عادت أزمة العجز فى مياه الشرب تفرض نفسها على مدن وأهالى البحر الأحمر مع بداية كل صيف، لتكشف عن واحد من أكبر التحديات التى تواجه محافظة أصبحت خلال سنوات قليلة واحدة من أهم المقاصد السياحية العالمية، فبينما تستقبل مدن البحر الأحمر ملايين السائحين سنويًا، وتشهد توسعًا غير مسبوق فى المشروعات الفندقية والعقارية وهجرة داخلية من مختلف المحافظات، تظل المياه هى العنصر الأكثر حساسية فى معادلة التنمية، خاصة أن المحافظة لا تمتلك مصادر مياه سطحية طبيعية وتعتمد بشكل رئيسى على تحلية مياه البحر وخطى مياه من النيل من الكريمات وقنا لتأمين احتياجات المواطنين والمنشآت السياحية.
«المصرى اليوم» تفتح ملف أزمة العجز فى مياه الشرب بمدن البحر الأحمر والمعاناة اليومية للأهالى والمستثمرين لتوفير الاحتياجات الضرورية من مياه الشرب ولا يقتصر ملف المياه على الغردقة فقط، فمدن أخرى مثل سفاجا والقصير ومرسى علم تحتاج إلى خطط مستقبلية تتناسب مع خطط التنمية المنتظرة، فسفاجا تشهد توسعًا فى الأنشطة السياحية والصناعية والميناءية، والقصير تستعد لاستعادة دورها التاريخى والسياحى بالإضافة إلى النمو السكانى، بينما تمثل مرسى علم أحد أهم مراكز النمو السياحى فى جنوب البحر الأحمر، إضافة إلى المناطق الجنوبية مثل برنيس التى تعد من أهم مناطق التوسع السياحى المستقبلى.
واكد الدكتور ياسر خليل، خبير التنمية البشرية، أنه مع استمرار النمو السكانى والتوسع العمرانى وزيادة أعداد الفنادق والمنتجعات والهجرة الداخلية من مختلف المحافظات للبحر الأحمر، والاتساع العمرانى بمدن البحر الأحمر لم تعد قضية مياه الشرب مجرد أزمة موسمية تظهر خلال أشهر الصيف، وإنما أصبحت ملفًا استراتيجيًا يحتاج إلى حلول دائمة تمتد لعقود قادمة، لأن مستقبل مدن البحر الأحمر يرتبط بشكل مباشر بقدرتها على توفير مصدر مائى مستقر يواكب حجم التنمية المتوقعة وتفرض طبيعة المحافظة تحديًا خاصًا، فمدن مثل الغردقة وسفاجا والقصير ومرسى علم وبرنيس تقع فى منطقة صحراوية ساحلية بعيدة عن مصادر المياه التقليدية، وهو ما جعل محطات التحلية تمثل شريان الحياة الرئيسى، ليس فقط للسكان، ولكن أيضًا للقطاع السياحى الذى يعتمد بصورة أساسية على انتظام إمدادات المياه للحفاظ على جودة الخدمات المقدمة للزائرين. وتزايدت خلال الفترة الأخيرة شكاوى عدد من المواطنين فى مدن البحر الأحمر من طول الفترات بين دورات ضخ المياه، حيث تصل فى بعض المناطق إلى ما بين 6 و10 أيام، وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا على الأسر، خاصة خلال أشهر الصيف التى ترتفع فيها درجات الحرارة وتزداد معدلات الاستهلاك وأن الاعتماد على نظام الضخ الدورى لفترات طويلة أصبح لا يتناسب مع التوسع العمرانى وزيادة أعداد السكان، مطالبين بسرعة وضع حلول جذرية تضمن انتظام وصول المياه بدلًا من التعامل مع الأزمة بصورة مؤقتة من خلال نقل المياه بسيارات أو انتظار مواعيد الضخ وأن طول الفترات بين عمليات الضخ يكشف عن وجود فجوة بين حجم الاحتياجات الفعلية والطاقة المتاحة من مصادر المياه، وأن الحل لا يكمن فقط فى زيادة ساعات الضخ، وإنما فى رفع الطاقة الإنتاجية لمحطات التحلية، وتطوير شبكات التوزيع، وإنشاء محطات جديدة تواكب النمو السكانى والسياحى المتسارع. وقال جمال السليك، عضو مجلس الشيوخ بالبحر الأحمر، إن انتظام خدمة المياه أصبح معيارًا أساسيًا لجودة الحياة وجذب الاستثمار، خاصة فى محافظة تعتمد بصورة كبيرة على السياحة، حيث تحتاج المنشآت الفندقية والمناطق السكنية إلى مصدر مياه مستقر طوال العام وليس خلال موسم الصيف فقط ورغم تنفيذ عدد من مشروعات التحلية خلال السنوات الماضية، فإن الزيادة السريعة فى الاحتياجات جعلت الحاجة إلى إنشاء محطات جديدة ورفع الطاقة الإنتاجية للمحطات القائمة أمرًا ضروريًا، إلا أن ارتفاع تكلفة هذه المشروعات يمثل أحد أكبر التحديات، خاصة أن إنشاء محطة تحلية لا يقتصر على تكلفة المعدات فقط، وإنما يحتاج إلى استثمارات ضخمة تشمل الإنشاءات والشبكات ومحطات الكهرباء وأعمال التشغيل والصيانة والتحديث المستمر للتكنولوجيا المستخدمة وأوضح «السليك» أن تأخر تنفيذ بعض مشروعات التحلية يرتبط بدرجة كبيرة بالحاجة إلى توفير مخصصات مالية كافية تتناسب مع حجم الاحتياجات المستقبلية، مؤكدين أن التعامل مع ملف المياه يجب ألا يكون وفق الاحتياجات الحالية فقط، وإنما وفق رؤية استباقية تراعى معدلات النمو السياحى والعمرانى خلال السنوات والعقود المقبلة.
من جانبه، أكد سيد الجابرى، رئيس غرفة الشركات السياحية، أن مدينة الغردقة فى مقدمة المدن التى تمثل تحديًا كبيرًا فى ملف المياه، باعتبارها أكبر مدن المحافظة من حيث عدد السكان وحجم النشاط السياحى، حيث تجمع بين احتياجات المواطنين اليومية واحتياجات مئات المنشآت الفندقية والقرى السياحية التى تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه على مدار العام فالمدينة التى تحولت خلال عقود قليلة من مدينة ساحلية محدودة إلى مركز سياحى عالمى، شهدت توسعات عمرانية ضخمة امتدت إلى مناطق جديدة، وهو ما جعل زيادة الطاقة الإنتاجية لمحطات التحلية وتطوير شبكات التوزيع ضرورة مستمرة للحفاظ على استقرار الخدمة.
وأوضح الجابرى أن أى توسع سياحى جديد يجب أن يكون مرتبطًا بتوفير مصادر مياه كافية، لأن إقامة الفنادق والمنتجعات والمجتمعات العمرانية دون وجود خطة مائية واضحة قد يؤدى مستقبلًا إلى ضغوط كبيرة على البنية الأساسية وتظل تكلفة الطاقة أحد أهم التحديات التى تواجه قطاع التحلية، حيث تحتاج المحطات إلى كميات كبيرة من الكهرباء لتشغيل أنظمة المعالجة والتنقية، وهو ما يجعل الربط بين التحلية والطاقة المتجددة خيارًا استراتيجيًا أمام البحر الأحمر، خاصة مع ما تتمتع به المحافظة من إمكانات كبيرة فى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وأكد عصام على، أحد خبراء السياحة، أن المياه أصبحت جزءًا أساسيًا من القدرة التنافسية للمدن السياحية، فالسائح لا يبحث فقط عن الشاطئ والفندق، وإنما عن مدينة تعمل بكفاءة وتوفر جميع الخدمات، وأى اضطراب فى المياه يمكن أن يؤثر على صورة المقصد السياحى وثقة المستثمرين ومن هنا فإن تأمين المياه لمدن البحر الأحمر لا يجب أن ينظر إليه باعتباره ملفًا خدميًا فقط، بل باعتباره استثمارًا مباشرًا فى مستقبل السياحة والاقتصاد، لأن كل مشروع سياحى جديد يحتاج إلى بنية أساسية قادرة على دعمه واستمراره وتحتاج المحافظة خلال المرحلة المقبلة إلى رؤية بعيدة المدى تقوم على إنشاء محطات تحلية جديدة قبل الوصول إلى مرحلة العجز، مع وضع مخصصات مالية مستدامة تضمن التشغيل والصيانة والتطوير، وربط خطط التوسع العمرانى والسياحى بخطط الأمن المائى. وتابع «الاعتماد على الطاقة النظيفة فى تشغيل محطات التحلية يمكن أن يسهم فى تقليل تكلفة إنتاج المياه مستقبلًا، ويخلق نموذجًا متكاملًا يجمع بين الأمن المائى والطاقة المستدامة، خاصة أن البحر الأحمر يمتلك مقومات طبيعية تؤهله لذلك لكن مواجهة أزمة المياه لا تعتمد فقط على إنشاء محطات جديدة، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل تقليل فاقد الشبكات، وتحديث أنظمة التحكم والمراقبة، وإعادة استخدام المياه المعالجة فى أعمال الرى، وترشيد الاستهلاك داخل المنشآت السياحية، ورفع كفاءة التشغيل والصيانة».
المصدر:
المصري اليوم