداخلية، إلا أنها أُبلغت بأن هذه الضمانات مخصصة لمواجهة الغزو الخارجى، أى لحماية الدولة ككيان، وليس الحكومة القائمة فى ذلك الوقت.

كيف تُقيّم الدور الذى تؤديه دول الخليج، ولاسيما سلطنة عُمان وقطر، فى الوساطة الإقليمية؟ وما انعكاسات هذه الأدوار على مصالحها الاستراتيجية، خصوصًا فيما يتعلق بمضيق هرمز؟

- أعتقد أن قيام دول الخليج بدور الوسيط أمر مفيد، وكذلك الحال بالنسبة لباكستان. فمن المهم أن تشارك دول من المنطقة فى هذه المفاوضات، حتى لا تظهر روايات بديلة تزعم وجود نوع من «التواطؤ» بين القوى الكبرى.

لذلك، أرى أن هذا التوجه إيجابى ومُرحب به. كما أن دول مجلس التعاون الخليجى أصبحت تؤدى دورًا دبلوماسيًا أكثر أهمية بكثير مما كانت عليه فى السابق.

لكن فى المقابل، شنت إيران هجمات على معظم الدول التى تؤدى أدوارًا فى الوساطة، وكانت قد هاجمت باكستان قبل اندلاع الحرب الحالية. ولذلك، يبقى التساؤل مطروحًا حول مدى فاعلية هذه الوساطات، لكن من المؤكد أن مساعيها الحميدة وجهودها تحظى بترحيب فى واشنطن، وأعتقد أنها تلقى ترحيبًا فى طهران أيضًا.

برأيك، ما النهج الأكثر واقعية واستدامة لضمان أمن واستقرار الملاحة فى مضيق هرمز؟

- أعتقد أن الحل يكمن فى وضع إيران فى موقع ترى فيه مصلحة مباشرة من ضمان انسيابية الملاحة فى مضيق هرمز وعدم تعطيلها. لكن ذلك يمثل تحديًا، لأنه يتطلب من صُناع القرار الموازنة بين مكاسب مالية محدودة وسريعة، مثل الرسوم، وازدهار اقتصادى أكبر بكثير على المدى الطويل من خلال تعزيز التجارة.

ويمكن تحقيق ذلك بعدة طرق، منها إنشاء مرافق لشحن البضائع السائبة على الجانب الإيرانى من الخليج، سواء لخدمة إيران أو دول مجلس التعاون الخليجى، مع الالتزام بمرور نسبة معينة من حركة التجارة عبر الموانئ الإيرانية. وبهذه الطريقة، سيكون لدى إيران دافع لتجنب استهداف السفن المدنية المحايدة، لأن أى هجوم أو حادث، مثل انفجار لغم، قد يؤدى ببساطة إلى وقف الشحنات المتجهة إلى موانئها.

هذه مجرد أفكار أولية، لكن الفكرة الأساسية هى أنه إذا شعرت إيران بأنها محرومة اقتصاديًا بينما يزدهر جيرانها فإنها ستحاول حرمانهم أيضًا. لذلك، فإن الحل يكمن فى ضمان استفادة الجميع من حرية الملاحة فى مضيق هرمز، بحيث تصبح هذه المصلحة المشتركة حافزًا للحفاظ على استقرار الممر البحرى.

شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا