يحيي محبو المخرج الكبير محمد خان، اليوم 26 يوليو الذكرى العاشرة لرحيله؛ إذ توفي خان عام 2016 عن عمر ناهز 73 عامًا، بعد تجربة سينمائية امتدت لأكثر من 40 عامًا، برز خلالها كأحد أبرز مخرجي تيار الواقعية الجديدة في السينما المصرية، وصنع من شوارع القاهرة وأزقتها الضيقة وناسها البسطاء أبطالا لقصص أفلامه التي بلغت 24 فيلما روائيا.
وفي تجربة خان، يبدو كل فيلم وكأنه وثيقة تاريخية لزمنه، لا تنفصل حكايته عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي خرجت منه شخصياته.
ويأتي فيلم «عودة مواطن» نموذجًا واضحًا لذلك؛ إذ يمكن أن يرسم لنا صورة تفصيلية عن واقع الثمانينيات بأكمله، بما شهده من تحولات اجتماعية واقتصادية انعكست على حياة الناس وعلاقاتهم، وعلى شعور الفرد بمكانه داخل بلده وبين عائلته مع المتغيرات المتسارعة.
ويحكي الناقد محمود عبد الشكور، عن تجربة الفيلم في كتابه: «محمد خان.. سيرة سينمائية» بأنها مأساة بطله شاكر (يحيى الفخراني)، الذي سافر للعمل في قطر لمدة 8 سنوات، وها هو اليوم يعود إلى مصر؛ ليكتشف أنه في غربة داخل وطنه، بعد أن كان في غربة خارجه، والغربة في الوطن كما قال أبو حيان التوحيدي: "هي أقسى أنواع الغربة".
وتابع أن الفيلم هو رحلة «شاكر» لاكتشاف عالم آخر وُلد في غيابه، ولاكتشاف أن إخوته الذين عاد إليهم لا يحتاجون إليه، فلا الأموال التي عاد بها يمكن أن تحل شيئًا، ولا هو قادر على أن يعمل من جديد في وطن لم يعد يعرفه.
وأكمل عبد الشكور: "اللافت للنظر أن عودة الأخ أو الابن إلى الوطن ليكتشف انهيار أسرته، من الأفكار المتكررة عند مخرجي تيار الواقعية الجديدة وكتّابها؛ فنجدها على سبيل المثال عند عاطف الطيب في فيلمه الذي عُرض عام 1992 بعنوان: «دماء على الأسفلت»، عن سيناريو وحوار لأسامة أنور عكاشة، إذ يعود د. سناء (نور الشريف) من عمله في الخارج لإنقاذ والده من ورطة، فيكتشف انهيار الأسرة كلها".
وأضاف: "هكذا أراد شاكر، الذي يبدأ الفيلم بمشاهد عودته إلى مطار القاهرة متداخلة بقطعات نادية شكري السلسة مع لقطات نتعرف فيها على إخوته الأربعة، ثم ينتهي هذا الاستهلال البديع باللقاء في بيت العائلة في حلوان، وجعل خان صورة الأفيش هي صورة «شاكر» مع إخوته أمام المنزل، كل واحد منهم يلبس كيفما اتفق، والمكان قديم كأنهم يجلسون على الأطلال".
وأكمل عبد الشكور: "ظن «شاكر» العائد بسيارة فاخرة يستلمها في مصر وبمبلغ 100 ألف دولار، أنه يمكن أن يصنع شيئًا، وأن يكون جزءًا من المجتمع، ولكنه لا يستطيع أن يعود ليعمل في الشركة التي تحولت إلى ملهى ليلي، ولا يستطيع أن يصبح راقصًا في الملهى كما نصحه شقيقه إبراهيم ساخرًا، ولا يمكنه أن يستعيد «ناهد» التي ذهبت مع زمنه، بل إنه حتى لا يستطيع أن يشتري شقة دفع فيها 50 ألف دولار، بعد أن تبين أنه ضحية نصاب باع العمارة لأكثر من شخص، وتتحول أمواله إلى مجرد مفتاح يضمه مكتب المدعي الاشتراكي إلى مفاتيح أخرى بلا قيمة".
وواصل عبد الشكور: "يتأمل «شاكر» إخوته ومجتمعه بعين الدهشة، ويقول لشقيقه إبراهيم الذي يتعاطى الفاليوم منذ أن انتظر خطاب القوى العاملة، والذي يلعب الشطرنج مع نفسه: «إنت بتلعب عشان تغيب عن الدنيا مش عشان تتسلى»".
وأوضح الناقد، أن «شاكر» يكتشف أن «فوزية» تعلم بمأساة «إبراهيم»، فيعلق قائلًا: «باحس إن أكبر غلط إني سبتكم وسافرت».
وبين أن إبراهيم تحول إلى شخصية عدمية لا تؤمن بجدوى أي شيء على الإطلاق، وهو يخشى أن يأكل الناس بعضهم بعضًا بسبب زيادة السكان قائلا: «سنة 2000 عددنا هيبقى 100 مليون، وهناكل بعض، يرضيك إن شعب عريق يبقى من أكلة لحوم البشر!»".
وأشار إلى أن «إبراهيم» يقول بعد أن دخل المستشفى للعلاج من تعاطي الماكستون فورت، ملخصًا لـ«شاكر» سبب ما يراه من تغيرات: «الزمن ما بقاش زمنا يا شاكر.. البلد دلوقتي مابقاش فيها غير ناس فوق وناس تحت.. إنما الناس اللي في الوسط خلاص راحت عليها».
ولفت الناقد محمود عبد الشكور، إلى أن «إبراهيم» قال لـ«شاكر» على المقهى من قبل العبارة نفسها التي تلخص الفيلم كله: «الزمن مابقاش زمنا يا شاكر».
المصدر:
الشروق