فى الوقت الذى تستهدف فيه الحكومة المصرية زيادة الصادرات غير البترولية لتصل إلى ١٠٠ مليار جنيه بنهاية ٢٠٢٦، وتمكين القطاع الخاص ليقود المرحلة المقبلة من التنمية، بحيث يرتفع نصيبه من ٥٩٪ حاليا إلى ٦٤٪ بحلول ٢٠٣٠، يواجه القطاع الصناعى تحديات كبرى تهدد بإغلاق عدد كبير من المصانع خاصة فى المحافظات بسبب ارتفاع مستلزمات الإنتاج والتى تعد الركيزة الأساسية لاستمرار المنشآت، والتى زادت بنسبة تتتراوح مابين ٣٠-٣٥٪ وفق تصريحات المستثمرين أنفسهم والذين أكدوا أن ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج تبعه انخفاض فى الشراء من المستهلكين لارتفاع أسعار المنتجات وهو الأمر الذى تحول إلى ما يشبه «الكماشة» التى تدمر الصناعة وتتسبب فى تآكل رأس المال.
«صرخات المستثمرين» ترجمتها البيانات الرسمية، ووفقاً للجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، فقد سجل المؤشر العام لأسعار المنتجين مستويات تاريخية غير مسبوقة، إذ وصل إلى ٦٧٩.٨٠ نقطة، محققاً نسبة زيادة سنوية بلغت نحو ١٧.٤٪ مقارنة بنفس الفترة من العام السابق، ما يعكس ضغوطاً هائلة على تكلفة التصنيع والإنتاج والذى يؤثر بشكل مباشر على المنتج والمستهلك على حد سواء، وكشفت تقارير لاتحاد الصناعات المصرية أن رأس المال العامل للمصانع تآكل بنسبة تصل ٤٠٪، بسبب اضطرار المنتجين لشراء مواد خام بضعف أسعارها المعلنة منذ عامين بخلاف ضغوط ملف الطاقة والذى شهد زيادات تجاوزت الـ٢٥٪ نتيجة المراجعات الدورية لأسعار الوقود الموجه للمصانع، ما أدى لزيادة مباشرة فى تكلفة الإنتاج بنسب تتراوح بين ١٠-١٥٪ فى الصناعات المعدنية والكيماوية حسب تصريحات أصحاب المصانع أنفسهم، وأصدر الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء قرارا جديدا برفع أسعار الغاز الطبيعى لعدد من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة اعتباراً من مايو الماضى، بمعدل دولارين فى المتوسط، ليصل ١٤ دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية لمصانع الأسمنت، و٧.٧٥ دولاراً للحديد والصلب والأسمدة غير النيتروجينية والبتروكيماويات، وما بين ٦.٥٠-٦.٧٥ دولاراً للأنشطة الصناعية الأخرى.
«المصرى اليوم» فى هذا الملف تكشف معاناة المستثمرين بالمناطق الصناعية فى عدد من المحافظات، كما ترصد ملامح الأزمة التى باتت تهدد مئات المصانع بالإغلاق وتحويلها من «كيانات منتجة» إلى «جثث هامدة» وسط مطالب اتحاد الصناعات الصغيرة والمتوسطة بضرورة تدخل الدولة لتنفيذ «حزمة إنقاذ» تخفف على المستثمرين وتضمن استمرار عجلة الإنتاج وتحافظ على العمالة.
أصحاب مصانع ومستثمرون: «خفضنا الإنتاج وسرحنا بعض العمال»
«مصانعنا مهددة بالإغلاق والعمال هتتشرد».. صرخة أطلقها عدد كبير من أصحاب المصانع والمستثمرين بالمناطق الصناعية المنتشرة فى المحافظات، بعدما اضطر بعضهم لتسريح العمالة ووقف الإنتاج جزئيا أو كليا بسبب تكرار زيادة تكاليف مستلزمات الإنتاج من مواد خام وطاقة ونقل خلال الشهور الماضية مع تراجع مستمر فى المبيعات بسبب ارتفاع سعر المنتج، ما هدد صناعتهم بالركود أوالإغلاق.
المهندس توفيق عامر، عضو اتحاد الصناعات المصرية، وعضو مجلس إدارة جمعية مستثمرى العاشر من رمضان، أكد أن ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج يمثل تحدياً كبيراً أمام تشغيل المصانع، خاصة فى المناطق الصناعية بالمحافظات، لما له من تأثير مباشر على تكلفة الإنتاج واستمرارية التشغيل.
وأوضح «عامر» أن الزيادات المتتالية فى أسعار المواد الخام والطاقة أدت إلى ارتفاع ملحوظ فى تكاليف التصنيع، وهو ما دفع العديد من المصانع إلى تقليل طاقتها الإنتاجية، أو العمل بنظام التشغيل الجزئى، لتجنب تحقيق خسائر كبيرة.
وأشار إلى أن المناطق الصناعية مثل مدينة العاشر من رمضان، تضم عددًا كبيرًا من المصانع التى تعتمد على مدخلات إنتاج محلية ومستوردة، وبالتالى فهى الأكثر تأثرًا بتقلبات الأسعار العالمية وسعر الصرف، ما ينعكس على إستقرار العملية الإنتاجية.
وأضاف أن استمرار هذا الوضع قد يؤدى إلى تراجع معدلات التشغيل داخل المصانع، فضلًا عن تأثيره السلبى على العمالة، حيث قد تضطر بعض المنشآت إلى تقليل أعداد العمالة، أو تجميد خطط التوسع.
وكشف سطوحى مصطفى، رئيس جمعية المستثمرين بأسوان، أن بعض المصانع بالمنطقة الصناعية فى أسوان أغلقت أبوابها بسبب مديونيات الكهرباء وارتفاع تكاليف النقل ومستلزمات التخزين
وقال «جميع مصانع المنطقة الصناعية فى أسوان تأثرت بارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء والنقل والمواد الخام بنسب متفاوتة ولجأ بعضها لتخفيض الإنتاج أو الإغلاق بسبب تلك المشكلة»
وأكد رئيس جمعية المستثمرين بأسوان أن عددا كبيرا من مصانع المواد الغذائية خفضت من إنتاجها وتوقف مصنع مكرونة وبعض مصانع الجرانيت عن الإنتاج تماما فيما لجأت مصانع البلاستيك لتخفيض العمالة وتقليص الورديات لتقليل الإنتاج وأوشك بعضها على الإغلاق، مضيفا: «ارتفاع أسعار الكهرباء والنقل والمواد الخام أثر على جميع المصانع فمصانع المواد الغذائية مثل مصنعات اللحوم خفضت من إنتاجها فيما توقف مصنع مكرونة عن الإنتاج بسبب ارتفاع تكلفة المواد الخام والتشغيل والتخزين بخلاف تكاليف النقل والتى زادت بنسبة تراوحت مابين ٢٥٪ إلى ٣٠٪ وهو بند واحد فقط فيما زادت تكليف الطاقة بنسبة تزيد عن الـ٣٠٪ وكلها أعباء يتحملها المستثمر وتعود بالسلب عليه وعلى المواطن ما تسبب فى حالة من الركود نتيجة زيادة سعر المنتج النهائى وهو ما يؤثر على جميع القطاعات التى تتشابك مع تلك الصناعات» مشيرا إلى أن مصانع الرخام والجرانيت بأسوان تراكمت عليها ديون الكهرباء بأرقام كبيرة وصل بعضها إلى ٢٨ مليون جنيه وحررت الشركات محاضر ضدهم مما تسبب فى توقف مصنعين تماما عن العمل لعجزهما عن سداد الديون وتسعى المصانع إلى التصالح وتخفيض هذه المبالغ والغرامات إلا أنه لا يوجد استجابة من شركة الكهرباء
وطالب سطوحى بإعادة النظر فى تسعيرة الكهرباء بالنسبة للمناطق الصناعية والصناعات الصغيرة والمتوسطة فى الصعيد ومناقشة ذلك بشكل علنى وتوجيه الدولة نحو دعم هذه المصانع لتخفيض أسعار المنتج وتوفير العملة الصعبة فى حالة الإستيراد وكذلك توفير فرص عمل للشباب وكى لا تتحول هذه المناطق إلى مناطق طاردة للعمالة. فيما أكد عطية أبو سلام، صاحب مسبك رصاص فى منطقة الشروق بالقليوبية أنه اضطر إلى تصفية العديد من العمال وإنهاء عقودهم بالعمل بسبب ارتفاع تكلفة الخامات والنقل التى زادت فى الفترة الأخيرة بعد ارتفاع أسعار الوقود ما أدى إلى ارتفاع أسعار الشحن من الموانئ إلى أماكن العمل.
وأوضح أنه بالرغم من توفر جميع الإمكانيات داخل المنطقة الصناعية من مرافق وعمال إلا ان ارتفاع اسعار الخامات والنقل دفعت بعض المصانع لتقليل عمالها أو تقليل مرتباتهم من باب الترشيد.
ولفت أحمد حجاج، صاحب كسارة بلاستيك فى القليوبية إلى ان ارتفاع اسعار الخامات أدى إلى تقليل العمالة حيث ان مصانع البلاستيك تحتاج إلى أيدى عاملة كثيرة وقال: «فى الفترة الأخيرة اضطرينا لتقليل الأيدى العاملة بسبب ارتفاع أسعار الخامات علاوة على ارتفاع مصاريف الشحن من أماكن تجميع البلاستيك فى كافة أنحاء الجمهورية لتوريدها للمصنع».
وأكد أن الارتفاع فى المواد الخام أدى إلى ارتفاع الاسعار فى جميع الادوات المنزلية خصوصا البلاستيكية منها حيث شهدت زيادة فى الأسعار تراوحت ما بين ٢٥-٣٠٪، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير فى اسعار الاجهزة الكهربائية المرتبطة بهذه الصناعة. وأضاف صاحب مصنع أحذية، رفض ذكر اسمه، أن بعض مستلزمات الإنتاج من الجلود خصوصا المستوردة سجلت زيادات سعرية وصلت ١٢٠٪، ما انعكس على تكلفة الإنتاج وأداء المصانع، خاصة فى ظل وجود تراجع نسبى فى الطلب بالسوق المحلية وهذا أدى إلى تكدس الإنتاج والاتجاه إلى تسريح العمالة لتقليل النفقات.
وأكد محمد السمان، أمين عام جمعية شباب الأعمال بالمنطقة الصناعية جنوب بورسعيد، ان ارتفاع اسعار مستلزمات الانتاج ادت إلى ضغوط تشغيلية كبيرة على المصانع فى المناطق الصناعية بالمحافظات، حيث سجلت مدخلات الإنتاج زيادات وصلت ٣٠٪ خلال الربع الأول من العام الحالى.
وأكد أن تلك الزيادات فى أسعار الخامات والطاقة ادت لارتفاع المنتج النهائى ما نتج عنها انخفاض القوة الشرائية بالأسواق المحلية، وانخفاض مستوى التنافسية فى الأسواق الخارجية.
واوضح ان الأحداث الاخيرة والتقلبات العالمية أدت إلى صعوبة توفير مستلزمات التشغيل المستوردة، ما تسبب فى بطء الإنجاز وتوقف بعض الخطوط الإنتاجية مؤقتاً لحين توفير مستلزمات الانتاج التشغيلية للمصانع.
وقال على عياد، صاحب مصنع لحقائب المدارس والسفر ببورسعيد، ان غلاء اسعار مستلزمات الانتاج ينعكس على المنتج والخامة، وعلى اصحاب المصانع، فترتفع معها أجور العاملين بالمصانع، وسعر المنتج فى صورته النهائية.
وأضاف أن مجمل تكلفة المنتج يصبح مرتفع جدا للحقيبة، وبالتالى يصبح توزيعه على التجار أقل، فالتاجر الذى كان يشترى ١٠٠٠ قطعة يطلب الآن ٥٠٠ فقط، نظرا لقلة الإقبال على شراء المنتجات بسعرها الحالى.
وتابع أن عددا كبيرا من المصانع خفضت نسبة العمالة لتواصل العمل والإنتاج فيما نجح عدد قليل منهم فى الهروب من ازمة السوق المحلية وما يمر به، ولجأ اصحابها للتصدير، وحتى هؤلاء تواجهم صعوبات ارتفاع أسعار منتجهم وفقدانهم للميزة التنافسية فى السعر، لكنهم أفضل حالا من وجهة نظره.
وأكد أحمد عبد الجواد، صاحب مصنع منسوجات فى المنطقة الصناعية بقويسنا أن تكاليف الخامات زادت ثلاثة أضعاف خلال الـ٦ شهور الأخيرة واختلفت طريقة تعامل أصحاب المصانع مع الأزمة، فبعضها ما زال يعمل بطاقته المعتادة، رغم ارتفاع التكلفة ويضع الفارق على المستهلك بينما اضطر آخرون لتقليل الإنتاج وتقليص العمالة وساعات العمل.
وأوضح خالد منصور، صاحب مصنع بلاسيتك، أن المصانع الصغيرة هى الأكثر تأثرا قائلا: «المصانع الصغيرة بتتفرم فى السوق المحلى ولا تجد أى مساعدة لأنها تعتمد على انتاج كميات منخفضة من المنتج ومع ارتفاع تكاليف الإنتاج زادت التكاليف الثابتة بالمقارنة بالمصانع الكبيرة ما تسبب فى إغلاق عدد كبير من المصانع الصغيرة وخروجها من السوق».
وأكد أحمد سمير، شريك بأحد مصانع البلاستيك بالمنطقة الصناعية بجمصة، أن هناك زيادة غير مسبوقة فى تكلفة الإنتاج تجاوزت الـ٥٠٪، خاصة مع اعتماد العديد من الصناعات على الخامات المستوردة والتى يتم تسعيرها بالدولار، وأى تحرك فى سعر الصرف ينعكس فورًا على التكلفة النهائية بخلاف زيادة تكاليف الشحن والتى زادت بنسب تصل ٦٠٪ بسبب حرب وأمريكا.
وأوضح أنه يستورد بعض الخامات من الخليج، ومع الحرب الإيرانية تأثرت عمليات الاستيراد، ما أثر سلبًا على الطاقة الإنتاجية فانخفظت ٣٠٪ عن السابق، ما يدفع التجار لرفع الأسعار على المواطن، وتظهر أزمة فى السوق المحلى تؤثر على قدرة البعض على الاستمرار.
وأوضح حسام زهران، مالك مصنع أدوات تجميل بجمصة، أن قطاع مستحضرات التجميل يواجه تحديات متزايدة خلال الفترة الأخيرة، نتيجة الارتفاع الكبير فى أسعار الخامات وتكاليف الإنتاج بشكل عام.
وأضاف أن بعض الخامات الأساسية شهدت زيادات غير مسبوقة، وعلى رأسها مادة «التكسابون» المستخدمة فى تصنيع الشامبوهات ومنتجات الاستحمام، حيث وصل سعر الكيلو إلى ١٦٥ جنيهًا منذ أسبوعين، قبل أن يتراجع مؤخرًا إلى حوالى ١٤٠ جنيهًا، وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا على المصنعين.
وأشار زهران إلى أن ارتفاع أسعار الوقود والطاقة انعكس بشكل مباشر على الإنتاج، فضلًا عن ارتفاع أجور العمالة، حيث ارتفعت تكلفة نقل العمالة اليومية من ٢٠٠ جنيه إلى ٦٠٠ جنيه، خلال ثلاث شهور فقط، مؤكدا أن هذه الضغوط دفعته إلى تقليل معدل الإنتاج بنسبة ٥٠٪، كما اضطر إلى تخفيض عدد العمالة داخل المصنع إلى النصف.
ولفت زهران إلى أن القطاع الصناعى يواجه أيضًا صعوبات إضافية تتعلق بالعملة الصعبة وارتفاع الرسوم الجمركية، ما يضع تحديات كبيرة أمام استمرار الإنتاج والتصدير بنفس الكفاءة السابقة.
وأشار محمود حسن مدير الموارد البشرية بمصنع كرتون فى المحلة الكبرى إلى توقف حاويات المواد الخام فى جبل على، بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية، فتراجعت الطاقة الإنتاجية ٣٠٪، مع ارتفاع سعر العملة.
وأوضح المهندس رجب يوسف، عضو مجلس إدارة المنطقة الصناعية بجمصة، وأمين ريادة الأعمال بالدقهلية، أن الارتفاعات الأخيرة فى أسعار مستلزمات الإنتاج كان لها تأثير واضح على عدد من القطاعات الصناعية، خاصة الكيماوية والبلاستيكية.
وأضاف أن الخامات المرتبطة بالبلاستيك والمنتجات الكيماوية شهدت زيادات كبيرة خلال الفترة الأخيرة، بنسبة تراوحت ما بين ٦٠ و٧٠٪، مقارنة بالفترة السابقة للتوترات العالمية الأخيرة.
وأشار إلى أن نقص هذه الخامات أثر على السوق بشكل ملحوظ الشهر الماضى، نظرًا لاعتماد السوق المحلى على الاستيراد، خاصة من الخليج، إلا أن الوضع بدأ مؤخرا يعود تدريجيًا.
ولفت إلى أن المصانع تعتمد فى العادة على مخزون احتياطى من الخامات، وغالبا لا يكفى لأكثر من شهر، ما يجعلها عرضة للتأثر السريع بأى اضطرابات فى الإمداد.
وأكد أن ارتفاع الأسعار سواء نتيجة زيادة سعر الدولار أو ارتفاع تكلفة الوقود عالميًا، انعكس بشكل مباشر على تكلفة الإنتاج، خاصة فى الصناعات المرتبطة بمواد التعبئة والتغليف، مشيرًا إلى أن المصانع غالبًا لا تستطع تحميل الزيادة بالكامل على المستهلك، وتتحمل جزءًا من التكلفة من خلال تقليل هامش الربح، فى محاولة للحفاظ على القدرة التنافسية فى السوق.
وأردف أن هذا الوضع أدى فى بعض الحالات إلى خفض كميات الإنتاج بنسب متفاوتة، نتيجة تراجع الطلب وضعف القوة الشرائية، موضحًا أن السوق يشهد حالة من التوازن النسبى فى الأسعار بسبب وجود مخزون قديم لدى التجار والموزعين، ومنتجات جديدة ما يخلق متوسطًا سعريًا بين القديم والجديد.
وأوضح أن المنطقة الصناعية بجمصة تضم نحو ٧٠٠ مصنع منها ٢٨٥ يعمل فعليًا، بينما يواجه ٨٠ منها تحديات أدت إلى تعثره.
وقال زكريا سعد الدين، صاحب مصنع غزل ونسيج بالمحلة: «خطوط الإنتاج مُهددة بالتوقف التام، بسبب ما تشهده المنطقة فخط الإنتاج كان ينتج يوميا ٢ طن ونصف بكرة نسيج، أما الآن وصلنا إلى إنتاج ١٢٠٠ كيلو فقط ومتوقع تخفيضها أيضا خلال الفترة المقبلة حال استمرار ارتفاع تكاليف المستلزمات»
وأكد محمد هنو، رئيس جمعية رجال الأعمال فى الإسكندرية، لـ«المصرى اليوم»، أن المشكلة الأكبر تكمن فى ارتفاع تكلفة الطاقة وأسعار الشحن مما أثر على أسعار جميع المنتجات كثيفة الطاقة والتى تعتمد المنتجات البترولية مثل الاسمدة والمنتجات البلاستيكية.
وقال مجدى عفيفى، صاحب مصنع فى برج العرب، أن التوترات السياسية أثرت على الأسعار بشكل مباشر حيث زادت كل مستلزمات الإنتاج بنسب متفاوتة من ١٥-٧٠٪ وهى نقلة غير طبيعية أثرت على عملية التشغيل وتسببت فى انخفاض رأس المال العامل بنسبة ٣٠٪، فأصبحت مشتريات مستلزمات الإنتاج أقل من المخطط لها بنفس رأس المال ما يؤدى فى النهاية لرفع أسعار السلع
واكد لـ«المصرى اليوم»، أن السوق لا تتحمل أى زيادة جديدة فى الأسعار لأن القوة الشرائية للمواطنين انخفضت بشكل كبير ما زاد من عملية الركود.
وحذر من تأثير الزيادات فى الأسعار على مستقبل الصناعة فى مصر قائلا: «الأثر فى المستقبل ليس جيد لان بالفعل فى مصانع بدأت فى تسريح العمالة، وتقليل عدد ساعات العمل، وأصبحت بعض المصانع تشتغل وردية واحدة يوميا مما سيكون له أثر سيئ على سوق العمالة وزيادة نسبة البطالة بخلاف ضعف القدرة الصناعية مما يهدد مستقبل الصناعة فى مصر فى حالة استمر ذلك الوضع دون تدخل من الدولة لوقف نزيف المصانع».
وأكد المهندس محمد المصرى، عضو مجلس إدارة المنطقة الصناعية فى أسوان، ان النشاط الاقتصادى فى مصر تأثر بشكل عام منذ نحو ٣ سنوات مع التعويم مما دفع المُصنعون لمحاولة التكيف مع الوضع الجديد بتقليل الورديات خاصة مع نقص العمالة المدربة فى القطاع الإقتصاى بعد اتجاه الغالبية إلى الأعمال السهلة مثل قيادة التوك توك.
ويشير «المصرى» إلى أن المناطق الصناعية بالمحافظات تعانى من مشكلات متعددة بخلاف ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج مستشهدا بالمنطقة الصناعية بأسوان والتى تعانى من مشكلات فى الصرف الصحى، والكهرباء حيث تحتاج المنطقة إلى محولات كهرباء فى ظل وجود ٤٥ مصنعا جديدا تحت الإنشاء وهو الأمر الذى يستوجب تدخل الدولة لمساندة القطاع الإقتصادى ودعم المناطق الصناعية سواء فى أسوان فى المحافظات المختلفة.
من جانبه، قال الدكتور محمد عطية الفيومى، رئيس مجلس إدارة الغرفة التجارية بالقليوبية وأمين صندوق الاتحاد العام للغرف التجارية، أن تعثر بعض المشروعات الصناعية مؤخرا بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج ومدخلاته، وعلى رأسها أسعار المواد الخام، إلى جانب الأعباء التمويلية أثر على استمرارية تشغيل عدد كبير من المصانع.
ولفت «الفيومى» إلى ان قرار وزير الصناعة، رقم ١٠٧ لسنة ٢٠٢٦ بشأن مد العمل بحزمة التيسيرات الممنوحة للمشروعات الصناعية المتعثرة يعد خطوة تحفيزية لإعادة تشغيل المصانع المتوقفة وتنشيط الإنتاج المحلى
نواب وخبراء: المرحلة الحالية «مفصلية» ولابد من تدخل الدولة
طالب عدد من نواب البرلمان والشيوخ وخبراء الاقتصاد بضرورة تدخل الدولة لإنقاذ مستقبل الصناعة فى ظل التغيرات السياسية والاقتصادية التى تنعكس على أسعار مستلزمات الإنتاج، واصفين المرحلة الحالية بـ«المفصلية».
واتهم الدكتور رضا عبدالسلام، عضو لجنة الشؤون الاقتصادية وأستاذ الاقتصاد والمالية العامة بحقوق المنصورة، الدولة بأنها سبب رئيسى فى رفع تكلفة مستلزمات الإنتاج، قائلًا: «الدولة هى مربط الفرس فى أى تنمية، ودورها ليس فقط الإسراف، ولكنها شريك فى حل المشكلات أو زيادتها».
وأضاف: «فى ظل الأحداث الجيوسياسية التى تمر بالمنطقة، أصبح هناك زيادة فى الأعباء على كاهل المستثمر بعد زيادة أسعار جميع مدخلات الإنتاج، وعلى رأسها الطاقة، بشكل فاق كل التوقعات، وبدلًا من تدخل الدولة لتخفيف الأعباء، رفعت بدورها أسعار الطاقة وأسعار جميع الخدمات والرسوم التى تقدمها بعدة أضعاف، مما ضرب قيمة الجنيه المصرى وزاد الفجوة بينه وبين الدولار».
وتابع: «الدولة من واجبها تقليل تكلفة الخدمات التى تقدمها مع توفير مناخ اقتصادى جاذب للصناعات وليس طاردًا لها كما يحدث الآن، لكن لو أنت مستثمر وعايز تعمل مصنع، الدولة بتطلع عينك وتكبلَك بأعباء مالية قد تكون سببًا فى توقف المشروع أو إغلاقه».
واستطرد: «الدولة تبيع للمواطن كل شيء بالسعر العالمى ولا تقدم له الخدمة بالمواصفات العالمية، وفى مجال الطاقة مثلًا رفعت الدولة أسعار الطاقة بشكل كبير خلال فترة قليلة، مما ضغط على جميع الصناعات وتسبب فى خروج بعض المصانع من الخدمة، وهو بند واحد من أهم مستلزمات الإنتاج، وتتحجج الحكومة بأنها تستورد الطاقة، حيث تصدر بـ٤٠ مليار دولار، وتستورد بـ٨٤ مليارًا، وكان الأولى منذ سنوات طويلة أن تبحث عن بدائل للطاقة مثل الطاقة الشمسية، خاصة أن مصر تتميز بسطوع الشمس طوال العام ويمكنها أن تحقق اكتفاءً ذاتيًا منها، ومن ٢٠١٥ ونحن نتحدث عن مشروعات الطاقة الشمسية وحتى الآن النتيجة تقترب من الصفر».
وحذر من أن استمرار زيادة تكلفة مستلزمات الإنتاج وجميع الخدمات التى تقدمها الحكومة يهدد مستقبل الصناعة والتنمية فى مصر، قائلًا: «على الدولة سرعة تخفيض جميع الخدمات وتقديم الدعم للصناع بتسهيلات وقروض وتوفير الخامات ودعم الطاقة قبل أن يتدهور الوضع أكثر وتنهار الصناعة الوطنية».
واستكمل: «يستسهل بعض رجال الأعمال الربح باستيراد المنتجات خاصة المصنعة وطرحها فى السوق المحلى دون السعى لتوطين الصناعة من خلال تصنيع ما نستورده لتخفيف الأعباء على الاقتصاد وتوفير فرص عمل».
وقال النائب أحمد شرعان، عضو لجنة الصناعة بالنواب لـ«المصرى اليوم»: «إن مشكلة ارتفاع مستلزمات الإنتاج وعلى رأسها الخامات والطاقة تمثل عقبة قوية أمام الصناعة المصرية، ولكنها ليست ناتجة من تقصير حكومى، لكنها نتاج أحداث عالمية خارجة عن إرادة الدولة، ولكنها تستدعى تدخل الدولة لإنقاذ الصناعة وتوفير مناخ صناعى صحى يسمح بنمو الاقتصاد وجذب الاستثمارات».
وأكد أن قطاعًا مثل صناعة الألومنيوم، والذى يعد من الصناعات الرائدة فى التصدير، يعانى من ارتفاع كبير فى الخامات وصل إلى ثلاثة أضعاف منذ اندلاع الحرب الأمريكية والإيرانية، مما أثر بشكل سلبى على التصدير وتوفير العملة الصعبة، قائلًا: «مازلنا نصدر ولكن ليس بنفس الكميات، حيث كان قطاع صناعة الألومنيوم فى مصر يتمتع بميزة تنافسية مع الشركات الأجنبية فى انخفاض السعر مقارنة بالدول الأخرى، وهذا كان يفتح أمام الصناعة الوطنية الأسواق العالمية، ومع ارتفاع الأسعار فقدنا جزءًا كبيرًا من هذه الميزة». موضحًا: «طن الألومنيوم الخام كان بـ٥٠ ألف جنيه، والآن يتراوح ما بين ١٨٠-٢٠٠ ألف جنيه، بخلاف ارتفاع تكاليف النقل والعمالة والطاقة والشحن والتأمين لشركات الملاحة، كلها زادت، ويضاف على ذلك زيادة مدد النقل بسبب تكدس السفن فى الموانئ، بالإضافة لارتفاع سعر الصرف للعملات، وكلها عوامل ضغطت على الصناع وتسببت فى تعثر العديد من المصانع وربما توقف بعضها».
وأضاف: «مع بداية التعويم أطلقت الدولة مبادرة لدعم الصناعة بتوفير قروض ميسرة للصناع بفائدة ٥٪ لمن تصل مبيعاته ٥٠ مليون جنيه، ومبادرة أخرى بتوفير قروض بفائدة ١٢٪، وللأسف كل تلك المبادرات انتهت، ويحصل صاحب المصنع على أى قرض بفائدة ٣٠٪، وهى نسبة كبيرة جدًا، ولابد من إعادة نظام القروض لتوفير فرص الإنتاج والتصدير». مستطردًا: «المصانع محتاجة فلوس علشان تواجه الزيادة فى الأسعار وتستمر فى الإنتاج، لأن حاليًا المليون جنيه تشترى ٥ أطنان ألومنيوم فقط، وكانت من قبل تشترى ٢٠ طنًا، وهذا الفارق الكبير يؤثر على عجلة الإنتاج لأن الـ٥ أطنان هتخلص فى يوم ومش هتحقق أرباح تغطى التكلفة».
وتابع: «فى لجنة الصناعة بمجلس النواب تلقينا العديد من الشكاوى وتقدمنا بطلبات إحاطة حول تعثر المصانع والمستثمرين، وناقشنا المشكلة واستمعنا لأطراف عديدة، ووضعنا بعض الحلول لدعم الصناعة الوطنية، مثل دراسة المصانع المتعثرة من خلال لجنة متخصصة لحل مشاكلها ومساعدتها للعودة إلى الإنتاج، ومخاطبة الحكومة لوضع آليات لتذليل العقبات أمام المصانع، سواء من خلال وضع حوافز للاستثمار من خلال توفير قروض بفوائد ميسرة أو إعفاء من الضرائب وتذليل إجراءات الاستيراد والتراخيص وخلافه».
وطالب بسرعة تدخل الدولة لإنقاذ المصانع من الإغلاق والعمال من التشرد قبل أن تتفاقم المشكلة وتخرج المصانع العاملة من السوق، قائلًا: «نحن فى مرحلة مفصلية، ولابد من التكاتف لتخطى الأزمة بأقل الخسائر».
وقال الدكتور عمر الغنيمى، عضو لجنة الصناعة فى مجلس الشيوخ بالإسكندرية، إن قطاع الصناعة يواجه مجموعة من التحديات الوجودية التى تهدد الكيان حال عدم التحرك من جانب الدولة للتغلب عليها ومواجهتها، وذلك من أجل تحقيق هدف الدولة بالوصول إلى قيمة تصديرية تقدر بـ١٠٠ مليار دولار سنويًا.
وأوضح «الغنيمي»، فى تصريحات لـ«المصرى اليوم»، أن هذه التحديات تكمن فى ارتفاع سعر التكلفة للمواد الخام المستوردة من الخارج، فضلًا عن زيادة أسعار الشحن والنولون للوصول إلى المصانع، ما يعتبر إضافة جديدة على قيمة المواد الخام المستوردة، وبالتالى يتم التحميل فى النهاية للصناعة الوطنية والمستهلكين، وهو ما يؤثر سلبًا على الصناعة والعاملين فى القطاع.
وأشار إلى أن لجنة الصناعة فى مجلس الشيوخ تلقت بالفعل مجموعة من المعوقات والمشاكل التى تواجه قطاع الصناعة فى مصر، ويتم حاليًا إعداد مسودة نهائية شاملة كل التحديات والمعوقات التى يتم تجميعها من خلال أطراف ذات صلة بالقطاع، مثل الخبراء الاقتصاديين والصناع وأصحاب مصانع وأساتذة اقتصاد فى الجامعات المصرية، لتكوين ما يسمى بـ«كونسلتو اقتصادي» للخروج بحلول عاجلة للمشكلة.
وشكا من ندرة وجود المواد الخام المطلوبة فى المصانع، فضلًا عن ارتفاع سعر شرائها، وهو ما يمثل معضلة إضافية، مشددًا على أنه سيتم مناقشة هذه المعوقات والتحديات التى تواجه الصناع فى مجلس الشيوخ والخروج بتوصيات عاجلة لمساعدة الحكومة فى التغلب عليها للوصول إلى مبتغى الدولة بتحقيق صادرات بقيمة ١٠٠ مليار دولار سنويًا.
ولفت إلى أن عبور هذه المرحلة الصعبة يتطلب تنسيقًا كاملاً بين الحكومة والبرلمان والمصنعين، من أجل إيجاد الحلول لمواجهة ارتفاع وندرة المواد الخام وتقليل فاتورة الاستيراد والنولون، خاصة وأن المعيار الحقيقى لنجاح الدولة هو قدرة المصانع المصرية على سد احتياجات المواطن وتقليل الاعتماد على العملة الصعبة فى استيراد السلع.
وأكد الدكتور عز الدين حسنين، الخبير الاقتصادى والمصرفى، أن القطاع الصناعى فى مصر منذ مطلع عام ٢٠٢٦ واجه تحديًا هو الأصعب فى مسيرته نحو تعميق التصنيع المحلى، حيث لم يعد الرهان مقتصرًا على جذب الاستثمارات، بل بات يتركز حول «معادلة البقاء» فى ظل الارتفاعات المتتالية لأسعار مستلزمات الإنتاج.
وأضاف إن هذا المشهد الضبابى الذى يفرضه تضخم المدخلات العالمية وتقلبات كلفة الاستيراد يضع الصناعة الوطنية أمام اختبار حقيقى حول قدرتها على الصمود والمرونة.
وتابع: «شهد الربع الأول من عام ٢٠٢٦ قفزة فى تكاليف الإنتاج بنسب تراوحت بين ٢٥٪-٣٥٪ فى بعض القطاعات، أدت إلى تراجع مؤشر مديرى المشتريات، حيث سجل المؤشر انكماشًا دون مستوى ٥٠ نقطة (وصل ٤٨ نقطة فى مارس ٢٠٢٦)، ما يعكس تراجعًا فى الطلبات الجديدة والإنتاج، ورغم انخفاض قيمة العملة المحلية أمام الدولار والذى يعزز الصادرات نظريًا، إلا أن ارتفاع تكلفة المكون المستورد والوقود والشحن بسبب التوترات الجيوسياسية الحالية فى المنطقة (الذى ارتفع بنسبة تصل إلى ٣٠٪) يحد من قدرة المنتج المصرى على المنافسة السعرية عالميًا».
ونوه إلى أن القطاع غير الرسمى والمشروعات الصغيرة هى الأكثر تضررًا لعدم قدرتها على الوصول إلى تمويلات ميسرة لمواجهة تضخم رأس المال العامل.
مؤكدًا أن مستقبل الصناعة فى مصر مرهون بقدرتنا على تحويل «أزمة التكلفة» إلى فرصة للتحول الهيكلى، لأن استمرار الاعتماد على المكون المستورد فى ظل تقلبات سلاسل الإمداد لم يعد خيارًا آمنًا، لذا فإن التحرك نحو تعميق التصنيع المحلى وتوطين صناعة الخامات البديلة أصبح هو السبيل الوحيد لخفض كلفة الإنتاج وتعزيز التنافسية التصديرية، لضمان استدامة الإنتاج وتحويل شعار «صنع فى مصر» من هدف طموح إلى واقع اقتصادى صلب يقود قاطرة التنمية.
وأوضح الدكتور محمد الشوادفى، أستاذ الاستثمار وإدارة الأعمال بكلية التجارة بجامعة الزقازيق، أن التأثير لا يقتصر على الإنتاج فقط، بل يمتد إلى سوق العمل، حيث قد تضطر بعض الشركات إلى خفض العمالة، أو تقليل ساعات العمل لمواجهة ارتفاع التكاليف، وهو ما قد ينعكس سلبًا على معدلات التشغيل فى السوق المحلى، خاصة فى المشروعات الصغيرة والمتوسطة الأكثر تأثرًا بالأزمات.
وأكد «الشوادفى» أن بعض الأنشطة الاقتصادية قد تواجه خطر التوقف المؤقت، أو الإغلاق فى حال استمرار ارتفاع التكاليف لفترات طويلة، لكنه رجّح فى الوقت ذاته أن هذه الأوضاع لن تستمر بشكل دائم، نظرًا لارتباطها بظروف استثنائية عالمية، من بينها تداعيات الحرب الدائرة، متوقعًا أن تشهد الفترة المقبلة تحسنًا تدريجيًا مع استقرار الأوضاع العالمية.
وقال الدكتور السيد الصيفى، العميد السابق لكلية التجارة فى جامعة الإسكندرية، وأستاذ التمويل والاستثمار، إن مؤشرات المرحلة الحالية تعنى مزيدًا من التضخم، وبالتالى مزيدًا من ارتفاع الأسعار وانخفاض فى قيمة الجنيه أمام الدولار، والذى حتمًا سيؤدى إلى رفع البنك المركزى لمعدلات الفائدة، وهذا بدوره يؤدى إلى ارتفاع خدمة الدين وزيادة عجز الموازنة، وندخل فى دائرة لا تنتهى، حيث إن عجز الموازنة سيتم تغطيته بمزيد من الاقتراض أو بيع الأصول.
وأشار إلى أن المصانع تواجه تحديًا آخر يتمثل فى شح وعدم توافر المواد الخام بسبب تأخر وصولها، نتيجة اتخاذ السفن مسارات بديلة هربًا من منطقة العمليات العسكرية واتخاذ طرق أطول حول أفريقيا، ما أدى إلى تأخير كبير فى وصول المواد الخام، وكل هذه العوامل مجتمعة أثرت على أركان العملية التصنيعية. مؤكدًا أن كل تلك الأوضاع تهدد الصناعة الوطنية، مما يستدعى تدخلًا عاجلًا من الحكومة بحزمة إنقاذ فورية لضمان استمرار المصانع فى الإنتاج، محذرًا من أن أى تأخير فى التدخل للمساعدة والإنقاذ قد يهدد الصناعة الوطنية بالانهيار، وهو الأمر الذى لن يتحمله الاقتصاد ويصعب معه العودة مرة ثانية.
عمال: «مفيش فرص عمل فلجأنا للتكاتك»
«اليومية على التوكتوك أضمن من الشغل فى المصنع».. بهذه العبارة عبر محمود سعودى، عامل لحام عن حياته بعد تسريحه وآخرين، من أحد مصانع العاشر من رمضان، مضيفا: «كنت بشتغل ورديتين فى اليوم وللأسف بعد ارتفاع الأسعار بدأ أصحاب المصانع تقليل الورديات وبالتالى تقليل عدد العمالة وكنت أنا و٦ من زملائى ضمن من تم الاستغناء عنهم وحاولت البحث عن فرصة عمل فى أى مصنع تانى، لكن للأسف الحال واقف عند الكل»
وأضاف: «قمت أنا وأحد العمال بشراء توكتوك واشتغلنا عليه احنا الاثنين ورغم ان الرزق مش كبير لكنه أضمن من الشغل فى المصانع» وأضاف السيد عامر، فنى كهرباء بأحد مصانع المنطقة الصناعية فى جمصة: «كنت ورديتين يوميا ولمدة ٢٤ يوم فى المصنع و٦ أيام أجازة أقضيها مع أسرتى فى كفر الشيخ، وكان الدخل كويس لكن بعد الحرب الأمريكية الإيرانية المصنع خفض الإنتاج وأصبح الشغل وردية واحدة بس ولمدة ١٥ يوم فقط وحاليا مهددين بالإغلاق النهائى بسبب تأخر وصول الخامات المستوردة وارتفاع أسعارها»
واستطرد: «للأسف مش قادر أكفى مصاريف البيت ومش عارف أشتغل فى أى مكان تانى ولما بنشتكى لصاحب المصنع بيقولنا مافيش حل وان الموضوع أكبر منه»
وتأثر وهو يقول: «عندى ٣ عيال فى المدارس وكل حاجة ارتفع سعرها الأكل والشرب والمواصلات ودروس العيال فى الوقت اللى دخلنا فيه بيقل ومش بيكفى اننا ناكل عيالنا عيش حاف، ولو استمر هذا الوضع للأسف هنشحت»
وأضاف كمال زهران رئيس وردية فى أحد مصانع الألومنيوم: «انتاج المصنع كله كان بيتصدر وكنا كل فترة بنطلب عمالة جديدة وندربها لكن من منتصف ٢٠٢٥ وانتاج المصنع تراجع وأصبح فى أسوء حالاته منذ بداية ٢٠٢٦ حتى إن بعض الأيام تمر دون انتاج لعدم وجود مواد خام بخلاف وجود مديونيات لشركة الكهرباء وللأسف أصحاب المصانع مع ارتفاع أسعار الخامات بدأوا فى تقليص الإنتاج وتلجأ للتخلص من الحلقة الأضعف وهى العامل حيث يتم تقليل العمالة والورديات لتقليل التكلفة النهائية وهناك مصانع توقفت تماما عن العمل وسرحت العمالة بالكامل وعندما يتم ابلاغ مكتب العمل يقدم صاحب المصنع مايفيد إفلاسه أو توقف نشاطه»
واستطرد قائلا: «يعنى عامل قضى عمره كله فى مصنع فجأة يلاقى نفسه فى الشارع واحيانا بنعذر أصحاب المصانع لأن الدنيا ضاقت على الكل بس اللى بيحس بيها فعلا وحياته بتتدمر هو العامل»
وحذر محمود عبدالله، مهندس، من أن استمرار الحال قد يؤدى إلى تدمير كامل لصناعات تعتمد على العمالة المدربة: «العامل المدرب عملة نادرة ومع تسريحهم واتجاههم للعمل على توكتوك أو السفر للخارج بيهدد سوق العمالة وعندما تنتهى الأزمة وتعود المصانع للعمل لن تجد العامل المدرب الذى كنا نتميز به»
وأضاف: «مصر بتتميز بالعمالة المدربة والرخيصة وهذا يعطى ميزة نوعية للصناعات الوطنية ولكن مع استمرار هذا الوضع سنفقدها لصالح العمالة القادمة من شرق آسيا»
«اتحاد مستثمرى المشروعات الصغيرة والمتوسطة» يضع «روشتة إنقاذ»: «توسيع التمويل الموجه للإنتاج»
فى وقت يعانى القطاع الصناعى من ضغوط تكاليف مستلزمات الإنتاج طالب اتحاد مستثمرى المشروعات الصغيرة والمتوسطة أمام لجنة الصناعة بمجلس النواب بضرورة تدخل الدولة لبشكل عاجل لمساعدة القطاع الصناعى للخروج من أزمتة ووضع الإتحاد «روشتة إنقاذ» لضمان ما وصفوه بـ«استمرارية الإنتاج وتخفيف حدة الضغوط الحالية على القطاع الصناعى فى ظل ارتفاع تكاليف المدخلات».
وكشف علاء السقطى، رئيس اتحاد مستثمرى المشروعات الصغيرة والمتوسطة لـ «المصرى اليوم» عن معاناة المصانع، خاصة الصغيرة والمتوسطة، فى الحفاظ على طاقاتها التشغيلية، نتيجة تآكل قدرتها على شراء المواد الخام سواء من السوق المحلية أو استيرادها من الخارج، مؤكدا أن ارتفاع الأسعار يزيد من تكلفة الإنتاج بشكل كبير مما يفوق قدرات المصانع الصغيرة والمتوسطة وقال: «الصناعات الصغيرة والمتوسطة هى عصب الإقتصاد لأنها تضم العدد الاكبر من المصانع وللأسف تلك الفئة تتأثر كليا بالأسعار والاحداث المحيطة وللأسف عدد كبير من هذه المصانع خفض من انتاجيته مجبرا بسبب ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج وأصبحت تلك المصانع مهددة بالتوقف فى حالة حدوث أى زيادات مستقبلية فى ظل عدم استقرار الفائدة وأسعار العملات مما يضع المستثمر الصغير والمتوسط فى فيما يشبه «الكماشة» التى تضغط عليه وقد تتسبب فى تحطيمه» وأضاف: «المشاكل التى يتعرض لها المستثمر وتأثير ذلك على الإقتصاد المحلى تشبه كرة الثلج كلما تحركت زادت كتلتها وضغط عليه فمع زيادة التكاليف ينخفض الإنتاج وينخفض بالتبعية البيع والذى يؤدى فى النهاية إلى تآكل رأس المال وربما الإفلاس والتوقف لا قدر الله» وأكد أن الأزمة الحالية ترتبط بنقص السيولة التمويلية اللازمة لتغطية الفجوة الناتجة عن ارتفاع تكلفة شراء المواد الخام سواء محليًا أو عبر الاستيراد بما يستدعى تدخلًا سريعًا من الجهات المعنية لتنفيذ «حزمة إنقاذ» تتمثل فى ٤ بنود هى: «أولا زيادة حدود الائتمان الممنوحة للقطاع الصناعى بما يتناسب مع الارتفاعات فى تكلفة شراء المواد الخام، سواء من السوق المحلى أو الخارجى، مع توجيه واضح من البنك المركزى للبنوك بتوسيع التمويل الموجه للإنتاج، وزيادة القروض بنفس نسبة الزيادة فى التكلفة، وثانيا الإفراج الفورى عن الخامات ومستلزمات الإنتاج والآلات لتقليل فترات التعطيل للنقطة صفر زمن حتى لو كانت هذه المستلزمات أو الآلات قادمة لتجار لأنها فى النهاية ستدخل فى الإنتاج وذلك لضمان استمرارية سلاسل الإنتاج، وثالثا اطلاق مبادرة تمويلية عاجلة لخفض تكلفة الفائدة على القطاع الصناعى لفترة مؤقتة تتراوح بين ٣ إلى ٦ شهور، يتم تقييمها وتجديدها وفقًا لمتغيرات السوق، وأخيرا سرعة رد الضريبة للمصدرين حيث تلقينا شكاوى عديدة أكدت وجود عدد كبير من الشركات المصدرة لم تسترد ضريبة القيمة المضافة على مستلزمات الإنتاج المحلية منذ شهور».
وأضاف «السقطى»: أن تلك الإجراءات تمثل حلولًا سريعة وقابلة للتنفيذ ومن شأنها تخفيف حدة الضغوط على المصانع، وتمكينها من استعادة قدرتها التشغيلية والحفاظ على العمالة ومعدلات الإنتاج بالإضافة لتبنى مبادر حكومية لتدريب أصحاب المصانعى بتحسين استغلال الأرضيات والمبانى داخل المصنع لتحقيق أعلى استفادة ممكن من كل شبر صناعى وهو توجه عالمى حاليا خاصة مع زيادة تكاليف إنشاء المصانع واستخراج التراخيص وتنفيذ الإشتراطات البيئية والصناعية».
وأشار إلى أن أمام مصر فرصة ذهبية لزيادة الإنتاج والصادرات فى حالة حل مشاكل المستثمرين فى الصناعات الصغيرة والمتوسطة قائلا: «فى ظل الظروف الجيوسياسية التى تمر بالمنطقة وأدت إلى توقف الشحن والتصدير فى مناطق متعددة بالشرق الأوسط أصبح لدى مصر فرصة ذهبية لاستغلال طبيعتها واستمرار عمليات الشحن بها لزيادة الصادرات حيث يتكلف شحن الكونتر إلى ايطاليا مثلا من ٣٠٠ إلى ٤٠٠ يورو وهذا مبلغ قليل بالمقارنة مع الفائدة ولكى أحقق ذلك يجب أن أشجع المستثمر لزيادة انتاجه والتصدير للخارج.
وشدد: على الدولة اقتناص الفرص المتاحة أمامها حاليا بسرعة التدخل لحل مشاكل المصانع والمستثمرين لدفعهم لزيادة الإنتاج ووبالتالى زيادة الصادرات لتحقيق طفرة اقتصادية كبيرة وبدلا من ترك القطاع الصناعى يواجه معاناته منفردا مع الزيادات المستمرة فى أسعار مستلزمات الإنتاج من الخامات والطاقة والتى تهدد القطاع باكمله وقد تتسبب فى توقف الإنتاج وتشريد العمالة مما يزيد الأعباء على الدولة فى النهاية».
المصدر:
المصري اليوم